Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجمهور العربي ينصب نفسه رقيبا على الفن

رواد التواصل الاجتماعي يوقفون أفلاما وإعلانات في مصر ويمنعون عرض مسلسل سعودي والرأي العام يلاحق أعمالا درامية أخرى

مسلسل "جن" أحد الأعمال التي لاقت اعتراضاً في الوطن العربي (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية – نتفليكس)

الضغوط التي تفرضها الرقابة في البلدان العربية على الدراما لها معاييرها التي تؤخذ في الاعتبار، مع الوقت أصبحت الأخيرة تلتزم بها وتنتج أعمالاً مطابقة للمواصفات، في نسبة كبيرة من منجزها. وبينما تمكنت الأولى من تغيير مسار الأخيرة أحياناً، فإنها اليوم لم تعد وحدها، إذ يزاحمها الرأي العام على التواصل الاجتماعي سلطتها بعد ما زاد نفوذه، ليطرح الأمر الواقع بدوره سؤالاً عما إذا كانت قد أصبحت أكثر قسوة من الرقابة الرسمية نفسها، خصوصاً أن تأثير التواصل الاجتماعي لم يعد محل جدل بعد.

انتقادات الجمهور المصري تنال من "حلاوة روح"

في الوقت الذي تقر الجهات الرقابية المصرية عرض عمل فني، تكون المفاجئة أن الاعتراض يأتي من الجمهور، فالمتعارف عليه أن مشاهدي الأعمال الفنية يبحثون دوماً عن قصص تتخطى السائد، وتعرض القضايا بشكل واقعي، وبسقف حرية أعلى كلما أمكن، ولكن في بعض الأوقات يضيق المشاهد ذرعاً بما يراه، ومن وجهة نظره يعده خروجاً عن الآداب العامة، ويعتبر بعض الأعمال الفنية تسيء للمجتمع وتدعو لنشر أفكار هدامة، من هنا تبدأ الضغوط بوسائل عدة يقودها تيار عالي الصوت لوقف عرض المسلسل.

ولعل أبرز الحوادث التي وقعت في هذا الشأن وقف عرض فيلم "حلاوة روح" في صالات السينما المصرية بعد أيام من انطلاقه مطلع أبريل (نيسان) 2014، من بطولة هيفاء وهبي بالاشتراك مع باسم سمرة، والعمل مقتبس من فيلم مونيكا بيلوتشي الشهير "مالينا" المعروض عام 2000.

واجه "حلاوة روح" حملة هجوم واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، واتهمه بعض المغردين بـ"خدش الحياء" بسبب جرأة مشاهده، حيث تتعرض البطلة "روح" للتحرش على يد الطامعين بها من المنطقة الشعبية التي تسكن بها، الفيلم من إخراج سامح عبد العزيز، وإنتاج محمد السبكي.

وفي سابقة نادرة اتخذ رئيس الوزراء المصري الأسبق إبراهيم محلب حينها قراراً بوقف الفيلم لحين حصوله مجدداً على إجازة من هيئة الرقابة على المصنفات الفنية، وهو القرار الذي خلف وراءه عاصفة مشتعلة من الانتقادات القوية واتهامات بتقويض حرية الإبداع من قبل النجوم، حيث جاء القرار الرسمي بناء على ضغوط رواد "تويتر" و"فيسبوك"، خصوصاً بسبب مشاهد الطفل كريم الأبنودي حيث اعتبره البعض المشاهد التي ظهر فيها تحمل إيحاءات غير مناسبة مقارنة بعمره.

واللافت أنه بعد 8 أشهر من القرار الوزاري قررت محكمة القضاء الإداري وقف العمل بقرار حظر الفيلم، ليعاد إطلاقه في السينمات خلال ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، ولكن بعد تكبد منتجه خسائر فادحة عقب تسريب نسخ الفيلم وعرضه بطرق غير مشروعة على مواقع القرصنة.

