Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الألعاب النارية..."قوس النصر" المعاصر

صار لمثل هذه الأعمال مهندسوها المختصون الذين يستخدمون تقنيات حديثة تحدد حجم الانفجارات وتوقيتها وتوزيعها في السماء

بعد إعلان نتائج الانتخابات الأميركية، وقف الرئيس المنتخب جو بايدن، تحيط به عائلته ومؤيدوه، ينظرون إلى انطلاق الألعاب النارية في سماء المدينة، وكانت تبدو على الجميع علامات الفرح بالنجاح، والزهو بالألعاب النارية نفسها التي تضيء السماء بأنوار ملونة متنوعة ومبهرة.

طقس عالمي جديد

في جميع أنحاء العالم، باتت احتفالات الألعاب النارية وسيلة للتعبير عن السرور والنصر، من أصغر قرية يتم فيها حفل زواج أو احتفال بنجاح أحد أبنائها بشهادة التخرج، إلى أكبر مدينة عالمية تحتفل بافتتاح الألعاب الأولمبية أو انطلاق المونديال أو تدشين ممر للقطارات مثلاً، فالمفرقعات أو الألعاب النارية هي "قوس النصر" أو "المسلة" المعاصرة التي بها تسجل الشعوب انتصاراتها.

ولم يعد الأمر يقتصر على إطلاق هذه المفرقعات في السماء، والاكتفاء بانفجارها ونشرها الألوان والأشكال، بل باتت الدول تتبارى في تحقيق أجمل شكل هندسي يمكن أن تقدمه هذه الألعاب في الثواني التي تنفجر فيها، وفي مدة العرض الكاملة التي تقصر وتطول بحسب الكلفة المالية المخصصة للعرض، وبحسب حجم التحدي العالمي الذي تريد هذه المدينة أن تبهر به العالم أجمع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وصار لمثل هذا العمل مهندسوه المتخصصون، الذين يستخدمون في هندستهم هذه التقنيات الحديثة التي تحدد حجم الانفجارات وتوقيتها وتوزيعها في السماء، وتقسيم الألوان التي ستتناثر، والأشكال التي ستتداخل مع بعضها بعضاً، ويمكن القول إن هؤلاء المهندسين باتوا نوعاً جديداً من الفنانين المحسوبين على عالم الفن، بسبب شهرة أعمالهم الفنية "النارية".

ويقال إن فنيي الألعاب النارية أول ما ظهروا كمهنيين في إيطاليا في أوائل القرن الـ19، حين وظفتهم المدن المتنافسة والمزدهرة لتصميم معارضهم وتنفيذها، وفي ما بعد، بدأ بيع الألعاب النارية للجمهور، وبحلول عام 1883 كان تجار مدينة فيلادلفيا الأميركية يبيعون الألعاب النارية للسكان، بما في ذلك الأطفال، ما جعل الشوارع مكاناً خطراً على الجميع.

تحد دولي في الإبهار

الدول التي تستخدم فناني الألعاب النارية ليطلقوا احتفالاتها، تبذخ بالأموال والمصاريف، وتمنحهم القدرة على إيصال التحدي إلى أقصاه، فعلى سبيل المثال، بات ينتظر مئات الملايين من البشر إطلاق الألعاب النارية في عيد رأس السنة حول العالم، بل وبسبب الحشد الهائل الذي وصل لمشاهدتها في رأس السنة الماضية في لندن، اضطرت البلدية إلى بيع البطاقات للمشاهدين، لتخفيف الحشد الذي قارب مليون نسمة في ساحة تتسع لـ 100 ألف شخص.

ثم هناك الألعاب الرياضية التي يتذكرها الناس في حفل افتتاحها، فيقال مثلاً، إن حفل افتتاح الألعاب الأولمبية في العاصمة الأسترالية سيدني في عام 2000، أدهش العالم بفنون الألعاب النارية، ثم جاءت الألعاب إلى الصين في عام 2014، وبالتأكيد فإن الصين هي المصدر الأول في العالم لهذه الألعاب في التاريخ وحديثاً.

الحرب والسلام... السلام والحرب

يقال إنه في عهد سلالة تانغ التي حكمت الصين خلال القرن الثامن، خلط الكيماويون الصينيون الملح والكبريت والفحم، فكان البارود، ولم يكن هدفهم صناعة البارود، بل كانوا يبحثون عن وصفة "للحياة الأبدية". طبعاً وجدوا وصفة للترفيه، وهي في الوقت عينه وصفة الحروب المميتة، أي المتفجرات، حين اعتقدوا أن هذه الانفجارات التي يسببها البارود ستبعد الأرواح الشريرة، لذلك قاموا بتعبئته داخل سيقان "البامبو" وألقوه في النار، لينفجر، هذا قبل أن يطور هذه العملية رجل الأعمال السويدي ألفرد نوبل، إلى متفجرات لنزع الصخور في المناجم، وفي المسالك التي ستصبح مسارات للقطارات، لكن البشر تمكنوا من تحويلها إلى سلاح فتاك لحروب عظيمة، ما دفع نوبل إلى التكفير عن خطيئته بالجائزة الدولية المعروفة باسمه.

