ملخص
يبقى من الضروري التمييز، فليس كل من شارك في الاحتجاجات متورطاً في العنف، وليس كل من أوقفته الشرطة مداناً بارتكاب جريمة.
من الشارع إلى قاعات المحاكم ومكاتب المحافظات، تفتح أحداث الـ17 والـ18 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري في فرنسا ملفاً يتجاوز الملاحقات الجنائية للمشتبه في تورطهم بأعمال العنف والنهب، ليطرح سؤالاً حول إمكان أن يتحول توقيف أجنبي خلال الاحتجاجات إلى تهديد لحقه في الإقامة، حتى قبل صدور حكم نهائي بذلك.
في نيس، أعلن محافظ إقليم الألب البحرية جان ماري جيرييه، عزمه اتخاذ إجراءات لسحب تصاريح إقامة أجانب أوقفوا خلال الاضطرابات، مشيراً إلى أن الأجانب يمثلون نحو ثلث الموقوفين. وأكدت المحافظة أن الوضع الإداري لكل شخص سيدرس على حدة، مع إمكان اتخاذ قرارات بسحب الإقامة أو الإلزام بمغادرة الأراضي الفرنسية عندما تتوافر الشروط القانونية.
وتابع جان ماري جيرييه "بالنسبة إلى ثلث الأشخاص الذين ألقي القبض عليهم، وهم من الأجانب، سأتخذ إجراءات لسحب تصاريح إقامتهم، فعندما تكون في بلد منحك فرصة استضافتك، عليك احترام قواعده".
وفي فرنسا، يحق للمحافظ، أي المسؤول الإداري، بالفعل سحب تصريح إقامة ساري المفعول، استناداً إلى أسباب ينص عليها قانون دخول الأجانب وإقامتهم وحق اللجوء، وتشمل هذه الأسباب ارتكاب أعمال احتيال، أو تشكيل تهديد للنظام العام، أو صدور إدانات جنائية.
لكن بين الإعلان الإداري والقرار المنفذ مسافة قانونية مهمة، فالمشاركة السلمية في تظاهرة لا تشكل بحد ذاتها جريمة، والتوقيف لا يعني الإدانة، إضافة إلى أن الإدانة الجنائية لا تؤدي تلقائياً إلى فقدان الحق في الإقامة.
وفي بيان صدر في الـ19 من أكتوبر الجاري، وجرت مراجعته في اليوم التالي، أكدت المحافظة أنه سيتم النظر في الوضع الإداري لكل أجنبي معني على حدة، وقد تتخذ قرارات بسحب تصاريح الإقامة وإصدار أوامر بمغادرة الأراضي الفرنسية في حال وجود تهديد للنظام العام.
وتكشف الشهادات التي وثقتها الصحافة القضائية الفرنسية، أن آثار الاضطرابات لا تتوقف عند العقوبات التي تصدرها المحاكم، فبالنسبة إلى بعض الأجانب، يمكن أن تتقاطع الملاحقة الجنائية مع انتهاء صلاحية تصريح الإقامة، أو صدور قرار إداري بالمغادرة، أو مطالبة النيابة بمنع الشخص من البقاء في فرنسا.
الإقامة في المحكمة
أمام محكمة باريس، مثل أبو بكر. ك، وهو شاب من ساحل العاج (23 سنة)، بتهمة مرتبطة بسرقة هواتف من متجر تعرض للنهب.
وبحسب المتخصص في الأخبار القضائية أكتو جوريديك، روى أبو بكر أنه كان عائداً من زيارة صديق عندما فاته آخر قطار مترو، فاضطر إلى السير نحو منزله قرب محطة الشرق. وخلال الطريق شاهد متجراً للهواتف تعرض للتخريب، فاقترب منه والتقط جهازاً ثم أعاده إلى مكانه، قبل أن يشتري هاتفين مقابل 30 يورو (33.61 دولار)، وأقر بحيازة أشياء متحصلة من سرقة، لكنه نفى سرقة الهواتف من المتجر.
لم تقتنع المحكمة بروايته، خصوصاً بعد عرض تسجيلات تظهره وهو يلتقط أشياء داخل المحل. غير أن وضعه الإداري أصبح جزءاً من مرافعة النيابة، فقد طلب الادعاء الحكم عليه بالسجن 10 أشهر نافذة، مع إيداعه السجن ومنعه من دخول الأراضي الفرنسية لمدة خمس سنوات، مشيراً إلى جنسيته الإيفوارية وانتهاء صلاحية تصريح إقامته، على رغم أنه كان حجز موعداً لتجديده.