 

 

مسلسلات متهمة بإشعال "الفتنة الطائفية"

فيما شهد عام 2004 واقعة شهيرة أثارت جدلاً طويلاً، فبعد الإعلان عن مواعيد عرض مسلسل "بنت من شبرا" لليلى علوي وطارق لطفي على التلفزيون المصري ضمن سباق دراما رمضان حينها، فجأة اتخذ وزير الإعلان المصري الأسبق ممدوح البلتاجي قراراً بمنع عرضه، رغم تصويره وحصول السيناريو على التصريحات اللازمة، بدعوى أن العمل قد يسهم في الاحتقان الطائفي حيث البطلة المسيحية تتزوج بمسلم، وتبدأ أحداثه منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى منتصف الثمانينيات وهو عن رواية لفتحي غانم وسيناريو مصطفى إبراهيم وإخراج جمال عبد الحميد، وجاء القرار بناء على اللغط الذي أثير حول موضوع العمل والبعض اعتبرها قضية رأي عام، ووصل الأمر آنذاك إلى اعتراض الكنيسة المصرية بناء على مطالبات ومخاطبات، فتقرر وقف عرض العمل في مصر في حين عرضته محطات فضائية عدة في التوقيت نفسه.

وعلى ما يبدو أن الأمر بدا حساساً حينها لأنه جاء بعد أربع سنوات من اعتراض مماثل يتعلق بمسلسل "أوان الورد" الذي عرض عام 2000 من تأليف الراحل وحيد حامد وإخراج سمير سيف، وبطولة يسرا وسميحة أيوب وهشام عبد الحميد وعبد الرحمن أبو زهرة، واتهم أيضاً بالإساءة للأقباط وإشعال الفتنة الطائفية، وبالنسبة للرأي العام كان عملاً صادماً أيضاً، وطالب كثيرون وقتها بوقفه، حيث تتزوج فيه مسيحية من مسلم، وشهد عرضه اعتراضات عدة ولكن وقتها لم يصل الأمر للمنع، ولم يتم الرضوخ للمطالبات، ولذا فما حدث مع "بنت من شبرا" بدا وكأنه ضربة استباقية، وهي وجهة النظر التي يتفق معها الناقد الفني طارق الشناوي في تصريحاته لـ"اندبندنت عربية".

يقول الشناوي، إن هذه القرارات ليس لها اتجاه واحد على طول الخط فهي تخضع دوماً للظروف، حتى أن هناك أعمالاً فنية تمت إجازتها وعرضها، وبعد سنوات تبدو موضوعاتها شائكة مثلاً فلا يعاد عرضها على الشاشات الرسمية، كما أن بعض الفضائيات تعرض عملاً ما وتحذف منه بعض المشاهد التي تعدها غير متوافقة مع مجتمعها أو سياستها، فيما محطات أخرى تتركها كما هي.

أضاف الشناوي، "على الرغم أن الفضائيات ومنصات الإنترنت من المفروض أنها كسرت الحواجز وجعلت فكرة المنع جزءاً من الماضي، ولكن هذا الأمر عربي لم يتحقق بشكل كامل، خصوصاً أن قنوات كثيرة لا تجد غضاضة في عرض مشاهد العنف والقتل، ولكن فيما يتعلق بالمشاهد العاطفية فدوماً يطالها مقص الرقيب".

ويشير إلى قصة أخرى من قصص اعتراضات الجمهور تتعلق بمسلسل "من الذي لا يحب فاطمة" الذي عرض عام 1996 لأحمد عبد العزيز وشيرين سيف النصر وجيهان نصر، عن قصة أنيس منصور، حيث قوبل العمل الذي قامت فيه البطلة المسيحية بإشهار إسلامها بغضب أيضاً، لافتاً إلى أن المؤلف رؤوف حلمي الذي كتب السيناريو والحوار والمعالجة الدراما ورغم أنه كان قبطياً، ولكنه تعرض للوم والعتاب والهجوم بسبب هذا العمل الذي سبب ضيقاً لأقاربه ومعارفه، ولكنه كان مقتنعاً بالقصة الدرامية للمسلسل الذي أثار جدلاً وغضباً من فئات كثيرة في الشارع المصري حينها، ومع ذلك عرضته الشاشات الرسمية.

