نقاشات حول الفراء: هل الفراء الصناعي أكثر استدامة من تلك الطبيعية؟

يقول ناشطو حقوق الحيوان إنّ الفرو الحقيقي وحشي لكنّ دعاة حماية البيئة يجادلون بأنّ الفرو الصناعي يضر بالبيئة

لطالما كان الفرو من أكثر المواضيع الساخنة في مجال الأزياء، لكنّ النقاش وصل إلى آفاق جديدة في الأشهر الأخيرة حيث يقوم عدد متزايد من العلامات التجارية بتطبيق حظر استخدام جلود الحيوانات في صناعة الملابس.

في الواقع، إنّ القضايا الأخلاقية المتعلقة باستخدام فرو الحيوانات في صناعة ملابس موثّقة توثيقًا جيدًا، وعلى الرغم من اعتبار أنّه من الساحر جدًا التنزّه في الشارع مرتدية معطف فرو المنك مثل نجمة هوليوود في ثلاثينيات القرن العشرين، فإنّ القيام بذلك الآن يُنظر إليه على أنه موضوع يثير الجدل في عالم الملابس. وأيضًا، قد يصبّ أحد الناشطين عليك دلوًا مزيفًا من الدماء، وهذا على الأرجح غير ممتع على الإطلاق.

غوتشي وبربري وكوتش هي من بين كثير من العلامات التجارية البارزة التي حظرت الفرو حاليا. كما كان منظمو أسبوع الموضة في لندن قد أعلنوا أنه سيصبح خاليًا تمامًا من الفرو ابتداءً من سبتمبر (ايلول) 2018، ما سيؤدي في وقت لاحق إلى زيادة الطلب على بدائل مزيفة أشاعتها علامات تجارية مبدعة تستهدف جيل الألفية مثل شريمبس وشارلوت سيمون.

لكنّ المدافعين عن البيئة يدّعون أن هذه البدائل الخالية من الوحشية مصنوعة بشكل شبه كامل من البلاستيك وتسبب أضرارًا خطيرة على الكوكب.

و لذلك انتشرت مقولة أنك "ملعونًا إذا فعلت، و ملعونًا إذا لم تفعل" في اشارة إلى الفرو ما يضع المتسوقين في موقف صعب. هل تفوق العواقب البيئية لانتاج الفرو الصناعي الآثار الأخلاقية للفرو الحقيقي؟ أم أنّ الوقت قد حان لمحبي الموضة للابتعاد تمامًا عن الجمالية القائمة على الفرو وتأييد ارتداء ملابس صنعت موادها من مصادر أقل جدلية؟

لقد تمّ حظر تربية الحيوانات من أجل فروها في إنجلترا وويلز منذ العام 2000 - وحذت اسكتلندا وأيرلندا الشمالية حذوهما في العام 2002 - ولكن لا يزال من القانوني استيراد وبيع الفراء من بعض الأنواع مثل الثعلب والأرانب والشينشيلا، ومعظمها من إنتاج مزارعين أوروبيين.

وعلى الرغم من ما نعرفه عن حظر تربية الحيوانات من أجل فرائها من باب الرفق بالحيوان (معروف أن الفرو المباع في بريطانيا مصدره إما حيوانات تمّت تربيتها في المزارع أو علقت في مصيدة أو قُتلت) فإنّ الفرو لا يزال مطلوبًا. ووفقًا لتقرير حكومي، في العام 2017، استوردت بريطانيا ما قيمته 63 مليون جنيه استرليني من الفراء والمواد التي تتألّف من فراء.

ومع أنّ عددًا لا يحصى من العلامات التجارية أصبح خاليًا من الفراء، فإنّ بعضًا منها، مثل فيندي، لويس فيتون، وميو ميو، تواصل استخدامها في تشكيلاتها.

