Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تهدد أزمة تيغراي استقرار منطقة القرن الأفريقي؟

إذا استمر النزاع فإثيوبيا إلى التفكك وآبي أحمد سيخسر الانتخابات ومثلث بادمي سيدخل الصراع

من المتوقع أن يقود تصاعد النزعة الانفصالية إلى إشعال حرب أهلية في إقليم تيغراي (أ ف ب)

أحدثت المواجهة المسلحة بين القوات الإثيوبية الفيدرالية وقوات تيغراي قلقاً إقليمياً، ومن الممكن أن تقود إلى انفجار في منطقة القرن الأفريقي. وتحمل جبهة تحرير شعب تيغراي الحكومة سبب اشتعال الإقليم الذي ينادي بالاستقلال عن إثيوبيا. وسبقت هذا التصعيد عدة أحداث، أهمها تنظيم الإقليم انتخابات محلية في سبتمبر (أيلول) الماضي، متحدياً الحكومة الاتحادية بسبب ما رأته حكومة الإقليم تلكؤاً من جانب آبي أحمد رئيس الوزراء الحالي لبقائه في المنصب من دون انتخابات، متذرعاً بتفشي كورونا.

ومن المتوقع أن يقود تصاعد النزعة الانفصالية إلى إشعال حرب أهلية في الإقليم، تنذر ببداية تفكك الدولة الإثيوبية، إذ لن يسقط الإقليم الذي يتمتع بحكم شبه ذاتي ضمن النظام الفيدرالي في البلاد وحده، إنما سيثير عدداً من الإثنيات المتوترة في مناطق أخرى. إن العلاقات المتوترة بين الحكومة الفيدرالية والأقليات العرقية في إثيوبيا تشكل عقبة في وجه الاستقرار والطموحات التنموية. والواقع، أن هذه الأقليات العرقية ظلت تشكو عدم المساواة، وزاد من ذلك انضمام المعارضة إليها، وهي التي جرى إقصاؤها من المشهد السياسي، مستفيدة من تأجيج الصراع العرقي.

أصل الخلاف

في ضوء طبيعة ونمط الأزمة التيغرانية، فإن الوقوف عند تطورها مع أنها غير حديثة، على ما ستجره إلى إثيوبيا باعتبارها ديمقراطية ناشئة في ما يمس مسألة احترام حكومتها للأقليات. وقد يُفسر ذلك من خلال عقد مقارنة تصل إلى أن سجل حماية الأقليات أقرب لأن يكون متساوياً في ظل العهدين الاستبدادي والديمقراطي في إثيوبيا، نزولاً عند طبيعة الصراع العرقي المتمثل في إثارة التعصب.

والواقع، أن أسباب اشتعال الصراع وأهدافه، تدور حول المظلومية والاضطهاد التي تحددت بدرجات متفاوتة من صراعات سياسية واقتصادية واضطرابات اجتماعية، يمكن أن تدفع إلى تفتت إثيوبيا إلى وحدات إثنية أصغر بدلاً عن الوحدات المعروفة في الدولة الواحدة.

من ضمن الأسباب الجوهرية، إضافة إلى تأجيل آبي أحمد الانتخابات الإثيوبية، أسباب تخدم انفجار الوضع، مثل الشعور الذي لازم تيغراي بفقدان السلطة، بعد أن تسلمها آبي أحمد في مارس (آذار) 2018، على إثر ثورة شعبية، قادتها قوميات على رأسها قومية أورومو التي ينتمي إليها، ما أدى إلى استقالة هايلي ماريام ديسالين رئيس الوزراء السابق، الذي ينتمي إلى قومية تيغراي، التي ظلت مسيطرة على السلطة، منذ تولي زعيمها رئيس الوزراء الأسبق ملس زيناوي السلطة في مايو (أيار) عام 1991.

وهذه القومية لا تتجاوز 6 في المئة من السكان، لكن قوتها تتجذر في كيان الدولة الإثيوبية قبل مجيء آبي أحمد، وذلك عبر قيادات عسكرية وسياسية ظلت تنظر وتقرر من أجل عودة سيطرة تيغراي. كما أن هناك تغييراً سريعاً أجراه آبي أحمد في فترة رئاسته الحكومة، التي لم تتجاوز العامين، وهو حل الحزب الحاكم السابق "الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية"، وهو ائتلاف تاريخي ارتبط بعدة أحداث وطنية، وأسس بدلاً عنه حزبه الجديد "الازدهار" الذي رأته تيغراي مكرساً لإثنية مُعينة.