أغنيات وإعلانات وبرامج مسيئة

الأمر لم يتوقف عند المسلسلات والأفلام فقط، ولكن وصل أيضاً إلى ضغوط متتالية عبر وسائل التواصل الاجتماعي لوقف بعض الأغنيات ولعل أبرزها "سالمونيلا" لتميم يونس، التي طرحت في مطلع عام 2020، حيث اتهمت بالترويج لمبدأ العنف ضد النساء والانتقاص من حقوقهن والتشجيع على التحرش، وهي الأمور التي ترجمت في شكوى رسمية قدمها المجلس القومي للمرأة لإدارة "غوغل" لوقف الأغنية باعتبارها تهين المرأة، ليقوم المغني تميم يونس بحذف الأغنية فيما بعد من قناته بموقع "يوتيوب" وصفحاته بمواقع التواصل الاجتماعي في يوليو (تموز) من العام نفسه بعد أن اتهم بالتحريض ضد المرأة.

فيما كان لضغوط وسائل التواصل الاجتماعي باع طويل في إيقاف المذيعة المصرية ريهام سعيد 5 مرات، حيث اتهمت مراراً بالإساءة إلى فئات كثيرة في المجتمع، والتحريض على التحرش بل والتورط في خطف الأطفال، على خلفية حلقات قدمتها ببرنامجها "صبايا الخير"، وكان من بينها إيقاف لمدة عام بسبب حلقتها عن السمنة واتهمت بالإساءة والسخرية من أصحاب الوزن الزائد، وبعد عودتها مباشرة أوقفت لفترة قصيرة بسبب حلقة وجدها البعض تشجع على تعذيب الحيوانات، فيما كان لها وقائع شهيرة أيضاً في الإيقاف على خلفية طيف هائل من التغريدات المطالبة بمنعها من الظهور على الشاشة بينها حلقة "فتاة المول" و"الخيانة الزوجية"، حيث اتخذت الجهات المسؤولة تلك القرارات بناء على "هاشتاغات" وهجوم من مواقع التواصل الاجتماعي.

كما طالت الرقابة المجتمعية أيضاً عالم الإعلانات أكثر من مرة في مصر، منها إعلان لصالح بيت الزكاة المصري حول إيصال المياه للقرى الفقيرة، وهو الإعلان الذي بُث في مايو (أيار) 2017، ووقتها كان مادة للتندر على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر روادها أن الفنانة دلال عبد العزيز لم تكن موفقة في تلقيها لشكاوى الأهالي بعدم وجود مياه نظيفة وبدت وكأنها تستخف بمعاناة الناس في إعلان يدعو للتبرع لهم، ليصدر بعدها بأيام قرار من الأزهر الشريف بوقف بث الإعلان بناء على الحملة التي شُنت ضده.

 

 

منع عرض مسلسل سعودي خلال أسبوع ومطالبات بمنع آخر

خمسة أيام فحسب بعد موجة الغضب التي اعترت منصات التواصل الاجتماعي في السعودية، اعتراضاً على عرض أولي لمسلسل "ضحايا حلال" السعودي، بسبب مشهد لزواج مراهق بامرأة تبدو في سن والدته، زواج مسيار، وهو زواج يعرف بأنه (لا التزام فيه بين الطرفين)، الأمر الذي تسبب في إيقافه.

وأدى عرض آخر لفيلم "رشاش" إلى موجة من الغضب أيضاً لأسباب مختلفة تتعلق بحياة الشخصية الحقيقية التي يجسدها المسلسل، كما أن بعضاً من المعارضين لعرضه اعتبره إساءة لعائلته، لكن موجة الغضب هذه لم تسفر عن إيقافه بعد، ولم تصدر هيئة البلاد بياناً مثلما حدث عند إيقاف المسلسل، الذي جاء الاعتراض عليه بأنه خادش للحياء، ويروج للولع بالأطفال "البيدوفيليا".

"ضحايا حلال"

سارعت هيئة الإعلام المرئي والمسموع في السعودية إلى إيقاف عرض المسلسل المثير للجدل "ضحايا حلال"، الذي كان من المقرر عرضه على منصة "شاهد". وقالت في بيان، إنها "تواصلت مع منتج المسلسل ومسؤولي القناة لإيقاف بث المسلسل وإزالة الإعلانات الخاصة به على مواقع التواصل الاجتماعي كافة، وتطبيق الإجراءات النظامية على المؤسسة المنتجة والقناة التي قامت ببثه".