والعلامات التجارية الأحدث تستخدم الفرو أيضًا، مثل العلامة التجارية الاسكندنافية ساكس بوتس، التي تُعتبر معاطف فرو الثعلب المستوحاة من الطراز القديم لديها، من الخيارات المفضلة لدى المشاهير مثل سيلينا غوميز وليدي غاغا.

ووفقًا لما قاله مارك أوتن، رئيس الاتحاد الدولي للفراء (IFF) للاندبندنت، فإنه من الممكن الحصول على الفراء من مصادر تراعي الأخلاق وأكثر استدامة بكثير من بدائل الفرو الصناعي.

ولفت: "إن الفرو الحيواني منتج طبيعي تمامًا، وهو قابل للتحلل الحيوي ولا يضر بالبيئة ، وفي حالة الفرو البري، فإنه متوفر من خلال مشاريع حماية الحياة البرية وإدارة التجمعات السكانية" (التي تتطلب التخلص من حيوانات مثل الثعالب مثلا)، مضيفًا أن المصممين في ماركات مثل غوتشي وبربري "انضمّوا إلى النباتيين والمحافظين على حقوق الحيوان" من خلال حظر الفرو.

وتابع قائلًا إنّ الاتحاد الدولي للفراء بصدد تطوير برنامج عالمي لإصدار الشهادات يسمى Furmark ويهدف إلى منح العلامات التجارية والمستهلكين تطمينات على التزام الرفق بالحيوانات في ما يتعلق بإنتاج الفراء.

بعض التعليقات مثل تعليقات أوتن، تثير نقاشًا بين الجماعات المؤيدة للرفق بالحيوانات، الذين يجادلون بأنّ صناعة الفراء تحاول تبييض صفحة منتجي الفراء الطبيعي مع تزايد شعبية الفرو الصناعي.

وتقول كلير باس، المديرة التنفيذية لمنظمة «هيومان سوسايتي انترناشونال»: "إن الفرو يعتبر طبيعيا فقط عندما يكون على ظهر حيوان حي".

وتجادل باس بأنّ إنتاج الفراء له مخاطره البيئة الخاصة به، وأخبرت صحيفة الإندبندنت أنّ الدباغة تخلف "تلوثا في المياه بشكل نيتروجين وفوسفور من فضلات الحيوانات، إضافة إلى  تلوث الهواء الناجم عن حرق جثث الحيوانات وما يرافق ذلك من إطلاق الملوثات مثل أول أكسيد الكربون وأكسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت وحمض الهيدروكلوريك".

وتضيف باس أنّ هناك أيضًا "مجموعة من المواد الكيميائية السامة" المستخدمة في عملية الدباغة والسلخ.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فإن وصف صناعة الفراء (الطبيعي) بأنها عملية مستدامة، أثبت في الحقيقة أنها عملية مثيرة للجدل في الماضي. في العام 2012، تم حظر حملة إعلانية من قبل جمعية المربين الأوروبيين للحيوانات ذات الفراء لأنها ادعت أنّ "ارتداء الفراء صديق للبيئة" لأنه "يدوم مدى الحياة" و "يساعد على حماية البيئة".

ماري كريج، و هي نائبة تابعة لحزب العمال البريطاني حذرت مرارًا من المخاطر البيئية التي تخلفها عملية انتاج الفرو الصناعي، وقالت  لصحيفة الإندبندنت أنّ معاطف الفراء المزيفة غالباً ما تكون مصنوعة من ألياف مركبة من مشتقات نفطية تسهم زيادة نسبة انبعاثات الغازات الدفيئة.

وقالت: "تخبرنا الموضة أنّ بإمكاننا الحصول على أي شيء نريده، ولا حاجة لقتل الحيوانات للحصول على الفرو، ولكن ما لا يخبروننا به هو العواقب الكربونية من استخلاص المواد لإنتاج البدائل الصناعية. تصنع هذه الملابس بالكامل من ألياف اصطناعية مثل البوليستر التي هي من المنتجات الثانوية لصناعة النفط."

