Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"حمزة البهلوان" البطل الحجازي الذي خلص العرب من وطأة  الفرس

استعادة جديدة للسيرة رغم الشكوك في زمن كتابتها بسبب أسلوبها السردي

منمنمة قديمة تمثل الأمير حمزة البهلوان (الهيئة المصرية لقصور الثقافة - القاهرة)

يسترجع الكاتب المسرحي المصري إبراهيم الحسيني سيرة "حمزة البلهوان" في نصه السردي المسرحي الجديد "تغريبة آدم الليلكي" (دار جملون) ويعيدها إلى واجهة السير والحكايات الشعبية ويفتح الباب لإعادة قراءتها قراءة حديثة. ومن يطلع أصلاً على سيرة "حمزة البهلوان" يشعر بالدهشة، لا سيما في طبعتيها البيروتيتين لدى "مكتبة صادر"، 1927، و"دار الكتب العلمية"، 1985، جراء اتّسام أسلوب السرد فيهما بالسرد الروائي المعاصر، لجهة الخلو من المحسنات البديعية التي كانت سائدة في الكتابات الأدبية العربية حتى أوائل القرن العشرين، فضلاً عن أن هذه السيرة تولي عناية خاصة بوصف السياق الزمني والمكاني الذي تدور فيه الأحداث، وتهتم بإيراد تعبيرات وجوه المتحدثين وما يدور في بالهم كما هو حال من يعرف بـ"الراوي العليم". كما تخلو هذه السيرة من واحدة من أهم السمات الشائعة في السرد القصصي الشعبي المعروف بسرعة أحداثه، وإعطاء أولوية لها وتطورها على حساب الوصف. ومن النماذج الدالة على هذا الأسلوب السردي المعاصر: "... وكانت الساعة الرابعة من الليل عندئذ، وكل من في ذلك القصر من عائلة الوزير وحشمه نيام، والوزير وامرأته لم تأخذهما سنة ولا نوم، أولاً: لاضطرابهما وقلقهما الناتجين من خوفهما مما سيحدث من خيانتهما ملكهما وتسليم المدينة. وثانياً: لأنهما كانا آملين بحضور عمر، فخشيا من أن يحضر ويجدهما نياماً، فكان الوزير يخاطب امرأته بالحديث الآتي قائلاً:

- إننا لفي مركز صعب جداً يا امرأتي العزيزة، لأننا سنقدم على أمر مهول، وإذا لم يأتنا عمر في هذه الليلة فإننا نخسر ما أملناه" (سيرة حمزة البهلوان، دار الصادر، الجزء الرابع، بيروت، ص 232).

ففي هذا المقطع نلاحظ أن الراوي يعطي الحدث حقه من الوصف، فيحدد الوقت الزمني بالرابعة ليلاً، وهو أمر غير معهود في السرد القديم، فلساعات الليل أسماء تبدأ بالشفق، والغسق، والعتمة، وصولاً إلى السحر، والفجر، والصبح، والصباح. كما أن السارد يهتم بالأبعاد النفسية للشخوص، ويسمح لكل منهم بالتحدث بأسلوب يتسق ومستواه الاجتماعي.

ومن سمات لغة الحداثة في تلك السيرة ورود ألفاظ لم تكن معهودة في زمن كتابتها، إنما هي ابنة زمننا الحديث، فحمزة العرب في السيرة كثير التطواف وريادة العالم المعروف قديماً، وكذلك البلاد غير المعروفة البعيدة، مثل بلاد الواق واق، وبلاد الظلمات، وما بعد سد قارون، وعوالم الجن، التي يصعب على البشر العاديين الوصول إليها، ورسالة حمزة من كل تلك الفتوحات والانتصارات التي يقوم بها هي نشر "التنوير"، إذ يقول: "كل أهل هذه المدينة الآن براحة، وقد تنوّروا، وعلمناهم علم الدين، وعلم الآداب، وصاروا يفهمون الحق من الباطل" (السيرة، الجزء الثالث، الصادر، ص 282).

