Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تجويع المدنيين سلاح متبادل في دولة جنوب السودان

يتوقَّع أن تلجأ الأمم المتحدة إلى فرض وصاية دولية لحماية جموع النازحين الفارين إلى اللامكان

حرمت الأطراف المتنازعة في دولة جنوب السودان المدنيين من الوصول إلى الموارد الحيوية مثل آبار المياه (اندبندنت عربية - حسن حامد)

أعلن فريق خبراء حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أنَ الحكومة والمعارضة في دولة جنوب السودان، تتعمد استخدام تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب في مناطق النزاع. وتكررت المجاعة مرات عدة في دولة جنوب السودان منذ إعلان انفصالها عام 2011 عن السودان الشمالي، ما كثف أعمال الإغاثة الدولية من الولايات المتحدة والمانحين الدوليين. كما فرض وضعاً جديداً قد يؤدي إلى استنفار المجتمع الدولي بتدخلات، بغرض الرقابة على المساعدات وفرض مزيد من العقوبات. وأصبح مسرح الصراع وكارثة التجويع في جنوب السودان أكثر اتساعاً، ما تتعذر معه الإحاطة بجذور المشكلة نتيجةً للفوضى الضاربة بأطنابها في الصراع، والعنف الذي امتد ليشمل المدنيين، فمن الاختطاف والاغتيال، إلى التجويع حتى أنتج جموع نازحين فارين من العنف إلى اللامكان.

نزعة احتراب

تندرج نزعة الاحتراب لدى القبائل في دولة جنوب السودان وأكبرها الدينكا والنوير والشُلك والأنواك والبرو والمورلي، في إطار بعض المُعتقدات التي تقدس الموت، حتى أنّ القائد عند قبيلة "الشُلك" التي تقطن منطقة أعالي نهرِ النيل ويسمى "رثَّ الشُلك"، يُقتل إذا لم يستطع القيام ببعض المهام، ومنها المهام الزوجية. وهذا ما يعده قانون القبيلة ضعفاً عن أبسط الأشياء وأكثرها اعتيادية، ولكن الضعف الجسدي لا يمنع من تقديس روح "الرثّ" واستجلاب رمزها، لتحلّ في الرثِّ الجديد وتمنحه القوة التي في اعتقادهم لن تتحقق إذا مات بصورة طبيعية. ولم يكن تنفيذ القتل بهذا المبرر أو بمبررات أخرى، هو العامل الوحيد المؤجج لاستمرار الحروب في جنوب السودان، لكنها تقع ضمن سياق تاريخي يعود إلى الطبيعة والجذور البدائية، التي تعتمد في دفاعها عن نفسها على الطبيعة الهجومية. ثم مروراً بالسياق السياسي الذي غزا فيه المستعمر تلك المناطق، بغرض الحصول على الرقيق ونشاط التجارة هناك وضلوع سودانيين شماليين بارزين في ذلك العهد. ثم سنوات الحرب هناك باشتعال التمرد على الحكومة في شمال السودان منذ 1955. وأكبر صراع يدور الآن وتتعمد  فيه الأطراف المتصارعة تجويع المدنيين بين قبيلتي الدينكا والنوير بموالاة بعض القبائل الأخرى لكل طرف.

تكتيك حربي

بالإضافة إلى المجاعات التي حدثت بسبب ظروف طبيعية في جنوب السودان ضمن الدولة الأم، أبرزها كان في سبعينيات القرن الماضي، ثم مجاعة 1984 التي وصل عدد ضحاياها إلى حوالي ثمانية ملايين و400 ألف شخص. وكانت هناك حالات بارزة في الجنوب قبل الانفصال، استخدمت فيها الفصائل المسلحة الجوع كسلاح، ولكنها لم تأخذ هذا الوصف على الرغم من أنها ارتبطت بانتهاكات حقوق الإنسان وحرق المحاصيل بين الأطراف المتصارعة، مثل تلك التي ارتبطت بأحداث العنف في عام 1998 في منطقة بحر الغزال، ووصل عدد ضحايا التجويع إلى أكثر من 70 ألف شخص.   