وأشارت النائب من منطقة ويكفيلد أنّ الملابس المصنوعة من الفرو الصناعي "يكاد يكون من المستحيل إعادة تدويرها" وغالبًا ما ينتهي بها المطاف في المكب نظرًا لظهور ثقافة استهلاك الملابس التي تعني ارتداء الملابس ثم التخلص منها لإفساح المجال أمام موجة الموضة التالية.

لكنّ باس تدّعي أن صناعة الفرو المزيّف تتحرك بسرعة في اتجاه أكثر استدامة، مع مزيد من العلامات التجارية التي تعتمد تقنيات الإنتاج المبتكرة التي تقلل من انبعاثات الكربون.

وعلى سبيل المثال، فالعلامة التجارية House of Fluff التي تتخذ من نيويورك مقراً لها، تصنع غالبية منتجات الفرو الصناعي من الأصباغ والمواد الطبيعية.

وفي حديث إلى الإندبندنت، أوضحت المديرة التنفيذية كيم كانتر أنّ العلامة التجارية House of Fluff  ملتزمة باستخدام "أكثر المواد مراعاة لبيئة كوكبنا".

وأضافت قائلة: "نحن نعمل أيضًا مع العلماء في مؤسسة Cradle to Cradle لإنتاج نسيج من فرو صناعي يتحوّل بالكامل إلى سماد طبيعي".

"ملابسنا أيضًا فاخرة جدًا وأنيقة، فهذه ليست معاطف ترتديها لموسم واحد ثم تتجاهلها، إنها معاطف ستحتفظ بها لحسن الحظ لمدى الحياة ثم قد تورثها".

لكنها تشير إلى أنّ الحجة القائلة إنّ الفرو الصناعي يدمّر الكوكب يمكن تطبيقها على صناعة الأزياء ككل، ويجب ألا تقتصر على حيز بعينه.

وأوضحت كانتر: "من المحزن، أنّ ملابس كثيرة  نرتديها جميعًا مصنوعة من ألياف مركبة و ليست مفيدة لكوكبنا. لذلك علينا جميعا أن نتعامل مع هذه القضايا لتغييرها ونمضي قدمًا. ودعونا لا نشوّش على هذه المشكلة أو نستخدمها لصرف انتباه الناس عن قضايا الرفق بالحيوان".

توافق آنا بيركيلي، مصممة أزياء المشاهير، على أنّ الانتقادات المحيطة بالفرو الصناعي تدل على وجود مشكلة منهجية تؤثر في صناعة الأزياء.

وقالت لصحيفة الإندبندنت: "في قطاع الأزياء, حيث تتغير الموضة باستمرار، يتم التخلص من المنتجات تباعا وذلك يستغرق سنوات حتى تتحلل الملبوسات بشكل حيوي".

"أنا لا أوافق على تربية الحيوانات وقتلها فقط  من أجل صناعة الملبوسات، ولكنّ على القطاع ككل تقع المسؤولية لإيجاد حل يساهم بتخفيف التأثير السلبي لصناعة جميع انواع الملابس على البيئة."

وبغض النظر عن الطريقة التي نرى فيها الأمور، نظرًا للتغيرات السريعة التي يشهدها قطاع صناعة الأزياء والاستخدام الواسع النطاق لأقمشة البوليستر، تظل الاستدامة مشكلة مستمرة، ويعدّ الفرو الصناعي جزءًا صغيرًا للغاية منها.

الحكومة البريطانية تحث قطاع صناعة الألبسة على معالجة هذا الأمر، وتشكّل العلامات التجارية خصوصا شركة "ستيلا مكارتني" للأزياء مثالًا رائعًا على الآخرين اتباعه.

ولكن عندما يتعلق الأمر بالفرو الحيواني، فإيجاد حل لمعضلة استخداماته في قطاع الأزياء قد يكون قريبًا. وهذا تقدم لا يمكن إنكاره.

© The Independent

المزيد من