ودافعت محاميته عنه بالإشارة إلى أنه يعمل بعقد دائم لدى مؤسسة "إيماؤوس"، وأن زوجته حامل في شهرها الخامس. وفي النهاية، حكمت المحكمة عليه بالسجن ثلاثة أشهر نافذة قابلة للتنفيذ وفق ترتيبات بديلة، من دون إصدار أمر بإيداعه السجن.
يبقى السؤال ما إذا كان أبو بكر سيبقى قادراً على تجديد إقامته، أم أن الإدارة قد تستند إلى الوقائع التي دين بها لرفض التجديد؟
متفوق خلف القضبان
في قضية أخرى يظهر يوسف، وهو طالب تونسي (20 سنة) ويقيم في فرنسا منذ نحو عام، أمام محكمة باريس بعد توقيفه خلال الاحتجاجات.
اعترف يوسف بإلقاء مقذوفات على عناصر شرطة مكافحة الشغب، بينها بالونات مملوءة بالبراز، موضحاً أنه شارك في التظاهرة احتجاجاً على إصلاحات جامعية أثرت عليه، وكذلك تضامناً مع المحتجين.
وكان تصريح إقامته سينتهي في الـ21 من أكتوبر الجاري، أي بعد يومين من مثوله أمام المحكمة، وطلبت النيابة حبسه احتياطاً، مستندة إلى احتمال مغادرته إلى تونس.
وسألته القاضية الفرنسية: كيف انتهى به الأمر إلى المشاركة في تظاهرة، وهو طالب أجنبي حديث الإقامة في فرنسا؟ فيما حاول محاميه إقناع المحكمة بالإفراج عنه، مستشهداً بنتائجه الجامعية الممتازة، ومؤكداً أن مكانه الطبيعي مقاعد الدراسة وليس السجن.
لكن المحكمة قررت وضعه رهن الحبس الاحتياط إلى حين محاكمته، فيما أصبح احتجازه وقرب انتهاء إقامته عاملين قد يعقدان استكمال إجراءاته الإدارية والدراسية، ولكن ليس سحب إقامته حتى الآن.
مغادرة قبل الحكم
في مارسيليا، تبدو حال شمس. ب مختلفة، وأوقف الشاب الجزائري (21 سنة) وبحوزته حقيبة تحوي ملابس أطفال ومواد غذائية وشوكولاتة، بعضها لا يزال يحمل أجهزة منع السرقة. وقال إنه وجد الأغراض قرب حاوية قمامة، بينما دافعت محاميته عنه معتبرة أنه تصرف بسذاجة.
لكن اللافت أن الشاب تلقى، خلال احتجازه لدى الشرطة، قراراً إدارياً يلزمه بمغادرة الأراضي الفرنسية، حتى قبل أن تصدر المحكمة حكمها الجنائي. وطلبت النيابة سجنه 12 شهراً نافذة، بينما حكمت المحكمة عليه بستة أشهر مع وقف التنفيذ.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما عثمان. ز، المغربي (29 سنة) فقد واجه عقوبة تمس مباشرة إمكان بقائه في فرنسا. وأوقف الشاب في ليون وبحوزته حقيبة تضم معدات وأكسسوارات للدراجات النارية قدرت قيمتها بأكثر من 2300 يورو (2577 دولاراً)، مصدرها متجر تعرض للنهب.
وأقر عثمان بحيازة الأغراض، موضحاً أنه يعيش في الشارع وعثر على الحقيبة قرب المكان الذي ينام فيه، وبالنظر إلى سوابقه القضائية، حكمت المحكمة عليه بالسجن 16 شهراً نافذة، مع إيداعه السجن، ومنعه من دخول الأراضي الفرنسية لمدة خمس سنوات.
لكن هذا المنع لا يعني قراراً بإلزامه مغادرة فرنسا، وهو عقوبة تكميلية تصدرها المحكمة الجنائية، بينما يصدر قرار المغادرة عن السلطة الإدارية، ويخضع كل منهما لقواعد وطرق طعن مختلفة.