والرسالة الثانية التي يحملها بعد التنوير هي "إنسانية"، تلك الكلمة التي ترد كثيراً في جنبات السيرة، فالحروب التي يخوضها حمزة دفاعاً النفس ذات هدف إنساني يتمثل في رفع الظلم عن العباد، ونشر عبادة الله، فيقول الوزير بزرجهمر: "كيف لا أذهب وفي النية خدمة الدين والإنسانية؟" (الجزء الرابع، ص 61).

"المراسح"

ومن الكلمات الحداثية الموجودة في النص وربما تدفع إلى الشك في زمن كتابة هذه السيرة، أو تكون قد جرت عليها إضافات معاصرة "المراسح"، وهي جمع كلمة "مرسح"؛ أي مسرح. والمسرح فن لم يعرفه العرب إلا حديثاً، وأول من أشار إليه ووصفه عربياً هو المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي، إبان وصفه مسارح الحملة الفرنسية بأنها "يطلق عليها في لغتهم (بالكمدي)، وهي عبارة عن محل يجتمعون فيه كل عشر ليالٍ، ليلة واحدة يتفرجون على ملاعيب جماعة منهم بقصد التسلي والملاهي مقدار أربع ساعات من الليل، وذلك بلغتهم، ولا يدخل أحد إليه إلا بورقة معلومة وهيئة مخصوصة"، وبعد ذلك جاء وصفه في كتاب رفاعة رافع الطهطاوي "تخليص الإبريز في تلخيص باريز".

فكلمة "مرسح" كانت هي الشائعة في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وهي في الأصل "مرزح"، وأُبدلت الزاي بالسين، وتعني كما ورد في "لسان العرب": "المطمئن من الأرض، كأنه ضعف عن الارتقاء إلى ما علا منها"، أي قطعة الأرض مستويّها، ويحيطها أرض أعلى منها. و"مرسح" لا توجد سوى في المعاجم العربية المعاصرة، بمعنى المكان المعد للروايات التمثيلية/ المسرح، فـ"الرسح" في المعاجم القديمة هو من قل لحم عجزه وفخذيه.

ويأتي ذكر هذه الكلمة في سيرة حمزة البهلوان في وصف إحدى الغرف: "وكانت تلك الغرفة حالتئذٍ أشبه بمراسح اللعب واللهو، حيث علا فيها الضجيج، وارتفعت الغوغاء، وكثرت حركات الموجودين فيها، وعلت أصوات وقع أقدامهم السريعة..." (السيرة، ج 4، ص 247).

فالمسارح في بلاد اليونان قديماً كانت تقام في أرض منخفضة تحيط بها مدرجات يتابع من خلالها الجمهور ما يدور في الساحة، وهذا الوصف في السيرة، الذي يشبه الغرفة بالمرسح، يعني أن العرب عرفوا مراسح اللعب، مع الإشارة إلى أنه مع بداية المسرح العربي كان يطلق على المسرحية اسم "اللعبة".

ويقول الطهطاوي في كتابه المشار إليه آنفاً: "في الحقيقة، إن هذه الألعاب هي جد في صورة هزل... اللعبة التي تظهر تكتب في ورق وتلصق على حيطان المدينة، وتكتب في التذاكر اليومية ليعرفها الخاص والعام".

ومن سمات الحداثة في "حمزة البهلوان" أنه إذا كانت السير والحكايات الشعبية القديمة ينقسم شخوصها إلى أخيار وأشرار، من دون أن تكون هناك شخصيات إشكالية، إلا أننا نجد مثل هذه الشخصية في تلك السيرة، متمثلة في الأمير قاسم بن رستم فرتم بن حمزة البهلوان الذي تتنازعه قيم الخير والشر.

