Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

موسكو وقفت وراء الوحدة الألمانية وتاتشر وميتران يكشفان أسباب رفضهما

تفاصيل ما تقاضاه غورباتشوف من برلين ثمناً لموافقته على التوحيد

رئيس الاتحاد السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف (غيتي)

لمناسبة حلول الذكرى الثلاثين لتوحيد الألمانيتين، يعود الحديث مجدداً حول الدور الذي لعبه ميخائيل غورباتشوف في سقوط جدار برلين عام 1989، والاندفاع من دون حساب أو تريث، نحو الموافقة على سحب القوات السوفياتية من غرب أوروبا وحلّ "حلف وارسو" وتوحيد الألمانيتين من دون مقابل، أو تنازلات مماثلة من جانب حلف الناتو.

وفيما وصمت الاتهامات غورباتشوف بالخيانة، انبرى كثيرون ومنهم قيادات سوفياتية وألمانية للكشف عن حقيقة وأبعاد المقابل الذي يمكن أن يكون حصل عليه غورباتشوف، مشيرين بالأرقام إلى "ضآلة" ما دفعته ألمانيا الغربية ثمناً لذلك.

ذلك في الوقت الذي أماطت فيه لندن اللثام عن الأسباب التي دعت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر، والرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران إلى الإعراب عن مخاوفهما ورفضهما تلك الفكرة التي كانت موسكو في صدارة من تحمس لها.

بداية نستشهد بما قاله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول سقوط جدار برلين، وكان هناك على مقربة في مهمة "استخباراتية" في مدينة دريزدن في ألمانيا الشرقية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قال بوتين إنه اكتوى ببعض نيران هجمات المتظاهرين آنذاك، واعترف بعجزه عن الوصول إلى مقر قيادته السوفياتية في برلين لحمايته ومن معه في "فرع دريزدن" للاستخبارات، فيما أدرك آنذاك ولم يكن هناك من كان يتوقع الانهيار، أن الاتحاد السوفياتي في طريقه إلى الزوال.

وثمة من تندر بما تردد في الأروقة السياسية، حول أن السفير السوفياتي كان "يغط في نوم عميق، في الوقت الذي كان العالم بأسره يحتفل بسقوط "جدار برلين".

الجدار لم يسقط

وعن سقوط الجدار، نقل التليفزيون الروسي في قناته الرسمية "روسيا-1" عن بوتين قوله "إن الجدار لم يسقط. لقد تمت زحزحته إلى مكان يقع على مقربة مباشرة من الحدود الغربية لروسيا"، في إشارة مباشرة إلى تحرك قوات حلف الناتو شرقاً حتى الحدود الروسية بعد "ابتلاعه" كل بلدان شرق أوروبا ومعها ثلاث من جمهوريات البلطيق السوفياتية السابقة (إستونيا ولاتفيا وليتوانيا).

يذكر المراقبون أن سقوط جدار برلين وتوحيد الألمانيتين، جاءا في أعقاب مباحثات لم تطل كثيراً كان الاتحاد السوفياتي خلالها يعيش نشوة "البيريسترويكا والغلاسنوست" التي أعلنها ميخائيل غورباتشوف عام 1985. وفيما أعرب كثيرون من زعماء بلدان شرق أوروبا، أو كما كانوا يسمونها آنذاك "بلدان المعسكر الاشتراكي" عن مخاوفهم من احتمالات أن تتعرض بلادهم لهزات قد تطيح ما بقي لهم ولبلدانهم من وقار واستقرار، عاد غورباتشوف ليداهمهم بتصريحه الذي أعلنه خلال زيارته بولندا حول "أن الاتحاد السوفياتي لن يتدخل لاحقاً في أي من الشؤون الداخلية لهذه البلدان".

ولم يكن ذلك سوى الإعلان غير المباشر عن رفع وصاية موسكو وحمايتها زعماء تلك البلدان. ويذكر أندريه غراتشوف آخر المتحدثين الرسميين للرئيس السوفياتي الأسبق، في حديثه إلى "لوموند" الفرنسية أن غورباتشوف كان أعلن ذلك صراحة في آخر خطاب له في الأمم المتحدة، حين كشف عن إسقاط ما كان يسمى "مذهب بريجنيف".

وقال في هذا الصدد إن "الاتحاد السوفياتي لن يلجأ لاحقاً إلى التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأجنبية بغض النظر عن نظمها السياسية". بل وسارع غورباتشوف إلى الإعلان عن سحب ما يقرب من نصف مليون من القوات المسلحة في بلدان شرق أوروبا، وهو ما عزّزه لاحقاً بقرار سحب القوات السوفياتية من أفغانستان في مايو (أيار) 1989.   

