Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحريري يضع مهلة 10 أيام لإنجاز حكومة الاختصاصيين

واشنطن وباريس تأخذان مسافة من تكليفه في انتظار تعاطيه مع مطالب "الثنائي الشيعي"

تتعامل الدول الكبرى المعنية بمساعدة لبنان على تجاوز مأزقه المالي، الذي ينذر بالانهيار الكامل، بحذر مع تسمية رئيس تيار المستقبل رئيس الحكومة السابق سعد الحريري لتأليف الحكومة الجديدة، التي من دونها ليس هناك محاور محلي للدول المانحة التي ستقرر قيمة وشكل المساعدة التي ستقدمها.

وعلى الرغم من تأييد معظم هذه الدول، لا سيما أميركا وفرنسا، الضمني لعودة الحريري وفق عرضه تشكيل حكومة من الاختصاصيين المستقلين غير الحزبيين لتنفيذ بنود خريطة الطريق الإصلاحية، التي وضعها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بعد إفشال قيام حكومة كهذه برئاسة السفير مصطفى أديب، فإنها تأخذ مسافة من إعلان تسميته بنتيجة الاستشارات النيابية الملزمة التي قام بها رئيس الجمهورية ميشال عون الخميس 22 أكتوبر (تشرين الأول)، بأكثرية نصف عدد أعضاء البرلمان زائد 5 أصوات (65 صوتاً من أصل 120 نائباً)، وذلك في انتظار معرفة نوعية الحكومة التي سيشكلها، ومدى التسهيل الذي سيلقاه من القوى السياسية التي تكرر بعض الشروط التي وضعتها على السفير أديب، وأدت إلى اعتذاره عن المهمة في 26 سبتمبر (أيلول) الماضي.

معيار "المستقلين" قد يجهض الإصلاح

سبق لـ"اندبندنت عربية" أن نشرت معطيات عن الدعم الذي تلقاه خيار رئاسة الحريري للحكومة من جانب واشنطن وباريس (والقاهرة) وحتى موسكو، ما أدى إلى تجاوز معارضة الرئيس عون وصهره رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الشديدة لعودته إلى الرئاسة الثالثة. وهو ما حال دون تأجيل ثان للاستشارات النيابية الملزمة وفق الدستور من قبل عون،  بالتالي أدى إلى تكليفه. فخلية أزمة لبنان في الرئاسة الفرنسية، لم توقف اتصالاتها بمن يلزم لعدم تأجيل الاستشارات، ورفدتها البيانات المحذرة من تأخير ولادة الحكومة ومن أن "السفينة تغرق أكثر"، كما جاء على لسان وزير الخارجية جان إيف لودريان، فيما اتصل نظيره الأميركي مايك بومبيو بالرئيس عون لحثه على تسريع تأليف الحكومة. 

إلا أن عملية التأليف ستواجه صعوبات نتيجة جنوح الأفرقاء السياسيين اللبنانيين نحو الالتفاف على معيار الوزراء الاختصاصيين غير الحزبيين، عبر الإصرار على اقتراح أسمائهم، في شكل يجعلهم خاضعين للزعامات المشكو من عرقلتها الإصلاح طوال السنوات الماضية، فتُجهض. ونجاح الحريري في تأليف حكومة بالمواصفات الدولية المطلوبة يتوقف على مدى تسهيل الفرقاء، لاسيما "حزب الله" وعون، هذه المهمة من جهة، لأن تركيبتها تنبئ بمدى قدرتها على تنفيذ الإجراءات الإصلاحية المطلوبة دولياً بإلحاح، وعلى مدى تمسك الحريري بتطبيق المعايير التي التزمها من جهة ثانية.

ويخشى كثر في الأوساط السياسية أن يجدد الصراع السياسي الداخلي على المواقع والأدوار في السلطة، وعلى التنافس بين القادة المسيحيين، وإصرار "حزب الله" بتحالفه مع حركة "أمل" "الثنائي الشيعي"، على أن تكون له الكلمة الفصل في الحكومة والعناوين السياسية في الأشهر المقبلة، العقبات أمام تطبيق برنامج الإنقاذ المالي والاقتصادي الذي حالت دونه التجاذبات في السنوات السابقة.

بومبيو ونصر الله يتقاطعان

نتيجة الاستشارات النيابية لتسمية الحريري أعطت مؤشرات إلى بعض التبدلات الأولية في الواقع السياسي ومتانة التحالفات الداخلية. فالحليفان "الإستراتيجيان"، أي التيار الوطني الحر و"حزب الله"، ظهرا على افتراق في ما يخص تسمية الحريري، الذي أيده الثاني بدفع من رئيس البرلمان نبيه بري، فيما سعى عون إلى استبعاده حتى اللحظة الأخيرة، حين وجه رسالة متلفزة إلى اللبنانيين عشية استشارات الخميس الماضي، وخاطب النواب محذراً إياهم من "آثار التكليف على التأليف"، منذراً بذلك بأنه لن يجعل طريق الحريري مفروشة بالورود لأن سلاحه هو التوقيع على مراسيم إصدار الحكومة، فإذا أراد يمكنه أن يمتنع عن ذلك ويجهض التشكيلة التي يعرضها عليه الحريري.