يمكن أن تتمخض عن هذه الأحداث سيناريوهات ليس من بينها عودة الأحوال إلى ما قبل هذا التاريخ، الذي يرى فيه كل طرف عدالة موقفه وقضيته. وبما أن التأثيرات الداخلية مؤكدة بانفجار الفتيل الإثني في إقليم تيغراي، وترشيح مناطق أخرى للانفجار، فإن الآثار الإقليمية أيضاً تبدو وشيكة وممتدة. فهذه الحرب في طريق الانفصال لن يوقفها شيء ما دامت هي أسيرة تجربة البيئة الأفريقية.

فيدرالية إثنية

تبنت إثيوبيا نظام الفيدرالية الإثنية في عام 1995، وهو نظام يبدو في ظاهره أنه من أجل حل التنوع الإثني الواسع وللحد من التوترات الإثنية في البلاد، لكن السبب الحقيقي لاتخاذ حكومة زيناوي ذلك الاتجاه، كان من أجل ضم أراض تابعة لإقليم أروميا إلى أديس أبابا، التي تحولت إلى دولة داخل الدولة بسلطات إدارية واسعة. ثم بعد مجيء آبي أحمد سلطت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي الضوء على تعارض طموحاته مع نظام الفيدرالية الإثنية من خلال رصد سياساته في هذه الفترة، وهو ما رأته منافياً لما جاء به الدستور.

جرى طرح النموذج الفيدرالي الإثني بناءً على الدستور الإثيوبي الفيدرالي الدائم لعام 1995، الذي أكد تعددية المجتمع الإثيوبي، وعلى حق القوميات الإثيوبية المختلفة في إدارة شؤونها، وشمل عدداً من البنود أهمها، اللامركزية، من خلال تقسيم الدولة فيدرالياً إلى تسعة أقاليم، من بينها تيغراي، إضافة إلى مدينة ديرا داوا والعاصمة أديس أبابا، التي تحظى بالحكم الذاتي. ومن البنود أيضاً حق ملكية الأرض، وحق تقرير المصير الذي من الممكن أن يصل إلى استقلال الإقليم إذا شعر أبناؤه بانتهاك حقوقهم.

هذه التجربة تشكك في مدى قدرة الحكومة الإثيوبية على الإيفاء بمتطلبات ترسيخ الفيدرالية ذات الطابع الإثني كنظام حكم استمر تحت الضغوط 15 عاماً، إذ إن هذه الأقاليم ستظل قابلة للاشتعال تحت أي ظروف، ولن تحميها إدارتها الذاتية لشؤون حكمها، كما أن مبدأ الفيدرالية يذوب تلقائياً في التعقيدات الإثنية، بمعنى أن الإقليم يظل يتمتع بحكم شبه ذاتي، لكن وسط خلافات سياسية واقتصادية مع الحكومة الفيدرالية بدوافع إثنية.

خطوط الصدع مع السودان

سيطال تأثير قضية تيغراي السودان من جانب اندماجها مع التوترات في شرق البلاد، إضافة إلى التوترات الأمنية القائمة بسبب الانتشار الواسع لعصابات النهب المسلح والاتجار بالبشر والتهريب. وعلى الرغم من هذا الأثر يمكن للسودان أن يلعب دور الوسيط، ويعمل على تقريب وجهات النظر بين الطرفين بطريقة فردية، بإيجاد صيغة ودية لتسوية النزاع أو دعوتهما إلى التفاوض، وفقاً لما جاء في ميثاق الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية ومواثيق بعض المنظمات الإقليمية الأخرى.

ويمكن أن تأتي الوساطة عبر الهيئة الحكومية للتنمية بشرق أفريقيا "إيغاد"، التي تترأسها الخرطوم حالياً منذ 2019، وتضم دول القرن الأفريقي، السودان وجيبوتي وإثيوبيا وكينيا والصومال وجنوب السودان وأوغندا. وسيكون تحرك السودان مجرد محاولة لمشكلة بهذا الحجم الكبير، في إطار محاولات إقليمية للحد من حجم التهديد والمخاطر في الداخل الإثيوبي وعلى الجوار الإقليمي.

