Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الصناديق السيادية الخليجية تقود التأسيس إلى مرحلة ما بعد النفط

توجه ملحوظ نحو الاستثمار في مشروعات تكنولوجية متقدمة تعزز التنوع الاقتصادي بالمنطقة

تمتلك 46 دولة صناديق سيادية، بعضها يمتلك صندوقا واحدا على الأقل، بإجمالي يبلغ 73 صندوقا. (رويترز)

تسعى دول مجلس التعاون الخليجي الست الغنية بالنفط، إلى تعزيز مكانتها على خريطة الاستثمار العالمي، عبر استغلال قوة الصناديق السياديَّة التابعة لحكومات دول المنطقة للاستعداد لمرحلة ما بعد نضوب النفط، الذي يعدُّ المصدر الرئيس للإيرادات العامة في تلك الدول، وأيضاً للاتساق مع النشاط المتوقّع بالمنطقة، بعد إعلان السعودية تطوير صندوقها، ليصل حجمه إلى تريليوني دولار.

والصناديق السياديَّة هي صناديق مملوكة من قبل الدول، تتكون أصولها من أصول، أو الأسهم، أو السندات أو أجهزة استثماريَّة أخرى. من الممكن وصف هذه الصناديق ككيانات تدير فوائض الدولة من أجل الاستثمار، وكانت الكويت أول دولة تؤسس صندوقاً سيادياً في العالم عام 1953، تحت اسم "الهيئة العامة للاستثمار"، وتبعتها بعدها باقي الدول الخليجيَّة والعالميَّة.

وقال خبراء ومحللون، إن الصناديق السياديَّة الخليجية نجحت في تطبيق خطط استثمارية ناجحة أسهمت في نمو أصولها على نحو جيد، وكان لها دورٌ كبيرٌ في دعم اقتصاداتها المحليَّة، عبر دعم برامج البنية التحتية والاستثمار في المشروعات الكبرى وتمويل الأفكار الجديدة.

وأوضح الخبراء، في تصريحاتهم لــ"إندبندنت عربية"، أن تلك الصناديق توجَّهت إلى الاستثمار في التكنولوجيا بعد هبوط أسعار النفط، وذلك لتوافر فرص استثمارية بتلك القطاعات الناشئة وارتفاع عوائدها على الرغم من المخاطر الكبيرة.

ويتم تمويل معظم صناديق الثروة السياديَّة من عائدات صادرات السلع الأساسية، أو من احتياطات النقد الأجنبي لدى البنوك المركزية، وتتغير البيئة الاستثمارية لصناديق الثروة وفقاً لتغيرات المشهد الاقتصادي، مثل برامج التخفيف الكمي، وانخفاض النمو في كثيرٍ من المناطق، وتحديات الاقتصاد الكلي لصناديق الثروة السياديَّة، وتعتبر عائدات النفط المصدر الأساسي لتمويل الصناديق الخليجية.

وتمتلك 46 دولة صناديق سياديَّة، بعضها يمتلك صندوقاً واحداً على الأقل، بإجمالي يبلغ 73 صندوقاً، وتتكون من أصول متنوعة، مثل: العقارات، والأسهم، والسندات، وغيرها من الاستثمارات، وتمثل الذراع الاستثماريَّة للدولة ذات الفوائض المالية.

وتشكِّل صناديق الثروة السياديَّة بالخليج صمام أمان لحقبة ما بعد النفط، حيث تمثل نسبة 34% من إجمالي الصناديق السياديَّة حول العالم، التي بلغت 8.14 تريليون دولار.

وأظهر رصد "إندبندنت عربية"، استحواذ دولة الإمارات العربية المتحدة على نحو 14.6%، أو ما يعادل 1190.8 مليار دولار.

وحسب رصد استند إلى بيانات صدرت أخيراً عن معهد صناديق الثروة السياديَّة، الذي يتابع نحو 79 صندوقاً سيادياً حول العالم، استحوذت السعودية على المرتبة الثانية بنحو 10.8% من إجمالي الأصول العالميَّة، بواقع 875.6 مليار دولار من خلال صندوقيها السياديين.

ومن حيث الحجم، تصدَّر جهاز أبو ظبي للاستثمار، أحد أكبر صناديق الثروة السياديَّة في العالم، المرتبة الثالثة في قائمة أكبر تلك الصناديق عالمياً، والمرتبة الأولى خليجياً، بإجمالي أصول بلغت 697 مليار دولار في فبراير (شباط) الماضي، مرتفعاً 14% عن قيمته بالفترة نفسها من العام الماضي.