وأضافت، أنها "اطلعت على محتوى المسلسل الذي يبث من خلال تطبيق (شاهد) المشفر، وتبين عدم إجازة المسلسل من قبل الهيئة، وعدم مراعاته ضوابط المحتوى الإعلامي، ما يعد مخالفة لنظام الإعلام المرئي والمسموع ولائحته التنفيذية".

ويعتبر الكاتب والمخرج المسرحي السعودي رجا العتيبي، أن الرقيب الذي يقول، إن "هذا ممنوع، وهذا حرام لم يعد مجدياً في عصر ما بعد الحداثة، العصر الذي غير الأشياء أكثر من الثورة الصناعية الرابعة، ولأننا في زمن تغيرت فيه الاتجاهات والأيديولوجيات والمفاهيم".

 يضيف العتيبي، "لم تعد الرقابة مجدية، فالرقيب القابع في مكتبه، بين الكتب والسيناريوهات والأفلام، لو ظهر إلى الخارج لعرف أن كل شيء تغير. الناس ليسوا هم الناس، والواقع ليس هو الواقع، والدول ليست هي الدول".

كسر نظام الأخلاق

العتيبي، الذي يعتبر أن بعض الحريات تسعى لكسر نظام الأخلاق، ويتحفظ على أي حرية تهدم الأخلاق، يتمنى لو أن هناك رقابة عربية تصمم "مشروعات رقابة" كبرى شاملة، وليس بنوداً مكتوبة على ورق.

ويتابع، "يجب أن تعد مشروعات ضد (أنظمة التفاهة) التي غزت الشرق والغرب، مشروعات رقابة تقودها الدول الوطنية ضد نظيرتها العميقة، التي تتخذ من القوة الناعمة سلاحاً تفتت من خلاله الدول الوطنية المستقلة. هذه المشروعات الرقابية التي ينبغي للدول أن تقوم بها، إنها أكبر من مجرد (امنع)". كما أن على مشروعات الرقابة العربية الوطنية "المفترضة"، بحسب المخرج السعودي، أن تكون "هجومية"، وليست مجرد حائط صد، وعليها أن تبادر وفقاً لقواعد الإعلام المضاد لتحمي الوطن ووحدته.

وعلى الرغم من أن الكاتب السعودي والناقد الفني رجا ساير المطيري، يتفق مع قرار هيئة الإعلام المرئي والمسموع بمنع مسلسل "ضحايا حلال"، فإنه لا يتمنى أن تتسع دائرة المنع وتتحول إلى تهديد يعوق حركة الفن ونموه. يقول المطيري "مسلسل (ضحايا حلال) أخطأ بتعريضه الطفل داخل العمل لأفكار لا تناسب عمره، وهذا مبرر كافٍ لإيقاف عرضه".

وعما إذ ما بات للرأي العام العربي دور رقابي فاعل لدرجة صار فيها سلطة موازية للرقابة الرسمية، يرى الناقد الفني محمد حجازي، أن الرقابة عادة لا تسمح لنفسها بالانصياع للرأي العام، لكن الانقلاب التام على العادات والتقاليد بين ليلة وضحاها والمس بصورة المرأة، غير مقبول طبعاً من قبل المجتمع السعودي، فكان طبيعياً أن يُشن هذا الهجوم ضده ولم يكن ممكناً أن تتغاضى الرقابة؛ لأن الموضوع أحدث ضجة كبيرة، وإن كان مزعجاً لها إعطاء الموافقة على عمل لتضطر لاحقاً إلى وقفه.

يشير حجازي إلى أن الرقابة في الوطن العربي صارمة، في مصر بشكل خاص هناك مرجعية واحدة هي "سينرجي"، أما انتقادات الرأي العام فلا تؤخذ في الاعتبار عينه لأن القرارات حازمة.

الاختيار في يد المشاهد

وبحسب مخرج مسلسل "ضحايا حلال" أحمد مدحت، فإن وجود المنصات الرقمية يفسح المجال للمشاهد للاختيار اليوم، "من اللافت أنه لم يدرك بعد الفرق بين المنصات الرقمية والمحطات التلفزيونية. فيختار في الأولى أين يريد التوجه، أما المحطات التلفزيونية فتوصل الأعمال إليه وتختار عنه، وتختلف الأعمال في كل منها".