ومن المفارقات التي تعكس عدم نجاح عون وباسيل في عرقلة عودة الحريري، كما يقول أحد النواب لـ"اندبندنت عربية"، أن عون وباسيل "جعلا بومبيو والأمين العام لحزب الله حسن نصر الله يتقاطعان في الموقف حيال رئاسة الحريري الحكومة وعدم تأجيل الاستشارات". 

الحريري و"الثنائي الشيعي"

الحزب لم يمانع تأجيل الاستشارات في المرة الأولى في 15 أكتوبر، بسبب إصرار حليفه عون، مع نفيه أن يكون أيد ذلك، مفضلاً أن يأتي التأجيل من سواه، وربما لرغبته في التفاوض مع الحريري على بعض مطالبه، لكنه كان حسم خياره بتأييده من دون تسميته على جري عادته، وكي لا يترك حليفه. إلا أن أكثر من فريق يؤكد أن الحريري اتفق مع بري والحزب على جملة أمور أو تنازلات. فهو سلّم بمطلب الثنائي الشيعي الاحتفاظ بحقيبة المال لمرة واحدة، من دون اعتبارها عرفاً دستورياً على أن يسميه الرئيس المكلف، بعدما كان أعلن قبوله بهذا التنازل إبان محاولة أديب تشكيل الحكومة لتسهيل ولادة الحكومة. أما في شأن مطلب "الثنائي" تسمية وزير المال وسائر الوزراء الشيعة، فإن التسريبات عن الاتصالات التي أجراها الحريري قبل تكليفه، مع بري و"حزب الله"، أشارت إلى اتفاقه معهما على الصيغة التي كان طرحها بري، أي أن يسلم الرئيس المكلف لائحة أسماء من الشيعة غير الحزبيين، فإذا قبل ببعضها كان بها، وإذا لا، يعرض عليه لائحة أخرى إلى أن يتم اختيار من يريد، أي أن للحريري حق الفيتو على الأسماء. إلا أن تسريبات أخرى أفادت بأن الحريري لم يكن جازماً في هذا الصدد، على الرغم من أن جوابه كان بأنه سيحرص على ألا يحصل خلاف مع "الثنائي الشيعي".

ما جرى حسمه في اتصالات الحريري مع "الثنائي" أنه تراجع عن طلبه حصول الحكومة على صلاحيات تشريعية استثنائية في المجالين الاقتصادي والمالي، عندما رفض بري هذا الطلب، مبدياً استعداده لتسهيل وتسريع البت بمشاريع القوانين الإصلاحية التي ستحال إلى البرلمان.

الحريري لعون: سأشكلها وإياك

في كل الأحوال، أثارت التسريبات عن اتفاق الحريري مع "الثنائي" حفيظة عون وباسيل، خصوصاً أن الرئيس المكلف اتفق مع القيادة الشيعية على تسمية وزراء الطائفة، ثم مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط حول التشاور معه في تسمية الوزير الدرزي، من دون الالتفات إلى ما يريده رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر. وأغرقت هذه الأنباء تكليف الحريري في مستنقع المحاصصة السياسية والطائفية، قبل أن يبدأ مشوار التأليف. وقابلتها تسريبات عن التيار يطالب فيها بالاحتفاظ بحقيبة الطاقة التي يدور حولها خلاف كبير، وبتسمية الوزراء المسيحيين. والأيام المقبلة ستوضح إلى أي مدى سيتسبب كل ذلك بعرقلة ولادة الحكومة. 

في المقابل، ربطت كتل نيابية أخرى بعضها لم يسمِ الحريري، منح حكومته الثقة النيابية، مثل كتلة نواب حزب القوات اللبنانية وحلفائها، بمدى التزامه معيار الوزراء المستقلين فعلاً. واقترن موقفها بإعلانها، عقب لقاء نوابها مع الرئيس المكلف، أنها لا تطلب أي وزارة وأي وزير من باب إصرارها على حكومة مستقلين بالكامل. لكن المقربين من الرئيس المكلف أفادوا أنه طمأن الرئيس عون، الذي كان ألح عليه الاجتماع إلى الوزير باسيل للاتفاق معه، إذ قال له، "سأشكلها أنا وإياك". فالرئيس المكلف تفادى ضغط عون عليه من أجل أن يتفاهم مع باسيل حتى لا يغرقه الأخير بالمطالب التوزيرية. فباسيل طالب وحده، من بين سائر الكتل النيابية، بحكومة تكنو سياسية (مختلطة بين الاختصاصيين والسياسيين) لعله يدخل الحكومة مجدداً.

