Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تركيا وخسارة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البلدية

النتائج بدت مفاجئة لبعض المتابعين وأثارت ردود فعل متباينة

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحوله مجموعة من أنصاره بعد التصويت في الانتخابات المحلية الأخيرة في اسطنبول (رويترز)

هزّت نتائج الانتخابات البلدية في تركيا يوم 31 مارس (آذار) 2019 الشارع التركي داخلياً والمتابعين للشؤون التركية خارجياً، وجاءت التحليلات حولها متباينة، فالبعض كان يظن أن النتائج ستكون حاسمة لصالح حزب العدالة والتنمية بحكم التجارب الانتخابية السابقة، والتي جاء معظمها موافقاً لتوقعات مراكز استطلاع الرأي العام، فقد خاض حزب العدالة والتنمية نحو أربعة عشر حملة انتخابية واستفتاء على التعديلات الدستورية وكانت لصالحه ولو بنسب قليلة أحيانا، وبالأخص انتخاب رئيس الجمهورية من الشعب مباشرة للمرة الأولى 10 أغسطس (آب) 2014، ومن بعدها خاض الحزب معركة التعديلات الدستورية 7 أبريل (نيسان) 2017، وكان من أهم نقاطها النظام الرئاسي الجديد والزيادة في صلاحيات رئيس الجمهورية، والسماح لرئيس الجمهورية أن يكون حزبياً، فأصبحت الانتخابات البلدية والبرلمانية والرئاسية تخاض على أساس حزبي على الطريقة الأميركية والفرنسية والروسية وغيرها.

ومنذ أن فاز الرئيس أردوغان في الانتخابات الرئاسية الأخيرة أصبحت تركيا تُقاد في جميع شؤونها الكبيرة والصغيرة من رئيس الجمهورية، أو من ينيبه عنه من المقربين منه في تنفيذ السياسات التي يتخذها، سواء كانت في السياسات الداخلية أو الخارجية، فأصبحت المسؤوليات عن تلك السياسات محصورة بشخص الرئيس والمقربين منه شخصياً، فانعكست كل الصعوبات والمشاكل التي نجمت عن الأوضاع الاقتصادية المتردية أولاً، وعن الأزمة السورية ثانياً، وسوء العلاقات السياسية والاقتصادية الدولية ثالثاً، وغيرها، انعكست على تقييم سياسة الحزب ورئيسه ووزرائه وممثليه في الحياة السياسية أو الاقتصادية أو في رئاسات البلديات السابقين أيضاً، فلما جاءت انتخابات 31 مارس (آذار) قبل يومين كانت تحمل في أثقالها أوزار كل تلك الصعاب ومتاعبها ومحاسبتها.

إن مصاحبة تلك المشاكل مع النظام الرئاسي الجديد جعل المواطن التركي ينظر للنظام الرئاسي على أنه أحد أسباب تراجع الأوضاع في تركيا، وبالأخص أن رئيس الجمهورية التركية أردوغان كان يدير دفة الشؤون الحزبية لحزب العدالة والتنمية مع إدارة شؤون رئاسة الجمهورية ومع إدارة شؤون الحكومة في كافة الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها، وهذا مشهد لم يكن الشعب التركي معتادا عليه، فقد كان منصب رئاسة الجمهورية منصباً شرفياً وفخرياً ولا يتدخل في الشؤون الجزئية في الحياة التركية إطلاقاً، بينما وجد الشعب الرئيس أردوغان يمارس دور رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس البلديات ورئيس الأسواق التجارية والمسؤول عن تحديد الأسعار فيها وغيرها، مما أوجد شيئا من الامتعاض على ذلك المنصب الذي يتدخل في كل كبيرة وصغيرة لدى الجمهور، والذي أدى إلى تلك النتائج الصعبة.

زاد من صعوبة هذا المشهد المركزي في إدارة شؤون البلاد من خلال رئيس الجمهورية التراجع المخيف في مستوى المعيشة للمواطنين الأتراك، فالموظف الذي كان راتبه يعادل ألفين وخمسمئة (2500) دولار ويقبض بالليرة التركية، أصبح راتبه وكأنه ثمانمئة وخمسون (850) دولارا بعد انخفاض سعر الليرة التركية بالنسبة إلى الدولار الأميركي، في ظل صراع دولي بين تركيا من جهة والعديد من الدول الكبرى على رأسها الولايات المتحدة الأميركية وبعض دول الاتحاد الأوروبي، وهم الحلفاء الذين اعتاد الشعب التركي على التبادل التجاري والصناعي معهم، سواء في الشؤون العسكرية أو الاقتصادية أو التصنيعية والإنشائية وغيرها، فهذه الدول الغربية لها اليد الطولى في الاقتصاد وسوق المال والقروض الائتمانية في تركيا، وتستطيع التأثير على الأوضاع الاقتصادية في تركيا كما هو حاصل.