مع ثورة وسائل التواصل الاجتماعي، يبدي المشاهد رأيه في كل الأعمال، فيُنجِح عملاً أو يؤدي إلى فشله بعد ما حل محل الناقد الذي لطالما كان مسؤولاً عن تقييم الأعمال.

وبحسب مدحت، فإن عدد المتتبعين لأي حساب هو المعيار حالياً، فيتغلب على تأثير صحيفة مهمة أو ناقد بارز خبير في المجال الفني بوجود وسائل التواصل، وأصبح المشاهد قادراً على تخطي دور الرقابة، وقد يتمكن من منع عمل أو وقف عرضه، كما قد يكون له أثر إيجابي فيدعو إلى إنتاج أجزاء إضافية مثلاً بحسب معدل المشاهدة، كما أنه يدفع كمشترك في المنصة، فيتحول إلى ممول ما يزيد من حقه في إبداء رأيه الذي يؤخذ في الاعتبار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ذائقة الجمهور رقابية في الأردن

وفي الأردن لطالما شكل الجمهور أداة رقابية قوية على الأعمال الدرامية التي لاقت اعتراضاً واحتجاجاً، خصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي، ونجح مراراً في منع عرض أعمال كثيرة بعضها من إنتاج محلي والآخر عالمي، وتعددت الأسباب بين الأخلاقي والسياسي والمجتمعي، لا سيما مع غياب الرقابة الرسمية على الأفلام والأعمال الدرامية منذ 1989، حيث تكتفي الجهات المختصة بالاطلاع على السيناريو فقط. في مقابل الأصوات التي تنادي معظمها بالانخراط في معركة وعي لوقف هذه الأعمال الدرامية، قلة ترفض هذه الرقابة المسبقة وترى فيها تهديداً لحرية الإبداع.

مسلسل "جنّ"

كثيرة هي المسلسلات والأعمال الدرامية التي أثارت الجدل والاعتراض في البلاد، لعل أبرزها على الإطلاق مسلسل "جن" الذي أنتجته شبكة "نتفليكس" عام 2019 وصوّر في العاصمة عمّان ومدينة البتراء الأثرية واحتوى على مقاطع جنسية وألفاظ بذيئة، ووصل الاحتجاج الشعبي على المسلسل إلى البرلمان والنقابات بما فيها نقابة الفنانين الأردنيين، ليمنع عرضه في البلاد بقرار حكومي لتعارضه مع القيم العربية والإسلامية، وتصدرت التيارات الإسلامية الجهات الرافضة والمعترضة بشكل دائم على معظم الأعمال الفنية، باعتبارها "أحد تجليات الغزو الغربي الاستعماري لمجتمعاتنا".

أحقية اليهود

لم يكد الجدل حول مسلسل "جنّ" يهدأ في الأردن حتى ثار جدل آخر حول الفيلم الأميركي "جابر"، الذي جرى تصويره جنوب البلاد، وسط اتهامات بترويجه لأحقية اليهود التاريخية في فلسطين، وادعاءات مماثلة باعتبار مدينة البتراء الأثرية مدينة يهودية تاريخية، ما أدى إلى انسحاب عدد من الممثلين المشاركين في هذا المسلسل. ويسرد الفيلم قصة صبي بدوي يكتشف نقوشاً قديمة باللغة العبرية أثناء تجواله في مدينة البتراء.

انتهاكات دينية

في قائمة الأعمال التي طالها الانتقاد أيضاً مسلسل "رجل المعجزات" الذي عرضته شبكة "نتفليكس"، وصُوّر عدد من مشاهده في الأردن بداية 2020، وتحت ضغط الاعتراضات الشعبية، طالبت الهيئة الملكية للأفلام من "نتفليكس" عدم عرضه في الأردن لاحتوائه مشاهد تنتهك قدسية الأديان، كما كان محل اعتراض بعض الناشطين على المسلسل هو أن بعض مشاهده التي صورت في شوارع العاصمة عمّان ومقاهيها ظهرت كأنها داخل إسرائيل.