البراءة ليست كل شيء
في مارسيليا أيضاً، برأت المحكمة ثلاثة رجال أوقفوا خلال أحداث النهب، بعدما اعتبرت أن الأدلة لا تكفي لإثبات تورطهم. ومن بينهم بومدين. ب، ويقيم في فرنسا من دون تصريح إقامة نظامي، وقال إنه كان يبث الأحداث مباشرة عبر "تيك توك"، حيث يتابعه أكثر من 10 آلاف شخص، عندما أوقفته الشرطة.
أما محمد. هـ (26 سنة) فقال إنه جاء من ليون لتجديد استفادته من المساعدة الطبية الحكومية، ولم يكن مشاركاً في أعمال النهب.
انتهت المحاكمة بتبرئة الرجلين مع متهم ثالث، لكن البراءة الجنائية لا تعني بالضرورة تسوية الوضع الإداري لشخص يقيم بصورة غير نظامية، فالقضاء الجنائي يفصل في الأفعال المنسوبة إلى المتهم، بينما تنظر الإدارة بصورة مستقلة في مدى استيفائه شروط الإقامة.
وفي باريس، أوقف رجل عديم الجنسية داخل متجر تعرض للنهب، واعترف بأنه دخله بقصد السرقة، وقبل الرجل عقوبة السجن 12 شهراً مع وقف التنفيذ، خلال إجراء الاعتراف المسبق بالذنب.
ولا يعني انعدام الجنسية بالضرورة أن الشخص لاجئ، فقد يكون معترفاً به بوصفه عديم الجنسية من جانب مكتب "الأوفبرا" المعني بحماية اللاجئين وعديمي الجنسية، من دون أن يتمتع بصفة اللاجئ، وتختلف الحقوق المرتبطة بوضعه والضمانات التي تحميه من الإبعاد بحسب حاله القانونية، إضافة إلى أن غياب جنسية معترف بها قد يخلق صعوبات عملية في تنفيذ الإبعاد، لكنه لا يشكل حصانة عامة من الإجراءات الإدارية.
بين السلمية والعنف
يبقى من الضروري التمييز، فليس كل من شارك في الاحتجاجات متورطاً في العنف، وليس كل من أوقفته الشرطة مداناً بارتكاب جريمة.
تكشف شهادات طلابية جمعتها "اندبندنت عربية" في الشارع عن وجه آخر للاحتجاجات يختلف عن مشاهد النهب والمحاكمات.
سالي وإينيس، طالبتان في إحدى جامعات باريس، تنتقدان ما تعتبرانه تركيزاً إعلامياً على أعمال العنف على حساب المطالب التعليمية والاجتماعية، وتؤكدان أن مشاركتهما في الاحتجاجات ترتبط بالمطالبة بتحسين ظروف التعليم والتضامن مع طلاب مؤسسات تعاني نقص الموارد.
وتقول إحداهما لـ"اندبندنت عربية"، "بالنسبة إلينا، الأمور في جامعتنا ليست سيئة، لكننا نشارك لدعم الآخرين، هناك جامعات لا تمتلك الإمكانات الكافية، وتعاني مشكلات في المباني والمرافق".
وتقول الأخرى إن مثيري الشغب يمثلون أقلية، وإن بعض الأشخاص يأتون مساء إلى مناطق الاحتجاج بهدف التخريب من دون أن يكونوا مشاركين في التظاهرات الأصلية.
وتنتقدان تدخلات الشرطة، وتعتبر إحداهما أن استخدام القوة ضد المتظاهرين يسهم في تصعيد التوتر، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن مرتكبي أعمال التخريب يجب أن يخضعوا للمساءلة، مع رفضها الاستخدام المفرط للقوة بحقهم.
أما كريستين، التي تدرس في معهد خاص جنوب باريس، فترى أن أسباب الاحتجاج تتجاوز التمويل لتشمل أساليب التدريس وضغط الجداول الدراسية ونقص المعلمين، وتوضح أن مؤسستها لا تعاني المشكلات نفسها التي تواجهها مؤسسات تعليمية أخرى، لكنها تعتبر التضامن مع الطلاب المتضررين ضرورياً.
وتتهم كريستين قوات الأمن باللجوء إلى القوة ضد طلاب يشاركون سلمياً في الاحتجاجات، معتبرة أن ذلك يقيد حقهم في التعبير عن مطالبهم.