وفي تفسير للسلوك السياسي لصراعات الكيانات الأفريقية قد لا يبدو أن المساعي الدولية المتوقعة من السودان وغيره من الدول يمكن أن تصل إلى تكييف الأوضاع، إذ إن الفصل في صحة الوقائع التي يعتمد عليها كل طرف أو عدمها لن يؤدي إلى تسوية عن طريق توفيق الأوضاع بطرق سلمية. وذلك بالنظر إلى تلويح كل طرف بالتهديد بالقوة، ما ينزع الثقة بين الطرفين، ويعقد من نهج السبل الودية.

تسعى جبهة تيغراي من خلال هذا التصعيد إلى إيصال القضية إلى التحكيم الدولي، خصوصاً في اعتمادها على بنود الدستور الدائم للبلاد، لكن قد لا يحصل النزوع إلى التحكيم على موافقة صريحة من آبي أحمد الذي أظهر عدم مرونته في هذه القضية.

وتقف في وجه التحكيم أيضاً عقبة تمييز طبيعة النزاع الذي يختلط في حالة شعب تيغراي بين كونه نزاعاً قانونياً حول حقوق الإقليم أو نزاعاً سياسياً. على أن هذا الإجراء الذي قد يستغرق زمناً طويلاً يعترضه أيضاً عدم اتفاق الطرفين على حقوق تيغراي والتزامات الحكومة الفيدرالية.

الانعكاسات على إريتريا

على الرغم من استقلال إريتريا عن إثيوبيا عام 1991، وتوقيع اتفاق السلام في سبتمبر  2018، بعد عشرين عاماً من الحرب الحدودية التي قُتل فيها نحو مئة ألف شخص، فإن إثيوبيا لا تزال ترى أن استقلال إريتريا يجب أن يُعاد النظر فيه، لتدخل ضمن اتحاد كونفيدرالي معها، لأهمية موقعها كمنفذ بحري لها عبر ميناء عصب على البحر الأحمر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت إثيوبيا قد استولت على مناطق مثلث بادمي وزالامبيا وإيروب وإليتينا على الحدود بين الدولتين منذ عام 1950، ولم يجر استرجاعها مع استقلال إريتريا عام 1991، ما دعا إلى الدخول في إجراءات طويلة لترسيم الحدود أسفرت عن قرار مفوضية ترسيم الحدود الذي وصفته إثيوبيا بغير القانوني وغير العادل، الذي أدخل الدولتين في معارك دامية في عام 1999 قُتل فيه أكثر من نصف مليون عسكري ومدني.

ويقع مثلث بادمي في بؤرة هذا الصراع، إذ إن جبهة تيغراي تعارض عودته إلى السيادة الإريترية، ما سيؤهله لأن يكون عاملاً جغرافياً ملتهباً، يُسهم في الضغط على حكومة إقليم تيغراي من جهة إريتريا، وربما عزلها عن أي حلف إقليمي تفكر من خلاله في الضغط على الحكومة الفيدرالية.

هذه التوترات من شأنها أن ترجح كفة خسارة آبي أحمد للانتخابات التي من المقرر أن يخوضها قريباً، كما أنها ستزيد عليه حجم الضغوط الدولية الناتجة عن حقوق الأقليات والحريات، إضافة إلى تأثيرها من ناحية أخرى في مكانة إثيوبيا التي بدأت تلعب دوراً محورياً كواجهة إقليمية في شرق أفريقيا، باستضافتها قمماً أفريقية ومفاوضات سلام عديدة.

أما موقف إريتريا التي وقعت اتفاق سلام مع إثيوبيا سيكون مهزوزاً، فهي من ناحية ربما تحاول الاستفادة من هذه الزعزعة، ومن ناحية أخرى ستؤثر فيها سلباً مع بداية انفتاحها على العالم وخروجها من المنطقة الرمادية في القرن الأفريقي، والكف عن العداء مع الجوار العربي والأفريقي. وضمن معالجة تعقيدات النزاع الإثيوبي الداخلي سوف تحاول إريتريا الاستقواء على هامش الحلول المطروحة لقضية تيغراي، كما يمكن أن تخدم تطلعاتها التي تجاوزت الخروج من ثوب إثيوبيا، بأن تكون نداً لها في الجاذبية الإقليمية.

المزيد من تحلیل