ما يريده الجمهور

ترى الفنانة الأردنية سهير فهد، أن الأعمال الإبداعية على اختلافها يجب ألا تخضع للرقابة، فأحد أهم شروطها الحرية، وتضيف، "طبعاً في مجتمعاتنا العربية يجب أن تكون بحدود، لكن أن نصل إلى مرحلة نخضع فيها لمزاجية الرقيب المجتمعي فهذا أمر مرفوض، إذ يجب أن نقرر نحن كنخبة، وأقصد المثقفين والمبدعين، ما الذي يحتاجه الجمهور، وليس العكس، ولنا في التاريخ الفني أدلة على ذلك كمرحلة أم كلثوم وعبد الوهاب، حيث كانت الذائقة المجتمعية راقية"، وترفض المقولة الدارجة في عالم الفن والدراما "ما يريده الجمهور".

إنكار مجتمعي

من جانبه، يرى الصحافي داود كتّاب، أن الأعمال الدرامية التي يرفضها الأردنيون تكشف عن حقيقتين مقلقتين، الأولى، حالة الإنكار التي نعيشها على الرغم من تشخيص هذه الأعمال لواقعنا، والأخيرة، رفض هذه الأعمال لتضمّنها إيحاءات جنسية فقط عندما يكون المشاركون فيها أردنيين.

ويرفض نضال منصور، مدير مركز حماية وحرية الصحافيين، الرقابة المسبقة ويدعم حرية التعبير والإنتاج الفني والإبداع، معتبراً أن الأخلاق والموقف من العادات قضايا مختلف عليها ونسبية.

أعمال درامية عربية لم تنجُ من ملاحقة الرأي العام

أعمال خليجية عديدة شنت ضدها حملات في 2020، منها مسلسل "أم هارون" الكويتي الذي تناول حقبة الوجود اليهودي في الكويت، ومسلسل "مخرج 7" الذي تعرض لانتقادات على وسائل التواصل كونه تناول قضايا اجتماعية وسياسية جريئة وصادمة أحياناً في المجتمع السعودي، أيضاً لم يسلم مسلسل "البرنس" المصري في رمضان الماضي من الانتقادات عبر هذه الوسائل بسبب الألفاظ المعتمدة فيه، التي اعتبرت مهينة للمرأة، كما غيره من المسلسلات في رمضان ما أسهم في تغيير تصنيفها.

وفق الناقد الفني جمال فياض، فإن رقابة الرأي العام وحكمه أكثر قسوة من نظيرتها الرسمية، فالأخير يأخذ في الاعتبار الجوانب الفنية في العمل وحرية الرأي والتعبير حتى لا تبدو الدولة قامعة للأفكار، أما الرأي العام على وسائل التواصل الاجتماعي فهو نوعان، أحدهما، يغلب عليه التزمت الزائد، ويشن هجوماً على الأعمال، وقد يؤذي أحياناً. والأخير فمسلط نتيجة عداوات أو خلافات بين منتجين أو فنانين أو كتّاب، ما يولّد معارضة لها سلطة على وسائل التواصل وهي ما يعرف بـ"الذباب الإلكتروني"، الذي أصبح معروفاً ولا يثير القلق"، لكن يبقى للرأي العام الذي يتخذ الدور الرقابي أهمية لا يمكن الاستهانة بها، فيؤثر في الأعمال أو الرقابة الرسمية.

يأسف فيّاض لأن الرأي العام في نسبة مهمة منه موجّه بوجود قادة الرأي الذين يبدون آراءهم أحياناً ويتبعهم كثيرون، ما يسبب كثيراً من الأذى بوجود وسائل التواصل التي تقود الأمور في اتجاه معين، ويذكر فياض أفلاماً ومسلسلات عديدة كان للرأي العام دور في وقفها لسبب أو آخر، منها فيلم "مولانا" الذي عارضه الرأي العام كونه يسلط الضوء على مذهب على حساب آخر، وأعيد عرضه بعد حذف مشاهد منه بناء على طلب من دار الفتوى.

تتنوع الاعتراضات التي قد تطال أعمالاً معينة على أسس دينية أو اجتماعية أو سياسية أو تاريخية، وهذه الحملات التي تشن ليست مستجدة، لطالما كانت موجودة، لكن الرأي العام ازداد نفوذاً اليوم بوجود وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت تأثيره أكبر وحكمه أكثر قسوة.