ماذا يقول القانون؟
يتمتع الفرنسيون، بمن فيهم المواطنون من أصول عربية أو أجنبية، بالحقوق الدستورية المرتبطة بحرية التعبير والتجمع والتظاهر، ضمن القيود التي يحددها القانون. ويمكن ملاحقتهم جنائياً إذا ارتكبوا أفعالاً يعاقب عليها القانون، لكن لا يمكن سحب تصريح إقامة منهم، لأن المواطن الفرنسي لا يحتاج أصلاً إلى مثل هذا التصريح.
أما الأجانب، فتختلف التداعيات المحتملة بحسب طبيعة إقامتهم. فحاملو بطاقات الإقامة الموقتة أو المتعددة السنوات قد يواجهون إجراءات إدارية إذا اعتبرت السلطات أن سلوكهم يشكل تهديداً للنظام العام، وفق الشروط القانونية المنطبقة على نوع البطاقة.
وتتمتع بعض فئات المقيمين منذ سنوات طويلة بحماية أقوى، لا سيما عند وجود روابط عائلية مستقرة في فرنسا، وقد يتطلب سحب بطاقاتهم أو اتخاذ قرار بإبعادهم إثبات درجة أعلى من الخطورة، مع مراعاة الضمانات التي يحددها القانون.
أما طالبو اللجوء، فلا يؤدي توقيفهم خلال تظاهرة تلقائياً إلى رفض طلباتهم، أو سحب صفتهم كلاجئين معترف بهم، لكن ارتكاب أفعال خطرة قد تكون له تداعيات مختلفة على إجراءات اللجوء أو ظروف الاستقبال أو إمكان اتخاذ تدابير إدارية في حقهم، وفقاً لظروف كل حالة.
ويوضح المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية (أوفبرا)، أن القانون يجيز في حالات محددة إنهاء صفة اللاجئ أو الاستفادة من الحماية الفرعية، ولا سيما عند وجود تهديد خطر لأمن الدولة أو للمجتمع، كذلك يمكن سحب بعض وثائق الإقامة والسفر عند توافر شروط قانونية مرتبطة بتهديد النظام العام.
لكن فقدان الحماية أو سحب الإقامة لا يعني بالضرورة إمكان إعادة الشخص إلى بلد قد يتعرض فيه للتعذيب أو الاضطهاد، إذ تبقى ضمانات عدم الإعادة القسرية واجبة التطبيق.
وفي جميع الأحوال، فإن المشاركة السلمية في تظاهرة لا تساوي ارتكاب أعمال عنف أو تخريب، ولا يكفي مجرد وجود الشخص في مكان الاضطرابات لإثبات تورطه في الأفعال الجنائية المنسوبة إلى آخرين.
سلطة واسعة غير مطلقة
يرى الباحث في الشأن الفرنسي نبيل شوفان، أن فرنسا تمتلك أدوات قانونية واسعة تسمح لها باستخدام اعتبارات النظام العام في إدارة إقامة الأجانب، لكن هذه الصلاحيات تبقى مقيدة بمبادئ الضرورة والتناسب والرقابة القضائية.
ويوضح أن قانون الـ26 من يناير (كانون الثاني) عام 2024 وسع بعض إمكانات الإدارة في سحب تصاريح الإقامة واتخاذ تدابير الإبعاد، ضمن مسار تشريعي وإداري سبق الاضطرابات.
ويشير إلى أن سحب الإقامة لا يشكل بالضرورة عقوبة جنائية ثانية، لأنه قد يكون تدبيراً إدارياً وقائياً، غير أن مشروعيته تستلزم تقييماً مستقلاً للتهديد الذي يمثله الشخص، لا مجرد تحويل الإدانة الجنائية إلى سبب تلقائي لإلغاء حقه في الإقامة.
ويؤكد شوفان أهمية المادة الثامنة من الاتفاق الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تحمي الحياة الخاصة والأسرية، وتفرض مراعاة عناصر من بينها مدة إقامة الشخص في فرنسا وروابطه العائلية ومصلحة الأطفال.
بهذا المعنى، لا تتساوى حال طالب أجنبي وصل حديثاً إلى البلاد مع حال مقيم أمضى فيها عقوداً وأسس أسرة، حتى عندما يواجه الاثنان اتهامات جنائية متشابهة.