الخلاف بين العونيين 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن المؤشرات المهمة لنتائج الاستشارات، الخلاف الواسع الذي نشب داخل كتلة التيار الوطني الحر وحلفائه، بين عدد من النواب وبين موقف باسيل السلبي حيال الحريري، إلى درجة أربكت موقف عون الذي ينحاز دائماً إلى صهره. ويقول مصدر قريب من التيار العوني إن الخلاف الداخلي كان كبيراً جداً، ولم يقتصر على تغريد نائب رئيس البرلمان إيلي الفرزلي خارج السرب الباسيلي، فأعلن انحيازه إلى الحريري باكراً، بل طاول نواباً فاعلين عارضوا تصريحات باسيل الرافضة لعودة الحريري بحجة أن حكومة الاختصاصيين يجب أن تشمل رئيسها، الذي هو سياسي ورئيس كتلة نيابية. والمخاوف من حدوث شرخ كبير في الكتلة البرلمانية كان أحد عوامل عدول عون عن تأجيل الاستشارات ثانية.

ويلفت أحد النواب المسيحيين المستقلين إلى دلالة ما يسميه بداية "عودة الروح" إلى النواب المسيحيين المستقلين الذين خرج بعضهم عن قرار كتلهم قبل الاستشارات وخلالها، في وقت كان معظم هؤلاء ينضوي إما تحت مظلة التيار الوطني الحر أو القوات اللبنانية. وبالإضافة إلى موقف الفرزلي، سبق الاستشارات خروج النواب ميشال الضاهر (سمى الحريري)، شامل روكز (لم يسمه مؤيداً حكومة المستقلين)، نعمت فرام وميشال معوض (الأخيران استقالا من البرلمان مع آخرين)، من تكتل "لبنان القوي". وأيد جميع النواب الأرمن، بما فيهم كتلة حزب "الطاشناق" اللصيق بعون وباسيل، زعيم المستقبل، فيما خالف النائب الأرمني جان طالوزيان خيار القوات اللبنانية، مسمياً الحريري.

حكومة مصغرة 

من المؤكد أن الدول المعنية بدعم لبنان، خصوصاً واشنطن وباريس تراقب المستجدات اللبنانية الداخلية من باب تركيزها على أن ممارسة العمل السياسي والحكم كما في السابق في البلد لم تعد مقبولة، بالاستناد إلى الرفض الشعبي للطبقة السياسية الحاكمة منذ عقود. وهي ترصد كيفية تشكيل الحكومة وما إذا كانت المساومات بين القوى التقليدية ستتحكم بها مجدداً. 

ويدرك الحريري أنه أمام امتحان القدرة على الوفاء بوعده رئاسة حكومة مستقلين غير حزبيين، الذي كرره أمام الكتل النيابية التي سألته عن التسريبات في شأن اتفاقه مع "الثنائي الشيعي" فأجاب، كما صرح نائب رئيس القوات جورج عدوان أنه سيشكل حكومة مستقلين غير حزبيين. وكرر ذلك في تصريحه إثر استشاراته مع الكتل النيابية، داعياً إلى أن "نحيّد كل اختلافاتنا السياسية جانباً"، مشدداً على هدفه تنفيذ إصلاحات الورقة الفرنسية.

وتقول مصادره إنه وضع لنفسه مهلة 10 أيام لإنجاز حكومته، التي يفضلها مصغرة من 14 وزيراً، قد تصبح 20، ليتسلم كل وزير حقيبة، فإذا صادفته عراقيل لن يعتذر بل سيسمي من وقف في وجهه.

شينكر

وفي اعتقاد بعض الأوساط أنه مثلما استدعى تكليف الحريري دعماً خارجياً فإن إزالة شروط بعض القيادات السياسية تسمية وزرائها، قد يتطلب إما تدخلاً دولياً أو تساهلاً دولياً، تبعاً لحجم المساومات التي ستحصل بين الأفرقاء المحليين. 

لكن مساعد وزير الخارجية للشرق الأدنى السفير ديفيد شينكر، تجنب في ايجازه الصحافي مساء الخميس، بعد إعلان تسمية الحريري، التعليق على تكليفه رداً على إلحاح الصحافيين بالقول "لم تعلق الولايات المتحدة أو تبحث شيئاً بشأن أفراد معينين في لبنان. أكدنا منذ البداية أن ما يهمنا هو المبادئ، وسوف أكرر ذلك، إنه الإصلاح وتنفيذه والشفافية ومكافحة الفساد وأيضاً النأي بالنفس". وأضاف "أما من الذي يجب أن يقود الحكومة ويخدم فيها فهذا أمر يقرره الشعب اللبناني بنفسه، لكننا نحتفظ بمعايير عالية من الآن فصاعداً (الإصلاحات)... إذا كانوا يريدون المساعدة في إخراج لبنان من هذه الأزمة، فسيكون هذا شرطاً لا غنى عنه. كل هذه المعايير يجب أن تتحقق. ولا يتعلق الأمر فقط بإطلاق العنان للمساعدة الدولية، بل أيضاً بإعادة لبنان داخلياً إلى المسار الصحيح، حتى تحصل الحكومة على الثقة الدولية، وثقة الشعب اللبناني".

المزيد من تقارير