وبعد انفصالها عن السودان عام 2011 بعامين، بدأت حرب أهلية أخرى على نطاق أوسع، بسبب التنافس السياسي بين الرئيس سيلفا كير ونائبه رياك مشار، الذي شغل الموقع مرات عدة وأطراف موالية لهما. مرت فترة الحرب بمحطات سلام قصيرة، ولكن حالة النزاع الطويلة أنتجت تكتيكات عدة استخدمتها قوات الحكومة والمعارضة معاً بغرض الانتقام، ومعاقبة القبائل المناوئة، ومنها الاختطاف والعنف الجنسي وتجويع المدنيين وحرمانهم من الوصول إلى الموارد الحيوية، مثل آبار المياه وحرق الغابات التي يُستخدم حطبها للطهي، وسرقة المحاصيل ومنع حملات الإغاثة والمساعدات الأممية من الوصول إليهم والاعتداء على فرقها التي فشلت في حماية نفسها وحماية المدنيين. وتسببت هذه الأوضاع في انعدام الأمن الغذائي وتفشي سوء التغذية في معظم الولايات، ومنها التي يشتد فيها النزاع في ولايات غرب بحر الغزال وجونقلي ووسط الاستوائية. ونتج عن ذلك الوضع إما استسلام القبائل المُعتدى عليها، وانضمامها إلى أي من الفصائل المتنازعة ما يوسع  مساحة النزاعات، أو فرارها في رحلة تهجير ونزوح إلى مناطق أخرى.

ولا توفر الفوضى بالإضافة إلى القوانين المحلية في أعراف القبائل أي احتمال للمساءلة وإيقاع العقاب بالمتسببين في تكتيكات الحرب ومنها التجويع. وينبع هذا من اعتقاد السلطة والمعارضة في دولة الجنوب، أن مهمتها هي حماية سلطتها وقوتها بإضعاف مجتمع الطرف الآخر، مدفوعةً بالأجندة العِرقية.

شكل الدولة

 منذ أن استقلت دولة جنوب السودان لم تكن بعيدةً عن الموت حرباً أو جوعاً، فلم يتكون كيان الدولة إلا بشكله الصوري، إذ ظل العائق الرئيس أمام وصولها إلى دولة بمفهومها المعروف، هو قيام حكامها سليلي الصراعات والمعارك والظروف الاجتماعية والسياسية، بإبراز مواقفهم الذاتية من السياسة نفسها أي المعارضة للنشاط السياسي، والاقتصار على إدارتها عسكرياً. وعندما تم طرح الاستفتاء ببقاء الجنوب مع السودان أو انفصاله، اختار الجنوبيون الانفصال بدعوى التهميش وحرمانهم من التنمية ومعاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية. وعلى الرغم من فقدان السودان الشمالي حوالي 75 في المئة من إنتاجه النفطي، الذي يمثل أكثر من 90 في المئة من الإيرادات لدولة الجنوب، إلا أنها لم تستفد منه بسبب استمرار النزاعات ولاعتمادها اقتصادياً وتجارياً على الدولة الأم، التي تعاني أيضاً من أزمة اقتصادية خانقة. بالإضافة إلى الحاجة إلى إنشاء بنية أساسية جديدة للتوجه نحو أسواق جديدة في أفريقيا جنوب الصحراء. وبالنسبة إلى الطرق القائمة أصلاً التي تستورد بها جنوب السودان الغذاء والوقود من بعض الدول مثل يوغندا، فإنه يتم قطعها بواسطة أعمال العنف أيضاً والاستيلاء على الشاحنات. وفي حين تشتعل الخلافات بين الرئيس سلفا كير ونائبه مشار بسيطرة سلفا على المناطق الغنية بالنفط، يُنتظر تعاونهما بغرض جمع تمويل لدمج قواتهما الأمنية في جيش واحد إيذاناً بقيام دولة مستقرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