في الإطار، يفيد المحامي لدى محكمة الاستئناف بباريس سيف المصري، أنه لا بد في البداية من التمييز بين أمرين كثيراً ما يخلط بينهما، وهو المشاركة في التظاهرة من جهة، وما قد ينسب إلى المشارك من أفعال من جهة أخرى. فالمشاركة السلمية في حد ذاتها لا تمس إقامة الأجنبي في فرنسا. ما يؤثر فعلاً هو أمران: أولاً أن تعتبر الإدارة وجوده تهديداً للنظام العام، أو أن تصدر ضده إدانة جنائية بأعمال عنف أو تخريب.
ويضيف المصري أن القانون الفرنسي لا ينظر إلى الأشخاص من زاوية أصولهم، خلافاً لما قد يفعله بعض أطياف المجتمع، وإنما من زاوية الجنسية والوضع الإداري: مواطن، أو مقيم ببطاقة إقامة، أو لاجئ أو طالب لجوء، أو شخص في وضع غير نظامي. ومن هنا تتدرج التداعيات على ثلاث مراحل: أولها المشاركة السلمية، ثم الاتهام أو التوقيف من دون إدانة، ثم الإدانة الفعلية. فأما المشاركة السلمية فحرية التظاهر والتعبير مضمونة للجميع ومنهم الأجانب. ومجرد الحضور في تظاهرة، ولو لم تكن مصرحاً بها، لا يصلح سبباً لسحب الإقامة.
غير ذلك، ينبه المحامي إلى نقطة حساسة ينبغي التنبيه إليها، وهي جنحة المشاركة في تجمع بقصد ارتكاب أعمال عنف أو تخريب. فهذه الجنحة تعاقب على أفعال تحضيرية، وهي تهمة فضفاضة إلى حد ما، وقد تلجأ إليها النيابة حتى قبل أن يقع أي عنف فعلي.
أما مرحلة الاتهام أو التوقيف، فيلفت إلى أن المحافظ يقدر التهديد للنظام العام باستقلال عن القاضي الجنائي، وكثيراً ما يعتمد في ذلك على ملف السوابق الشرطية، لكن القضاء الإداري يلغي القرار متى استند إلى وقائع ينازع فيها الشخص ولم يثبتها المحافظ ولم تنته بإدانة أو انتهت بحفظ الدعوى.
ثم تأتي مرحلة الإدانة، وهنا يوضح المحامي أنه "يختلف الأثر بحسب وضع الشخص. فالمواطن الفرنسي، أياً كان أصله، لا يواجه سوى العقوبة الجنائية. أما حامل بطاقة الإقامة الموقتة أو متعددة السنوات، كالطالب أو الموظف، فيجوز سحب بطاقته أو رفض تجديدها بقرار مسبب إذا اعتبر وجوده تهديداً للنظام العام. ولا يشترط هنا أن يكون التهديد جسيماً، ولهذا يبقى الطالب تحديداً في الوضع الأكثر هشاشة.
ماذا بعد العقوبة؟
في المقابل يتمتع حامل بطاقة المقيم الطويلة الأمد بحماية أكبر، إذ لا تسحب بطاقته إلا إذا كان التهديد جسيماً. ويضيف إلى ذلك أن أي أجنبي يمكن طرده إدارياً إذا شكل تهديداً جسيماً للنظام العام، ويملك القاضي الجنائي أن يحكم عليه بمنع دخول الأراضي الفرنسية.
ويرى المصري أن اللاجئ يبقى في أعلى درجات الحماية، فلا يجوز رفض صفته أو إنهاؤها إلا إذا وجدت أسباب جدية للاعتقاد أنه يمثل تهديداً جسيماً لأمن الدولة، أو إذا دين نهائياً بجناية أو جنحة عقوبتها 10 سنوات مع تهديد جسيم للمجتمع. وهي عتبة مرتفعة لا تبلغها غالب الجنح المرتبطة بالتظاهرات، بل إن محكمة العدل الأوروبية ذهبت إلى أن الإدانة وحدها لا تكفي، وأنه لا بد من إثبات تهديد حقيقي وحالي وجسيم، وأن يكون القرار متناسباً معه.
ويضيف المحامي أن من المهم أيضاً تأكيد أن الإدانة لا تقود تلقائياً إلى السحب. فالمحافظ مطالب بتقدير سلوك الشخص في مجمله، وقد سبق للمحاكم الإدارية أن اعتبرت أن إدانة وحيدة بسيطة لا تكفي لرفض تجديد الإقامة.