وحسب الرصد، حافظت الهيئة العامة للاستثمار الكويتية على المركز الرابع، رغم تراجع موجوداتها إلى 592 مليار دولار، تلاها في المركز السادس عالمياً صندوق الأصول الأجنبية التابع لمؤسسة النقد العربي السعودي "ساما" بأصول نحو 515.6 مليار دولار.

وحلَّ ثالثاً صندوق الاستثمارات العامة السعودي بأصول نحو 360 مليار دولار، واستحوذت هيئة قطر للاستثمار على المركز الرابع خليجياً بقيمة أصول 320 مليون دولار.

وحلَّت مؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية في المركز الخامس بأصول نحو 233.8 مليار دولار، وجاءت شركة مبادلة للتنمية في المركز السادس بقيمة ناهزت 226 مليار دولار، فيما حلَّ جهاز الإمارات للاستثمار في المرتبة السابعة خليجياً بأصول تبلغ 34 مليار دولار.

تلاه صندوق الثروة السيادي لسلطنة عمان بأصول 18 مليار دولار، يتبعهما شركة "ممتلكات القابضة" البحرينية بأصول 10.6 مليارات دولار.

الصناديق السياديَّة الخليجية مؤثرة عالمياً

 

من جهته قال المحلل الاقتصادي والمصرفي فضل بن سعد البوعينين، إن الصناديق السياديَّة الخليجية تصنَّف ضمن الصناديق الأضخم على مستوى العالم، من حيث حجم الاستثمارات وتنوعها وانتشارها أيضاً، وهي من الصناديق المؤثرة عالمياً.

وأضاف البوعينين، "لعقود مضت التزمت الصناديق الخليجية بخطط الاستثمار الآمن، ما أفقدها كثيراً من الفرص، غير أنها بدأت في التحول، وتحمل بعض المخاطر في مقابل عوائد أكبر"، لافتاً إلى أن التحوّل في إستراتيجية الاستثمار قاد إلى دخول قطاعات لم تكن معهودة لديهم من قبل، ومنها قطاع التكنولوجيا، الذي يعتبر من أكثر القطاعات نمواً وتحولاً، ما يعني ارتفاع العوائد والمخاطر معاً.

وأوضح المحلل الاقتصادي، أن بعض الصناديق، ومنها صندوق الاستثمارات العامة السعودي، ربط بين قطاعات التكنولوجيا المستهدفة وإستراتيجية التنمية الاقتصادية، بحيث يستثمر في شركات يمكن أن تحقق أهدافاً مرسومة في رؤية المملكة 2030، وبالتالي يجمع بين الاستثمار والتنمية في آن، خصوصاً مع إيجاد جسر لنقل التقنية وتأسيس مشروعات محليَّة، مشيراً إلى أن هناك توجهاً نحو الاستثمار في قطاع الصناعات العسكرية، من خلال الاستثمار في الشركات القائمة أو تأسيس الشراكات الجديدة المحققة الأهداف الإستراتيجية، ولا يزال نهج صندوق الاستثمارات العامة هو الأمثل في الوقت الحالي.

وأضاف، أن هناك تحولاً آخر للصناديق السياديَّة الخليجية عبر استثمار البعض منها في المشاريع الناشئة، وتحمل مخاطرها في مقابل توقعات بتحقيق عوائد ضخمة منها في حال نجاحها عالمياً، معتبراً أن رأس المال الجريء بات من أدوات الصناديق السياديَّة وفق رؤية مستقبلية وحجم مخاطر محسوبة.

وقال، إنه من الواجب الإشارة إلى المخاطر، التي تحيط بالأسواق العالمية، كنتيجة لضعف النمو العالمي والديون السياديَّة والمشكلات المالية، التي تنبئ باحتمال نشوب أزمة ماليَّة عالميَّة، إذا ما استمرَّ الوضع على ما هو عليه اليوم من دون علاج، وبالتالي فمخاطر الصناديق السياديَّة باتت مرتفعة، ما يستوجب مراجعة إستراتيجية الاستثمار وزيادة التحوط للحد من المخاطر المتوقعة.

إستراتيجيات الاستثمار تختلف قطاعياً ونوعياً

 

وقال تركي فدعق، عضو جمعية الاقتصاد السعودية، إن إستراتيجيات الاستثمار للصناديق السياديَّة الخليجية تختلف قطاعياً ونوعياً، حسب الاقتصادات التي تمثلها.

وأضاف، أنه خلال السنوات الأخيرة لوحظ تغير في إستراتيجيات كثير من هذه الصناديق، وقد يكون أبرزها إستراتيجية صندوق الاستثمارات العامة في نقل التقنية والتكنولوجيا عبر إنشاء صندوق عالمي التوجه للاستثمار في هذه القطاعات.