وفي الأخير، فإن سيرة "حمزة البهلوان" واحدة من أنضج السير العربية في أسلوبها السردي، ورسم شخصياتها، وتستحق أن يعتنى بها أكثر من قبل الباحثين العرب من أجل استكشافها وتحديد تاريخ كتابتها، فإن كانت مصادر كثيرة تشير إلى أنها واحدة من أقدم السير العربية التي كتبت، وأنها أسبق من سيرة عنترة بن شداد، إلا أن أسلوبها يوحي بأنها "رواية حديثة".

أسباب كتابتها

يحكي التاريخ والحاضر الآن أن "الفرس" بعد دخولهم الإسلام قديماً، وانضوائهم تحت راية الدولة العربية الكبرى التي امتدت من الخليج إلى المحيط، وجاوزته إلى بلاد الأندلس، لم ينسوا إمبراطوريتهم البائدة، ولا عاصمتها المدائن، ولا مقر حكمها إيوان كسرى، حتى اللغة الفارسية القديمة اضمحلت أمام اللغة العربية الفتية وقتها، وأمام لغة العرب التي أصبحت لسان العالم والعلم، ومن ثم شعر هؤلاء بالهزيمة على المستويات السياسية والعسكرية والثقافية؛ إلا أنهم لم يستسلموا، واتجهوا إلى كتابة سيرة شعبية باتت تعرف باسم "فيروز شاه"، وهناك من يرى أنها جاءت نسجاً على سيرة "الشاه نامة" التي تُعلي من الجنس الفارسي على حساب الجنس العربي، وتظهر العرب في صورة الحمقى، وفي المقابل تمنح الفرس الصفات الحميدة.

ومن هنا جاء الرد الشعبي العربي بسيرة "حمزة البهلوان"، أو "حمزة العرب"، التي رفعت من قدر العرب ونضالهم من أجل تكوين دولتهم المستقلة. وكلمة "بهلوان" تعني "بطل الأبطال"، فهي سيرة كتبت بالأساس كي ترد على عنصرية الفرس تجاه العرب.

سيرة مهمشة

على الرغم من أهمية الموضوع الذي تتناوله سيرة "حمزة البهلوان" فإنها تعد أقل السير التي لقيت اهتماماً من الباحثين العرب، على عكس سيرة عنترة بن شداد التي اقتبستها عشرات من الأعمال التلفزيونية والسينمائية والمسرحية والإذاعية، بخلاف الدراسات العلمية. وكذلك لا يختلف الأمر كثيراً في السيرة الهلالية، ففي مجال المسرح فحسب اقتبسها أكثر من 60 عملاً مسرحياً أغلبها في مصر، وما زالت مادة خصبة يستقي منها المبدعون المصريون والعرب أعمالهم.

أما سيرة "حمزة البهلوان" على ما هي عليه من جودة في الإبداع، فلم تحظَ إلا بأقل القليل، فقد كتب عنها محمد رجب النجار كتابه "قراءة في سيرة حمزة العرب"، ودرست في أطروحة ماجستير في جامعة القاهرة من قبل غريب محمد غريب. أما على مستوى الإبداع المسرحي فإن أول نص التفت إليها هو للشاعر محمد إبراهيم أبو سنة، بعنوان "حمزة العرب"، عام 1970، ثم نص عام 1997 "حمزة البهلوان" لفؤاد أنور، ونص أخير لإبراهيم الحسيني بعنوان "تغريبة آدم الليلكي" في عام 2020، وهناك مسلسل إذاعي مصري بعنوان "حمزة البهلوان" قدم في عام 1972، بطولة صلاح قابيل، ومحمد الدفراوي.

ولا توجد أدلة مؤكدة ترجح الزمن الذي كتبت فيه تلك السيرة، فهناك من يعيدها إلى زمن الدولة العباسية، وهناك من يرى أنها كتبت في عهد الدولة الأيوبية، كما يختلف عدد أجزائها من طبعة إلى أخرى، وعدد صفحاتها، فهي تبلغ في طبعة المكتبة السعيدية المصرية نحو 640 صفحة، وطبعت في الهيئة العامة لقصور الثقافة في أربعة أجزاء تحتوي على نحو 1200 صفحة، وهناك طبعات يصل فيها عدد صفحاتها إلى نحو 3000، لتوازي سيرة عنترة بن شداد.