وفي مقابل هذه الأخطار، يوضح المصري أن القانون وضع جملة من الضمانات. فعلى صعيد الطرد، هناك حماية نسبية لأصحاب الروابط العائلية أو الإقامة الطويلة، فلا يطردون إلا عند ضرورة قصوى لأمن الدولة أو الأمن العام. وهناك حماية شبه مطلقة للأشد ارتباطاً بفرنسا، فلا يطردون إلا بسبب سلوك يمس المصالح الأساسية للدولة.
يضيف إلى ذلك الحق في احترام الحياة الخاصة والعائلية الذي تكفله الاتفاق الأوروبية لحقوق الإنسان، والذي يفرض الموازنة بين القرار ومدى مساسه بحياة الشخص. وعلى الصعيد الجنائي يلتزم القاضي حين يحكم بمنع دخول الأراضي الفرنسية بمراعاة مدة إقامة الأجنبي وطبيعة روابطه بفرنسا وقوتها.
لكن هذه الضمانات ليست بلا حدود. فقانون عام 2024 رفع الحماية من الطرد عن كل من دين نهائياً بجناية أو جنحة عقوبتها خمس سنوات حبس فأكثر، أو ثلاث سنوات في حال العودة.
ويخلص المحامي إلى أن القاضي الإداري يبقى هو الضمانة الفعلية الأهم، بشرط أن يطعن في القرار أمامه، إذ لا ينظر في الأمر من تلقاء نفسه. فهو يبدأ بالتحقق من ثبوت الوقائع التي استندت إليها الإدارة، لأن الوقائع غير الثابتة التي لم تنتهِ بإدانة لا تكفي لتأسيس القرار، ثم يتأكد من أن التهديد حقيقي وقائم وقت صدور القرار، مع مراعاة اندماج الشخص اجتماعياً ومهنياً، وهي نقطة جوهرية لمتظاهر ارتكب فعلاً معزولاً لا يعكس خطورة مستمرة. وبعد ذلك يوازن بين المساس بالحياة العائلية وضرورات النظام العام، ويراقب سلامة الإجراءات من إخطار واستدعاء للجنة الطرد واحترام للمهل. ولا يغفل كذلك عن الخطأ في تطبيق القانون، كأن تطبق الإدارة نصاً لا يسري على جنسية بعينها، كما هي الحال بالنسبة إلى الجزائريين الذين يخضعون لاتفاق خاصة.
وإضافة إلى طلب الإلغاء، يؤكد المحامي أنه يمكن للأجنبي أن يطلب وقف تنفيذ القرار بصفة مستعجلة. وإذا ألغي القرار يأمر القاضي عادة بإعادة فحص الملف أو بتسليم البطاقة. أما اللاجئ فيطعن في قرار المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية أمام المحكمة الوطنية لحق اللجوء. وتكفي الإشارة إلى أن قضايا الأجانب باتت تمثل قرابة نصف ما تنظره المحاكم الإدارية لإدراك حجم هذا الملف.
يتابع "لو قارنا بين متظاهر أجنبي وآخر فرنسي من أصل عربي ارتكبا الفعل نفسه، لوجدنا أن الملاحقة واحدة، والمحكمة واحدة، والعقوبة الأصلية واحدة. الفرق يظهر بعد العقوبة. فالأجنبي وحده يمكن أن يمنع من دخول الأراضي الفرنسية نهائياً أو لمدة تصل إلى 10 سنوات، في كل جناية أو جنحة عقوبتها ثلاث سنوات فأكثر، ويتعرض لسحب إقامته أو رفض تجديدها وللإبعاد، وقد تؤثر الإدانة على أي طلب تجنس يقدمه مستقبلاً. أما المواطن الفرنسي فلا يبعد ولا يمنع من دخول بلده، والأصل العربي لا أثر قانونياً له على الإطلاق".