الباحث اللبناني أمين نجيب، يروي الأمر بطريقة مختلفة في إطار بحثه "ترابط التكنولوجيا بالثقافة"، إذ يرى أن في الصين القديمة كانت الألعاب النارية جزءاً أساسياً من ثقافة الاحتفالات الدينية، فاكتُشف البارود كتطوير تكنولوجي لهذه الألعاب، ونتيجة للثقافة الدينية السائدة، بقي استعماله محصوراً في هذا المجال لقرون عدة، إلى أن وجد طريقه إلى أوروبا فاستعمل فوراً كسلاح في الحرب. وكان الدافع إلى صناعة المدافع وتكنولوجياتها التي أدخلت تغييرات جذرية على إستراتيجيات الحروب وغيرت مجرى التاريخ، وكان البارود في الصين حاجة ثقافية دينية سلمية، لكنه في الغرب أصبح حاجة في ثقافة فن الحروب، هذا مع العلم أن الصين هي أقدم من طور فنون الحرب، فما زال حتى اليوم كتاب "سان تزو" وعنوانه "فن الحرب"، الذي كتب 2000 سنة قبل أن يضع الأوروبيون أيديهم على البارود الصيني، يُعد مرجعاً في علم الإستراتيجية.

المفرقعات في تقاليد المجتمعات

يروي التاريخ مئات القصص من الحرائق والانفجارات، التي دمرت بلدات ومباني بسبب اللعب الخطير بهذه المفرقعات والألعاب النارية من دون حسيب أو رقيب، إذ كانت تباع للصغار والكبار في المتاجر من دون أي  نظام أمان، خصوصاً في احتفالات الرابع من يوليو (تموز) في الولايات المتحدة، حيث يحتفل سكان الولايات المتحدة الأميركية باستقلالهم عن الإمبراطورية البريطانية في عام 1776. لكن ابتداء من منتصف القرن الـ 19، وضعت قوانين صارمة لبيع مثل هذه المتفجرات والمفرقعات، في كل دول العالم، وما زالت بعض الدول تتشدد حتى اليوم في طرق وسبل استخدامها.

لكن على الرغم من الخطر الذي تسببه هذه المفرقعات، هناك مجتمعات عالمية كثيرة باتت تستخدم المفرقعات كوسيلة وطنية أو شعبية للاحتفال. فخلال شهر أغسطس (آب)، تحتفل اليابان بتراثها التاريخي من خلال فن الألعاب النارية، وتباع في الشوارع كميات كبيرة منها، ويرتدي رواد المهرجان الأزياء التقليدية، ويحضرون العروض في أقرب مدينة لهم، لقد بدأ اليابانيون هذا التقليد منذ القرن الـ18، واشتدت المنافسة في السنوات الأخيرة بين المدن اليابانية لتقديم أجمل العروض.

وفي الهند، يتم الاحتفال بـ"مهرجان الأضواء" باسم ديوالي، بين أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) من كل عام، أما في سنغافورة فقد بدأت عروض الألعاب النارية في عام 2004 كطريقة لإحياء الذكرى الوطنية للاستقلال، أما في بلدان أميركا الجنوبية، فإن اللعب بالمفرقعات النارية الصغيرة في الشوارع يجري على مدى أيام في احتفالات عيد الميلاد، فتنتشر المفرقعات المعروفة باسم "البراكين الصغيرة" و"النجوم الصغيرة" في الشوارع.

وفي الدول الإسلامية، بات الأطفال يستخدمون المفرقعات في عيدي الفطر والأضحى، ويمكن مشاهدة أفضل العروض الضخمة في مدينة دبي، حيث تنظم تسعة عروض في الوقت نفسه. وفي الصين، وفي كل حي صيني في جميع أنحاء العالم يتم الاحتفال بالعام الصيني الجديد بعروض هائلة من الألعاب النارية باللونين الأحمر والأصفر، وتنانين ملونة تشق طريقها عبر الشوارع الصاخبة، ويحدث هذا عادة في عطلة نهاية الأسبوع الأولى من شهر فبراير (شباط).