Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ظاهرة "البِست سيللر" صداع يؤرق كُتَّاب النخبة في مصر

رواية الجريمة والرعب ما زالت في المقدمة والشباب هم الأكثر إقبالا على القراءة

الفئة الأكثر شراءً للكتب في مصر هم الشباب ما بين 18 و25 عاماً (غيتي)

فوجئ الوسط الأدبي المصري بصيغته النخبوية العتيقة، بمدى الشعبية التي يتمتع بها الكاتب أحمد خالد توفيق (1962- 2018) بعد وفاته، بين شريحة واسعة من القراء، عبرت عن فجيعتها برحيله المفاجئ من خلال مواقع التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية.

وهؤلاء القراء ينحصرون في فئة الشباب من طلاب الجامعات، وما قبل المرحلة الجامعية وحديثي التخرج، وقيل إن توفيق، وهو أصلاً طبيب كان يقيم في مدينة طنطا في شمال القاهرة، أوصى بأن يُكتب على شاهد قبره، "جعل الشباب يقرأون".

وأحمد خالد توفيق، هو واحد من روائيين مصريين معروفين جداً في أوساط الشباب، باعتبارهم من "البِست سيللر" (الأكثر مبيعاً)، فيما لا تعيرهم النخب الثقافية والإعلامية اهتماماً، لذا فإنه حين قامت هيئة تحرير مجلة "عالم الكتاب" الحكومية بنشر غلاف عدد قيد النشر عن الكتَّاب الأكثر رواجاً على "فيسبوك"، ثارت تلك النخب، لأن الغلاف احتلته صورة الروائي أحمد مراد. فبعضهم رأى أنه لا يصح أن تقوم مجلة تصدرها هيئة تابعة لوزارة الثقافة، هي الهيئة العامة للكتاب، بالترويج لكاتب ليس هو الأفضل بين كتاب جيله على الأقل. فيما رأى آخرون أن ظاهرة "البِست سيللر" موجودة ولا ينبغي تجاهلها.

هجوم ثم انسحاب

احتدم الجدل أكثر بعد أن نشر رئيس تحرير المجلة زين عبد الهادي بياناً وصف فيه المعترضين على تصدر صورة أحمد مراد لغلاف المجلة، بأنهم "فشلة والغيرة من نجاح هذا الكاتب تدفعهم إلى هذا الهجوم". وأضاف عبد الهادي وهو أستاذ في كلية الآداب في جامعة حلوان (جنوب القاهرة)، "يبدو أن صورة أحمد مراد قد أثارت حساسية البعض واعترافهم بالهزيمة أمام كاتب وزع مليون نسخة من رواية واحدة، هذا الكاتب له وجه واحد، وإذا نجح كاتب واحد في بيع مليون نسخة فما السر وراء الهجوم عليه سوى فشلهم الذريع، أنا لا أفهم الحقيقة، سر هذا الهجوم سوى أنه غيرة من نجاح، لم يصل إليه كاتب مصري من قبل". واعتبر عبد الهادي في بيانه أن مراد "هو وريث عرش نبيل فاروق وأحمد خالد توفيق اللذين نجحا في إعادة الشباب إلى القراءة"، مشيراً إلى أن مَن ينتقدونه "يعيشون في العصر الحجري".  


هذا البيان الذي حوى كثيراً من العبارات القاسية، قوبل بالرفض الشديد من قبل النخبة المثقفة في مصر، ما اضطر عبد الهادي أن يعتذر على صفحته على موقع "فيسبوك"، ورضخ لمطلب تغيير محتوى الغلاف.

وعموماً جاء ذلك الجدل في وقت تعاني دور النشر والمكتبات من انخفاض مبيعاتها منذ تفشي وباء "كوفيد-19"، وما ترتب عليه من إلغاء معارض الكتاب حول العالم، فيما أعلنت إحداها وهي دار "الشروق" أنها حققت مبيعات قياسية خلال الشهر الماضي من أحدث روايات أحمد مراد وعنوانها "بير لوكاندة الوطاويط"، فيما اعتبرت دار نشر أخرى أن روايات دوستويفسكي المترجمة إلى العربية، تباع أكثر مِن غيرها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى روايات إحسان عبد القدوس التي تملك الدار المصرية اللبنانية حق نشرها، فيما لا تزال روايات نجيب محفوظ تلقى إقبالاً ملحوظاً ضمن منشورات دار الشروق، لذا تستطلع "اندبندنت عربية" هنا آراء عدد من الكتاب والناشرين حول مفهوم "الأكثر مبيعاً" خصوصاً في الرواية ومدى ارتباطه بجودة المُنتَج من عدمها.