وتوقَّع عضو جمعية الاقتصاد، أن يكون لصندوق التكنولوجيا دورٌ بارزٌ في تلبية المتطلبات الإستراتيجية لتنويع الاقتصاد، وقيامه بدور محفّز للقطاعات، التي تفتقد إلى الاستثمارات الأساسيَّة أو الرئيسيَّة لبعض القطاعات الأخرى داخل المملكة.

وأكد فدعق، أن الصناديق السياديَّة العالمية تقوم بدور مهم في الاقتصاد العالمي، إذ تعتبر من أكبر اللاعبين في الاقتصاد، بإجمالي أصولها بنهاية فبراير (شباط) 2019 نحو 8.14 تريليون دولار.

وتابع، "الصناديق الخليجية لها حضورٌ قويٌّ ضمن أقوى عشرة صناديق عالمياً بأصول 5.909 تريليون دولار، منها أربعة صناديق خليجية تتبع كلاً من: الإمارات والكويت، وصندوقان للسعودية".

أهداف اقتصاديَّة وأخرى سياسيَّة تخضع إلى توجهات بلدان الخليج

وقال عبد الله باعشن، الخبير الاقتصادي السعودي، إن الصناديق الخليجية لها أهداف اقتصاديَّة، وأخرى سياسيَّة تخضع إلى توجهات البلاد، وتساعد في تقارب المصالح السياسيَّة مع البلدان الأخرى، وهناك توجهٌ عامٌ لدى تلك الصناديق إلى الاستثمار في قطاع التكنولوجيا، نظراً إلى الربحية العالية، التي يوفّرها القطاع مقارنة بالقطاعات الاستثماريَّة المختلفة.

وأضاف باعشن، أن الصناديق السياديَّة تتضمن كل أنواع الاستثمارات الصناديق المتخصصة مثل: (العقارات، الأسهم، الأصول، التكنولوجيا)، لافتاً إلى الاختلاف في الأهداف والتوجهات، إذ تفضِّل أغلب الصناديق الاستثمارات الآمنة، سواء في الأصول أو المتاجرة في السندات ذات العائد المرتفع والمستقر.

وأوضح، أن دور الصناديق أصبح جوهرياً لنمو اقتصادات المنطقة، ويساعدها في خطط للتحول من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد متنوع، من خلال تمويل الاستثمارات الكبرى بالاقتصادات المحلية، مثلما يقوم صندوق الاستثمارات العامة في السعودية.

وتابع باعشن، "الصناديق السياديَّة بدأت تنشط بصورة مفرطة، ونفَّذت صفقات استحواذ ضمن القطاع المالي على حصص في مؤسسات عملاقة، مثل مورغان ستانلي وبير ستيرن وميريل لينش وسيتي جروب".

مدن سعودية... تقنية جديدة

في هذا الصدد يشير الخبير الاقتصادي مازن السديري، إلى "أن دول الخليج تتمتع بقوة ماليَّة مع ديون منخفضة. من شأن ذلك أن يؤهلها من دون غيرها للدخول في استثمارات جريئة عالية من دول واقتصادات أخرى، هذا إضافة إلى اعتمادها على النفط، فقد بدأت في بناء صناديق سيادية متنوعة الاستثمار، ولعل أكبر دولتين رائدتين في هذا المجال، هما السعودية والإمارات، حيث أسستا توجهاً واضحاً للاستثمار في قطاع التقنية، مع شراكات مع صندوق الرؤية الياباني (سوفت بنك)، ومع مؤسسات عالميَّة أخرى مرتبطة بالتقدم التقني، والطاقة المتجددة".

وذكر، "السعودية أصبحت تتجه إلى توطين التكنولوجيا على المدى البعيد، خصوصاً في المدن الجديدة نحو "نيوم"، وهي مدينة ذات كفاءة عالية، تساعد في استيعاب شركات التقنية الحديثة مستقبلاً، خصوصاً مع غلاء المعيشة وارتفاع أسعار العقارات والسكن في مدن التقنية الأميركية".

وشدد السديري، على أن هذا الاستثمار السيادي سوف يعزز من التنوع الاقتصادي، وهو ما سينعكس على نقل التقنية إلى الشباب، فضلاً عن ذلك فإن مدينة نيوم باتت أكبر حاضنة لأكبر مزرعة للطاقة الشمسية في العالم، مما يفتح المجال أمام توثيق المعرفة، وبمصادر جديدة في الاستثمار، من دون أن ننسى أن القطاع الخاص السعودي هو الآخر بدأ، ومنذ زمن،  في تنويع توجهه نحو التكنولوجيا، إضافة إلى شراكاته العالميَّة مع مؤسسات معروفة.

المزيد من اقتصاد