Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"اتفاق الكامور" يضع هيبة الدولة التونسية في مرمى الاحتجاجات

مخاوف من تكرار السيناريو بمناطق أخرى ومطالب بتأطير التظاهرات وتقنين التفاوض

ما حدث في الكامور ظاهرة جديدة في منطق التفاوض التقليدي بين مؤسسات الدولة التونسية والهياكل النقابية (أ ف ب)

شكّل "اتفاق الكامور" محطة فارقة في مسار الحركات الاحتجاجية، التي شهدتها تونس بعد 2011، هذا الاتفاق الذي التزمت بمقتضاه الدولة بتوفير اعتمادات مالية، وإحداث مواطن للشغل، وعدم تتبّع المحتجين قضائياً.

يعدّ الاتفاق، الأول من نوعه، إذ خرج ممهوراً من قِبل رئيس الحكومة هشام المشيشي، وفق جدول زمني واضح، ما اعتبره المراقبون دليلاً على ضعف الدولة، وعجزها عن السيطرة على مواردها، بعدما عطّل المعتصمون إنتاج النفط أشهراً متواصلة، وهو ما لم يحدث في تاريخ تونس.

عصف بالديمقراطية

في هذا الشأن، يرى سامي نصر، المتخصص في علم الاجتماع، أن الدولة وقعت في فخ النمط الجديد الذي يسير فيه المجتمع التونسي، وهو التحلّل بسبب تفشي الفساد، وتفكّك المؤسسات وتنامي القطاع الموازي. وقال "الوضع في تونس غير طبيعي وغير مطمئن، فالأجهزة الموازية هي التي تتحكم في المشهد، ومؤسسات الدولة باتت محكومة بمصالح اللوبيات (مجموعات الضغط) السياسية والمالية، والبرلمان يحتكم إلى المصالح الحزبية الضيّقة، بينما تكابد المؤسسات من أجل استعادة توازناتها، أمام شطط النقابات وتغولها".

ولئن رحب المتخصص في علم الاجتماع بـ"اتفاق الكامور"، فإنه عبّر عن امتعاضه من تعاطي الدولة مع الملف، وسقوطها في "فخ التفاوض مع مجموعات غير مؤطرة"، ما دفع أحياناً بالمحتجين إلى "الإمعان في الابتزاز ومسّ رمزية الدولة".

ونبّه محدثنا إلى أن هذا الوضع غير الطبيعي، قد "يعصف بالديمقراطية الناشئة"، موضحاً "الناخب التونسي يُفترض أنه انتخب برلماناً، وحكومة منبثقة منه، يجد نفسه الآن أمام حكومة لا تملك قراراتها، ولا تتصرف باستقلالية، بينما يتهافت النواب على تحقيق مصالح أحزابهم الضيّقة على حساب ناخبيهم".

تابع، "ضُعف الدولة أمام القطاع الموازي، والنقابات، ولوبيات المال والسياسة، قد يدفعنا إلى وضع (اللادولة) الذي يتجلّى من خلال القفز على القوانين، وتكريس الإفلات من العقاب، وغياب العَقد الاجتماعي، الذي تتّضح من خلاله حدود الحق والواجب، وأيضاً التداخل في الوظائف وتعويم مجالات كل وظيفة، من أجل تكريس مفهوم (الوظيفة السائلة) الفاقدة حدودها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولأن الدولة في مفهومها الجديد لم تعد ثلاثية الزوايا (أرض، بشر، نظام)، بل تتعدى ذلك إلى حاصل التفاعل بين هذه المكوّنات، من ثقافة تتراكم وإنسان يتغير ونظام يتطور، يرى نصر، أن الرهان على المحلي، من خلال تفعيل مؤسساته، وإعادة صوغ علاقته بالمركز، ومنحه استقلالية اتخاذ القرار من أجل "مأسَسة" العلاقة بين المحلي والمركزي، والحيلولة دون انزلاقها إلى الكينونات الناشئة، التي لا تعترف بالمؤسسات على غرار "تنسيقية الكامور"، وهي مجموعة من المعتصمين، صاغوا في ما بينهم تنسيقية، متسائلاً عن دور المجالس الجهوية ومؤسسات الحكم المحلي.

هل يتكرّر سيناريو الكامور؟

تستعد الدولة التونسية، إثر حلّ أزمة الكامور، لسلسلة من الاحتجاجات في عدد من المناطق التي تشكو ضنك العيش وقلة التنمية، فكيف ستتصرف إزاءها؟ يجيب نصر، "الفرق بين حالة الكامور وغيرها من الاحتجاجات المطالبة بالتنمية، هو السياق المجتمعي المحافظ في تلك الربوع، ما حال دون إمكانية اختراق الاعتصام، الذي تمسّك به أصحابه، وثبتوا على مواقفهم فيه".

أضاف، "لأن تلك المنطقة تُعاني فقراً تنموياً متراكماً، علاوة على تصحّر المؤسسات والهياكل، التي تؤطر هذا الحراك، انتظم المعتصمون وانضبطوا لمطالبهم ولمُمثليهم في جلسات التفاوض مع الحكومة. وخصوصية الكامور تجعلها مختلفة عن بقية المناطق، لذلك فإعادة السيناريو في مناطق أخرى تبدو مستبعدة".

هيبة الدولة

ما حدث في الكامور ظاهرة جديدة في منطق التفاوض التقليدي بين مؤسسات الدولة والهياكل النقابية، لذا يخشى بعضهم من أنه قد يُضعف كيان الدولة ويُربكها ويقلص هيبتها، وهو ما دعا مراقبي الشأن التونسي إلى المطالبة بتأطير التحرّكات الاجتماعية وتقنين أشكال التفاوض، من خلال الاتحاد العام التونسي للشغل، حتى لا تقع الدولة في فخ الكامور مجدداً.

ذهب متابعون إلى أن الشكل الجديد من التفاوض دشّن نموذجاً جديداً في فضّ الإشكالات الاجتماعية، إذ بات يلقي بظلاله في مختلف المناطق المتأزمة اجتماعياً، حيث يبحث المحتجون على السيطرة على موارد الدولة من أجل ابتزازها لتحقيق مطالبهم.

يعتقد كثيرون أن سياسة تفكيك الدولة في تونس ممنهجة منذ 2011، باختيار نظام سياسي هجين، جعل الحكم "فُتاتاً" تتقاسمه مؤسسات ثلاث (رئاسة الحكومة، البرلمان والقصر الرئاسي)، وفكّك مؤسسات الدولة، بتكريس الصراع والتنازع على السلطة، وهو ما تعيشه تونس اليوم من عدم استقرار وتناحر أديا إلى تتالي الحكومات.

ويؤكدون أن تونس مدعوة اليوم إلى مراجعة النظام السياسي والانتخابي، من أجل إفراز أغلبية واضحة المعالم، قادرة على تحمل أعباء الحكم ويمكن مساءلتها مع ضرورة القطع مع المحاصصة الحزبية في مناصب الدولة العليا، بالتعويل أكثر على الكفاءات السياسية والاقتصادية وتطهير محيط مؤسسات الإنتاج من كل أشكال الاعتصامات والاحتجاجات وتجريم تعطيل الإنتاج.

المزيد من العالم العربي