في مقابل هذه الصعوبات الكبيرة على الشعب التركي ركزت معالجات حزب العدالة والتنمية في المرحلة السابقة على القضايا الأمنية بذريعة محاربة الإرهاب الذي يهدد الأمن القومي التركي، واتهمت الدول الخارجية بتوظيف الإرهابيين ضد تركيا أمنياً وسياسياً واقتصادياً، وقد وجدت حكومة العدالة والتنمية أدلتها في التصريحات الغربية المعادية لسياسات حزب العدالة والتنمية، وزاد المشاكل صعوبة ما نتج عن الأزمة السورية من تحديات أمنية على الحدود التركية وأمنها القومي، وبالأخص إصرار أميركا على دعم قوات سوريا الديمقراطية لفرض شريط حدودي جنوب تركيا من منبج وشرق الفرات تحت سيطرتها، وهو ما تعارضه تركيا بكافة قواها وأحزابها السياسية في السلطة والمعارضة، وبالأخص أن الجيش التركي هو من يتولى التفاوض فيها مع وزارة الدفاع الأميركية، كما يجري الجيش التركي مفاوضات أخرى مع وزارة الدفاع الروسية حول قضايا مشابهة ومشتركة معه.

مع بقاء الأزمات الإقليمية تؤثر على الأوضاع السياسية والاقتصادية في تركيا شعر المواطن التركي بأن حزب العدالة والتنمية أصبح بحاجة إلى مراجعة سياساته أو إدخال شركاء سياسيين من أحزاب المعارضة، فبقاء الأزمات المستدامة لأكثر من ست سنوات، ومواصلة حزب العدالة والتنمية الانفراد في السلطة وحده، بل والتدخل في كل كبيرة وصغيرة في البلاد، أصبح أمراً لا يُحتمل، ويتطلب التغيير، والتغيير في تركيا لا يتم إلا عبر الصناديق والانتخابات البلدية والبرلمانية والرئاسية، فانتهز قطاع كبير من الشعب التركي فرصة الانتخابات البلدية لإيصال رسالته للحزب الحاكم، وذلك بالتصويت لمرشحي أحزاب المعارضة، وإيصال مرشحي المعارضة إلى رئاسة البلديات، وبالأخص في المدن الكبرى، حيث أن سكان هذه المدن أكثر تأثراً بالأزمات السياسية والاقتصادية التي تواجهها تركيا، أي أن نتائج هذه الانتخابات الأوليّة بغض النظر عن النتائج النهائية، بعد دراسة الطعون، هي رسالة إلى حزب العدالة والتنمية، بضرورة مراجعة سياسته، فإما أن يعود إلى سيرته في السنوات العشر الأولى، أو أن يسمح لأحزاب المعارضة بالمشاركة في السلطة السياسية طوعاً أو كرهاً، أو يفسح المجال لمن يشاركه في إيجاد حلول لمشاكل تركيا المعاصرة.

إن الاشكالية التي تواجهها تركيا ليست في صناديق الاقتراع، إن كان حصل فيها أخطاء أو تجاوزات انتخابية أو في عملية الفرز، وإنما في قدرة إقناع المواطن التركي بأن هذه الأوضاع السياسية والاقتصادية قابلة للتغيير والإصلاح، وهذا لن يتم من خلال الوعود ولا الشعارات أو العيش على التذكير بما تم إنجازه في الماضي، فالشعب يريد علاجا لمشاكله التي يعيشها اليوم.

وتصويت قطاع كبير من الشعب التركي لمرشحي المعارضة في الانتخابات البلدية قابل أن يستثمر في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة، وحصول أحزاب المعارضة على هذا الفوز قابل أن يتطور إلى المطالبة بانتخابات مبكرة إذا لم يتم معالجة هذه المشاكل بفكر سياسي تعددي ديمقراطي جديد، لذلك فإن نتائج هذه الانتخابات فتحت باب خلاص يبحث الشعب عنه، أساسه ممارسة التعددية السياسية في كل المناصب، وعدم بقاء الأمور في أيدي نفس العناصر أو الرؤية الحزبية الواحدة، إنها دفعة أولى لتحريك الأوضاع للأفضل وعدم تركها ثابتة ولا جامدة طالما أن المعاناة متفاقمة.

المزيد من آراء