قصص الرعب

كانت البداية مع أحمد يونس، الذي تتمتع قصصه القائمة على الرعب بشعبية كبيرة، وهو يرى في الراحل أحمد خالد توفيق، ككثيرين من جيل الشباب، عرَّاباً أو أباً روحياً. وأحمد يونس هو أصلاً مذيع بدأ قبل خمس سنوات بإصدار سلسلة بلغت حتى الآن خمسة أجزاء، بطلُها يدعى "نادر فودة".

 

يقول أحمد يونس: "إن البعض يعتبر ما أقوم به مجرد "فُقاعة"، لكن هل الفُقاعة يمكن أن تستمر خمس سنوات؟! الإقبال على أعمالي كبير، فحين طبعت  الجزء الأول من "نادر فودة"، بِعنا في يوم واحد 12 ألف نسخة، وحدث الأمر نفسه مع بقية الأجزاء، فخلال الدورة الأخيرة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، بعنا من الجزء الخامس 50 ألف نسخة".

ويقر يونس بأن ما يكتبه هو مجرد "حواديت"، لها جمهور يحبها، "لن تجد فيها العمق، وأنا لا أقول إني روائي عظيم، لكني أقدم نوعاً من الكتابة يستطيع من لا يروقه، عدم الإقبال عليه".

ويشير يونس إلى أنه أحب الكتابة عبر كتب نبيل فاروق (1956) صاحب السلسلة الشهيرة "رجل المستحيل"، وأحمد خالد توفيق، الذي يعد رائد "أدب الرعب" في العالم العربي، موضحاً أنه كان في البداية يبث ما يكتبه عبر أثير الإذاعة، فلاقى شعبية جارفة، ما شجعه على تضمينه كتباً صارت ضمن الأكثر مبيعاً في مصر منذ العام 2015 وحتى الآن.

حضور إحسان عبد القدوس

المديرة التنفيذية للدار المصرية اللبنانية نورا رشاد أكدت، أن جائحة كورونا أثرت سلباً على معدلات بيع الكتب، بما فيها الروايات، لكن ظل الكُتاب الأكثر مبيعاً قبل الوباء، هم الأكثر مبيعاً في ظل الوباء مقارنة مع غيرهم، وفي قائمة "البِست سيللر"، ينافس إحسان عبد القدوس (1919- 1990) بقوة، لأن كتابته "عصرية".

وأضافت أن إحسان عبد القدوس، الذي يعد أكثر كاتب عربي تحولت رواياته إلى أفلام ومسلسلات تلفزيونية وإذاعية، لا يزال نجماً في سماء الأدب العربي بعد 30 عاماً على رحيله. وأوضحت رشاد "أنّ من الأسباب التي أثرت سلباً على مبيعات "المصرية اللبنانية"، التي افتتحت أخيراً مكتبة لها في حي الزمالك الراقي، إلغاء المعارض الدولية فهي تمثل 10 في المئة من مبيعات الدار، لكن لا يزال الأمل قائماً في ما يخص تعويض ذلك، عبر وجود كتبها في عدد كبير من المكتبات داخل مصر وخارجها. وكشفت أن ظروف العزل المنزلي أسهمت في رفع مبيعات الكتب الإلكترونية، فقد وجد فيها القارئ كثيراً من المزايا، ومن بينها أنها أرخص سعراً وأسهل في الحصول عليها، مؤكدة أنها لا تتوقع أن يخف الإقبال عليها بعد انتهاء كورونا، وإن كانت ستظل الغلبة للكتب الورقية. ولفتت إلى أن الفئة الأكثر شراءً للكتب هم الشباب ما بين 18 و25 عاماً، كما يُلاحَظ أن السيدات هن الأكثر قراءة للأعمال الروائية، مقارنة مع الرجال.

أوضاع كارثية

وأوضح مدير مكتبة ودار نشر "تنمية" محمود لطفي أن وضع المبيعات كان كارثياً خلال الفترة من بداية مارس (آذار)، وطوال الأشهر الثلاثة التالية له، ثم بدأت الأمور في التحسن في شهر يوليو (تموز) الماضي، وعادت للهبوط في شهر أغسطس (آب)، ربما بسبب الإجازات السنوية، ثم تحسنت مرة أخرى في الشهر التالي. كما أن إلغاء معارض الكتب تسبب في تراجع عملية البيع، عموماً.