ويستطرد "يطرح البعض مسألة إسقاط الجنسية، لكنها محصورة في نطاق ضيق جداً تنظمه المادتان 25 و25-1 من القانون المدني. فهي لا تطاول إلا من اكتسب الجنسية ويحمل جنسية أخرى، بشرط ألا يصبح عديم الجنسية، ولأسباب محددة حصراً أبرزها الإرهاب، وخلال مدد زمنية محددة. وأعمال العنف أو التخريب في تظاهرة لا تدخل في هذه الحالات، ومزدوج الجنسية يعامل إدارياً وقانونياً في فرنسا كفرنسي كامل، ويحق له الترشح للانتخابات الرئاسية بشروط الفرنسي بالولادة نفسها".
ويختم المحامي بالقول، إن المتظاهر الأجنبي لا يخاطر بإقامته بسبب مشاركته السلمية، وإنما بسبب الإدانة أو بسبب وقائع تصنفها الإدارة تهديداً للنظام العام. ودرجة الخطر تتراجع كلما ارتقينا في سلم الحماية: من الطالب وحامل البطاقة الموقتة إلى حامل بطاقة المقيم وصولاً إلى اللاجئ. ويبقى القاضي الإداري الضمانة الحقيقية، وإن كان قانون عام 2024 قد ضيق هامش الحماية بصورة ملحوظة. أما المواطن الفرنسي، مهما كان أصله، فلا يواجه سوى العقوبة الجنائية.
الهجرة والأمن قبل الانتخابات
بحسب الباحث في الشأن الفرنسي نبيل شوفان، لا ينفصل النقاش القانوني عن المناخ السياسي الفرنسي مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2027.
وأثار إعلان محافظ الألب البحرية عزمه سحب تصاريح إقامة أجانب أوقفوا خلال الاضطرابات اهتماماً سياسياً، وحظي بتأييد إريك سيوتي من اليمين المحافظ، الذي دعا إلى التشدد مع المتورطين في أعمال العنف، مما يعكس قابلية الإجراءات الأمنية للتوظيف في المنافسة السياسية قبيل رئاسيات عام 2027، من دون إثبات أن الدافع الانتخابي هو سببها الوحيد.
وبحسب شوفان، وقعت اضطرابات الـ17 من أكتوبر في سياق أزمة اجتماعية واقتصادية، وتراجع الثقة بالمؤسسات والقوى السياسية التقليدية، وتصاعد الاستقطاب بين اليمين واليسار الراديكاليين، وقد تبادلت القوى السياسية الاتهامات في شأن مسؤولية العنف، في وقت تتزايد أهمية الأمن قبيل الانتخابات الرئاسية.
وعلى المستوى التشريعي، سبق الربط بين الهجرة والنظام العام قبل الاضطرابات، إذ وسع قانون الـ26 من يناير عام 2024 أسباب سحب الإقامة والإبعاد، ثم عزز قانون الـ27 من يوليو (تموز) عام 2026 إمكانات الاحتجاز الإداري، وتؤكد بيانات وزارة الداخلية ارتفاع قرارات سحب الإقامة لأسباب تتعلق بالنظام العام من 1,449 عام 2023 إلى 2,255 عام 2024، أي نحو 55.6 في المئة.
وتكشف أعمال العنف التي رافقت احتجاجات الـ17 من أكتوبر الجاري عن اختلاف واضح بين موقع الحكومة الفرنسية، التي تتحمل المسؤولية المباشرة عن استعادة النظام العام وحماية الممتلكات والأشخاص، وموقع القوى السياسية الراديكالية يميناً ويساراً، التي تسعى إلى توظيف الأزمة في معركة الانتخابات الرئاسية عام 2027.
ويحذر معهد "مونتين" من تسييس الأمن والتضخم التشريعي وتوظيف الهجرة سياسياً، مذكراً بالفجوة بين قرارات الإبعاد وتنفيذها التي ترتبط أيضاً بضعف الإمكانات والتنظيم الإداري، لا بالقيود القانونية وحدها.
ولم توثق حتى الآن أية عملية سحب تصريح إقامة من أي من الأشخاص الموقوفين بسبب مشاركتهم في التظاهرات. ولا يتعلق الأمر فقط بمدى تشدد القضاء الفرنسي مع أعمال العنف، وإنما أيضاً بالحدود التي تفصل بين المسؤولية الجنائية الفردية والحق في الإقامة، وقد تنتهي محاكمة شخص بحكم مع وقف التنفيذ، بينما تستمر تبعات القضية في ملف إقامته، وقد يُبرَّأ آخر، من دون أن يؤدي ذلك تلقائياً إلى تسوية وضعه الإداري.