أما السيرتان الأكبر حجماً، وهما "الأميرة ذات الهمة"، و"الهلالية"، فقد أشار الباحث شوقي عبد الحكيم إلى أن مخطوطاتهما محفوظة في مكتبة برلين في ألمانيا، ويصل عدد صفحات كل منهما إلى 26 ألف صفحة.

حلم الدولة العربية 

تدور أحداث سيرة "حمزة البهلوان" قبل البعثة النبوية، وهي تشترك في هذا مع سير "الزير سالم"، و"عنترة بن شداد"، و"سيف بن ذي يزن"، فشخصية حمزة شخصية خيالية ليس لها وجود تاريخي كما هو ثابت في أبطال السير الثلاث الأخرى، وهذا لا يمنع أن تكون هناك شخصية حملت هذا الاسم لم تكن على نطاق واسع من الشهرة، لكن الخيال الشعبي منحها كثيراً من روحه الأسطورية، التي تجلت كأعظم ما يكون في "ألف ليلة وليلة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تحوي سيرة "حمزة البهلوان" موضوعاً رئيساً يتمثل في فكرة إقامة دولة عربية موحدة لها سلطان واحد، رافضة حال التشرذم التي يعيشها العرب، ما يجعلهم خاضعين للفرس؛ يدفعون لهم الجزية كل عام. وهدفت تلك السيرة إلى تنبيه الفرس إلى أن للعرب دولة مستقلة؛ ليس لكسرى عليها يد. إلا أن هذا الطلب العادل يقابل بالرفض من قبل كسرى ووزيره "بختك"، فتشتعل الحرب بين الدولة الناشئة التي تبحث لنفسها عن اعتراف دولي، وهي في هذا المطلب تتشابه إلى حد كبير مع سيرة "عنترة بن شداد"، فكلتاهما تعمل على رفع الهوية العربية وتطمح إلى جعلها ذات مكانة كبيرة، والعدو في السيرتين مشترك، وهو "الفرس".

وتشترك سيرة "حمزة البهلوان" مع سيرة "عنترة بن شداد" في أنهما تعملان بالأساس على تجميع العرب في كتلة واحدة وسلطة واحدة من أجل مواجهة أعدائهم، على عكس سيرتين أخريين، وهما "الزير سالم" و"الهلالية"، اللتان تكشفان عن التناحر العربي والفرقة المؤدية إلى الهلاك. ففي الأولى حرب أبناء عمومة بين بكر وتغلب، دامت أربعين عاماً، وقتل في بدئها حلم "كليب" بتكوين دولة عربية متحدة، وأكمل المهلهل إجهاض هذا الحلم بحرب البسوس. أما سيرة بني هلال، فهي عن النزاعات بين الهلاليين والزغابة، ومن ثم بين الزناتة والصنهاجة، بين العرب الحميريين الذين يمثلهم دياب بن غانم الزغابي والزناتي خليفة، وبين العرب القيسيين بقيادة أبي زيد الهلالي وحسن بن سرحان. وهناك باحثون يرون أن سيرة "الزير سالم" ما هي إلا جزء من السيرة الهلالية، لأسباب عديدة من بينها أن منطق السيرتين واحد: قتال عربي – عربي، على عكس حمزة البهلوان وعنترة، وحتى سيف بن ذي يزن، التي كان يحمل المقاتلون في كل منها رسالة نبيلة من وجهة نظرهم، وهي تكوين دولة عربية مستقلة تستطيع الدفاع عن نفسها ضد جيرانها من الفرس والروم والأحباش.

المزيد من ثقافة