علماً أن الجماهير الشعبية والعمالية في بولندا كانت تحركت على فترات متعاقبة، اعتباراً من مطلع ثمانينيات القرن الماضي لتعلن عن انتفاضة حركة "التضامن" بقيادة زعيمها ليخ فاونسا، لتكون مقدمة لتحركات مماثلة في المجر وتشيكوسلوفاكيا.

وفيما كانت بلدان شرق أوروبا تعيش إرهاصات التغيير، فاجأت موسكو الداخل والخارج بوصول غورباتشوف إلى سدة السلطة في الكرملين، معلناً عن ثورة التغيير والإصلاحات تحت شعارات "البيريسترويكا والغلاسنوست".

وهي الحركة التي عادت الأوساط المحافظة في الاتحاد السوفياتي لتوصمها بالخيانة، فيما كشف عدد من كبار أعضاء المكتب السياسي ومنهم فلاديمير كريوتشكوف رئيس جهاز أمن الدولة "كي جي بي" عما قيل إنها "وثائق تقول بتجنيد الاستخبارات المركزية الأميركية لساعده الأيمن ألكسندر ياكوفليف".

وزاد من حدة هذه الاتهامات ووطأتها ما أدلى به غورباتشوف من تصريحات نقلتها وكالة "انترفاكس" قال فيها "إن القيادة السوفياتية حسناً فعلت، بعدم اللجوء إلى القوة من أجل الحيلولة دون سقوط جدار برلين".

ومضى إلى ما هو أبعد، حين أضاف أن "موسكو لم تحاول وحسب الدفع بالقوات السوفياتية التي كانت موجودة على مقربة مباشرة في أراضي ألمانيا الديمقراطية، بل بذلت كل ما في وسعها من أجل تطوير تلك العملية ودعمها في إطار سلمي"، بحجة أن ما جرى لم يكن يؤثر في المصالح الحيوية للاتحاد السوفياتي".

الرئيس الألماني

في هذا الصدد نذكر ما أعرب عنه الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير عن عظيم امتنانه لغورباتشوف لما ساهم به من جهد من أجل توحيد الألمانيتين.

وأوضح في رسالته التي بعث بها إلى الزعيم السوفياتي الأسبق الذي اختار ألمانيا موطناً للإقامة الدائمة في ضيعته التي حصل عليها "كهدية"، "أن أحداً من مواطني الألمانيتين لا يمكن أن ينسى الدور الذي قام به غورباتشوف وما اتخذه من قرارات حاسمة تتسم بالجرأة والإنسانية"، من أجل توحيد بلاده وإنهاء تقسيم أوروبا".

ولم يكتفِ شتاينماير بكل هذا المديح، إذ أضاف: "يجب أن نوضح مرة بعد أخرى أنه لم تكن إعادة الوحدة لتتحقق لولا اتفاقيتي السلام مع بولندا والاتحاد السوفياتي السابق، والاعتراف بخط أودر - نايسه حدوداً دولية، ولولا مسار هلسنكي والناتو والاتحاد الأوروبي، ولولا شجاعة ميخائيل غورباتشوف، فنحن لا ننسى ذلك ونقول: شكرا جزيلاً".

ولعل الشكر الذي خصّ به الرئيس الألماني شتاينماير، غورباتشوف عن دوره في توحيد الألمانيتين، يزيد من أهميته وقدره، في توقيت كان للزعماء الغربيين رأي آخر.

وتفيد الوثائق البريطانية في الذكرى العشرين لسقوط جدار برلين بأن الاتحاد السوفياتي لم يكن في جوهره رافضاً توحيد الألمانيتين، على عكس مواقف رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر، والرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران، فقد اعترفت تاتشر في مذكراتها بأنها خشيت آنذاك آفاق تحقيق الوحدة الألمانية.

وأوردت وثائق الخارجية البريطانية أن تاتشر لم تعرب عن مجرد القلق فحسب، بل كانت أقرب إلى الرفض القاطع لهذه الوحدة، وعلى الرغم من إعلانها تأييدها حق الألمان في تقرير المصير عام 1985، فإنها عادت وأعلنت في 1990 أن الشركاء الغربيين كانوا يفعلون ذلك لأنهم على يقين من أن ذلك لن يحدث مطلقاً. وتتذكر تاتشر أنها في أحد لقاءاتها مع الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران فردت أمامه خريطة أوروبا عام 1937 أي أوروبا في حدود ما قبل الغزو الهتلري، لتعرب له عن مخاوفها من الروح القومية للألمان، ومما يمكن أن تكون عليه قواتهم بعد الوحدة وسط أوروبا. وتمضي تاتشر في رحلة الذكريات لتصرح بما قالته في أحد لقاءاتها مع عدد من كبار الساسة الأوروبيين في ديسمبر (كانون أول) 1989 حول أن أوروبا هزمت ألمانيا مرتين، وها هم الألمان يعودون مجدداً، كأن شيئاً لم يحدث. وقد شاطرها ميتران الموقف ذاته.