وأضاف لطفي، "إن هناك كتباً تظل لفترة طويلة في قائمة الأكثر مبيعاً مثل كتاب إليف شافاق "قواعد العشق الأربعون"، وهناك كتب فور صدورها تكون في قائمة "البِست سيللر" ثم تخفُت، موضحاً أن الروايات المترجمة تحظى بمكانة كبيرة ولها الغلبة مقارنة مع أعمال أخرى، ففي الشهر الماضي جاءت رواية "المحجوبات" لمارجوت لي شيترلي، ترجمة أحمد شافعي في مقدمة الأكثر مبيعاً عندنا.

وأكد أن الشراكة التي تقوم بها مكتبة "تنمية" مع دور نشر عربية تسهم في ارتفاع المبيعات، فمن خلالها تتاح طبعة مصرية بسعر أقل من الطبعة الأصلية، مثلما جرى مع رواية "مقتل الكومندتوار" للياباني هاروكي موراكامي، لافتاً إلى أنهم سينشرون الجزء الثاني منها قريباً بالتزامن مع طرحه بواسطة دار الآداب في بيروت.

روايات الجريمة في المقدمة

يقول مدير دار"العربي" شريف بكر: "لا شك في أن جائحة كورونا أثرت سلباً على حجم المبيعات، حتى بالنسبة إلى قوائم "البست سيللر"، فإذا كانت تبيع قبل كورونا 6 و7 طبعات، فإن مبيعاتها تقلصت إلى طبعتين أو ثلاث طبعات في أقصى تقدير. ولفت إلى أنه في البلدان الغربية مثل إيطاليا وفرنسا يتعاطف الناس مع دور النشر الخاصة بشكل كبير جداً، فقد كانوا يودعون 100 يورو، على سبيل المثال، على أن يحصلوا مقابلها على كتب في وقت لاحق".

وأشار بكر إلى أن مبيعات الكتب الإلكترونية في ظل الجائحة لم تحقق حتى خُمس ما كنا نتوقعه، مؤكداً أن السوق العربية مازالت غير مستعدة لها، والقارئ مقتنع بأنه ليس عليه أن يدفع إلا إذا كان سيحصل في المقابل على نسخة ورقية. وأضاف بكر أن هناك كتّاباً في قائمة "البِست سيللر" يبيعون في مصر، ولا يلقون رواجاً في السوق العربية مثل محمد صادق صاحب رواية "هيبتا"، وهناك من يحظون بالشعبية مصرياً وعربياً مثل أحمد مراد وأشرف العشماوي. وكشف أنه في السوق المصرية، تعد روايات الجريمة هي الأكثر مبيعاً، فيما يقل الإقبال على الأعمال الفكرية، حتى وإن كانت حاصلة على جوائز عالمية.

 

وأشار إلى أن الفئات الأكثر شراء هم الشباب ما بين 18و 24 عاماً، وأغلب قراءاتهم حول الرعب وأدب الجريمة، ثم تليهم الفئة 25 - 34، ثم 35 - 44، وبعد ذلك تكاد تكون نسبة المشترين منعدمة، وذلك يدل على أن سوق القراءة في مصر يحركها الشباب بامتياز، وكتَّاب مثل أحمد خالد توفيق ونبيل فاروق فتحوا مجالاً لنا مع القراءة، فبعد أن يقرأ هؤلاء الشباب أدب الرعب ويتشبعوا منه يبدأون في البحث عن الكتب المترجمة وإلى ذلك من أدب أكثر تعقيداً. وأردف بكر أنهم في دار "العربي" لديهم إستراتيجية تعتمد على ترجمة أعمال من لغات وبلاد "لا نعرف عنها شيئاً، فنحن كعرب لا نعرف شيئاً عن كثير من بلدان العالم، وهم لا يعرفون عنا شيئاً".

ولفت إلى أن دار "العربي" تؤمن بأن القارئ على حق في كل ما يطلبه، ولا نتعامل بمبدأ التعالي وأن هناك أدباً أعلى من أدب... "نحن دار نشر تحمل رسالة لكن في إطار اقتصادي، فلسنا مؤسسة غير ربحية، ولكن هذا لا يعني أن نقدم أعمالاً غير ذات قيمة. يجب أن يكون هناك على الأقل الحد الأدنى من اللغة ومجهود وحبكة في الأعمال التي ننشرها، كما أننا نهتم دائماً بالتواصل مع القراء لمعرفة متطلباتهم".

المزيد من ثقافة