ميتران

في هذه المناسبة يُنقل عن ميتران أيضاً ما قاله في حديثه مع تاتشر في 20 يناير (كانون ثاني) 1990 حول أن "المانيا ستبسط هيمنتها في شرق أوروبا على كل من بولندا وتشيكوسلوفاكيا والمجر، ولن تترك لنا سوى رومانيا، في إشارة إلى أفقر بلدان المعسكر الاشتراكي. أما في موسكو فكان كثيرون يعلقون على ما كان يؤكده غورباتشوف دوماً في لقاءاته مع ميتران حول "ضرورة بناء البيت الأوروبي المشترك وأهميته"، ساخرين بقولهم "إنه هو البيت الذي قاموا بإهدائه إلى غورباتشوف في ألمانيا".  

بغض النظر عما يتناقلونه في شأن "حقيقة" إهداء الزعيم الألماني الأسبق هيلموت كول الزعيم السوفياتي الأسبق "بيتاً متواضعاً" في ألمانيا اختاره غورباتشوف للإقامة فيه مع قرينته قبل وفاتها، فإن هناك من ظهر ليقول إن غورباتشوف باع هذا المنزل في وقت لاحق بمبلغ ثلاثة ملايين يورو واستبدله بآخر للإقامة فيه مع ابنته إيرينا، في الوقت الذي اتهمه آخرون بأنه لم يدافع عن مصالح بلاده وحقوقها، وحيث كال له مواطنوه وابلاً من الشتائم والاتهامات، بلغت حد وصمه بالخيانة.

"الحانوتي"

إلا أن الواقع يقول إن ما اتخذه غورباتشوف من مواقف وسياسات لم يكن "خيانة" أو "عمالة" بمعانيها المباشرة، بقدر ما قد يكون نتيجة "ضعفه وتخاذله وعجزه عن حماية مصالح بلاده، تحت ضغوط الخارج".

كل هذا، لم يمنع غورباتشوف من الاعتراف في حديثه هذا الأسبوع إلى "التايمز" البريطانية، بـ"أن كان في الإمكان أن يكون العالم أكثر أمناً، لو تم الحفاظ على الدولة السوفياتية"، وهو اعتراف جاء متأخراً جداً، في وقت يتناقل كثيرون في موسكو كنيته التي التصقت به منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، وهي "الحانوتي"، في إشارة صريحة إلى دوره في "دفن هذا الاتحاد السابق".    

وكشف برنامج "الجدار" الذي بثه التليفزيون الروسي على شاشة القناة الرسمية "روسيا-1" لمناسبة ذكرى سقوط جدار برلين وتوحيد الألمانيتين، عجز القيادات السوفياتية ومن ثم الروسية عن الحصول على أية مكاسب مقابل موافقتها على سحب قواتها التي كان يقترب عددها من 400 ألف جندي وضابط.

وقال عدد من الجنرالات من شهود العيان إن موسكو وافقت على الرحيل، بل وأيضاً على حل "حلف وارسو" من دون أي ضمانات من جانب الناتو. وأشار بعضهم إلى أن غورباتشوف اكتفى بما قاله جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركية الأسبق حول أن "الناتو لن يتحرك خطوة واحدة من مواقعه الحالية، أي في ألمانيا الغربية"، وهو ما نفاه بيكر في وقت لاحق. وأعربت القيادات العسكرية عن أسفها من الثمن البخس الذي دفعته ألمانيا الغربية مقابل انسحاب القوات السوفياتية، وهو مبلغ لا يزيد عن 15 مليار مارك، منها ثلاثة مليارات كقرض. وبررت القيادة الروسية حينها تقاضي هذه الأموال مقابل بناء المساكن للجنود والضباط العائدين، ونفقات انتقالهم إلى مواقعهم الجديدة، على الرغم مما كشفه مسؤولون ألمان عن أن برلين كان يمكن أن تدفع ما يزيد على مئتي مليار مارك، لو تقدمت موسكو يومها بمثل هذا الطلب.  

ولمِ تنته سلسلة الفضائح عند هذا الحد، ما نشره الشريط الوثائقي "الجدار" من مشاهدها، إذ بينت ما فعله الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين في برلين لدى وداع عدد من وحدات قواته المسلحة فيها، حيث ترك مكانه على المنصة إلى جانب هيلموت كول، لينزل إلى الأوركسترا التي كانت تشارك في وداع القوات عام 1993، ولينتزع عصا القيادة من المايسترو الألماني، ملوّحاً بها كأنما يقود هذه الأوركسترا بطريقة كشفت مدى وقوعه تحت تأثير ما احتساه من خمور.          

المزيد من تحلیل