استقطاب قبلي

إذا كان السودان لا يزال طالباً للعون والمساعدة بسبب استمرار سوء الأحوال الاقتصادية، والوضع المعيشي نتيجة فشل الحكومات المتعاقبة، وأكبرها فشلاً حكومة الإنقاذ التي حكمت لـ30 عاماً، فإن الوضع في دولة الجنوب كان يُتوقع له أن يكون في حالة الفشل نفسها. أولاً لأنه ورث الدولة في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية التي لا زالت مستمرة، وورث الفساد المقيم في دولة الشمال التي انفصلت في ظل نظام البشير. كما يتساوى البلدان في نظرتهما للمساعدات الدولية كاستحقاق، وأن التنمية لا تتم من دون بذلها، حتى أصبحت الدولتان غير مُنتجتين وفي حالة ترقب دائم لها، باعتبارها الطريق الأسهل للحصول على أموال تسيير نظم الحكم، أدت إلى ترهلها إدارياً وأصبحت مرتعاً للفساد. ولم تُفلح المجالس التي تضم النافذين في الجنوب من إنقاذ الوضع، إذ إن طبيعة مهامها لخلق توازن إثني وقبلي يتداخل مع الصراع السياسي على السلطة. بالإضافة إلى ذلك هناك التنافس في تكوين هذه المجالس ودعمها وتمويلها، الذي جعل منها ذراعاً قوية لكل طرف، سواء الحكومة أو المعارضة وخلق استقطاباً حاداً.

امتداد العقوبات

في عام 2018 مدد مجلس الأمن نظام العقوبات على جنوب السودان، المفروض منذ عام 2014، بما في ذلك حظر توريد الأسلحة وحظر بيعها لدولة جنوب السودان وعقوبات على قادة عسكريين. تضمنت العقوبات حظر السفر إلى الولايات المتحدة، وتجميد أي أموال تخضع للاختصاص القضائي الأميركي، وشملت كذلك أعضاء من المتمردين والحكومة. وفرضت الأمم المتحدة هذه العقوبات على دولة جنوب السودان بسبب المذبحة العرقية التي نفذتها قوات المتمردين في منطقة بانتيو على شيوخ ونساء وأطفال احتموا بمستشفى وكنيسة ومسجد في هذه المنطقة التابعة لولاية الوحدة الغنية بالنفط. ثم نفذت مجموعة من قبيلة الدينكا هجوماً على آلاف الأشخاص من قبيلة النوير، احتموا بقاعدة للأمم المتحدة في مدينة جونقلي. وكان من المفترض انتهاء فترة العقوبات في مايو (أيار) 2019، ولكن بسبب تواصل أعمال العنف فقد تم تمديدها بإضافة عقوبات على قادة آخرين. لم يحد هذا القرار الذي أُعيد تمديده من حالات العنف، إذ لم تبذل حكومة الجنوب والأطراف المتصارعة جهداً لإزالة العقوبات.

ويُتوقع نسبة لسياسة التجويع المُتعمد الذي تمارسه الحكومة وقوات المعارضة معاً على المدنيين، أن تلجأ الأمم المتحدة إلى فرض وصاية دولية بغرض حماية المدنيين والحفاظ على السلم والأمن الدوليين. وقد يعيق هذا التوجه انشغال المجتمع الدولي بمكافحة كورونا، وذلك لانصراف التمويل الدولي لمواجهتها. ثم ظهور حالات مشابهة من استخدام سلاح التجويع في عدد من مناطق النزاعات ما يتعذر معها تدخل الأمم المتحدة في كل منها. والخطر هنا ليس تجريدياً وليس  بمعزل عما يتم في كل البلد، وما يمكن أن تمتد آثاره إلى الشمال بعد فتح الحدود وتطبيق اتفاق الدخول من دون تأشيرة.

ما يحدث في دولة جنوب السودان هو عواقب سنوات من العنف، إذ لم تستقر البلاد عندما كانت جزءاً من السودان وصارت إلى أسوأ منه بعد الانفصال، فتحول حكامها وسياسيوها الذين كانوا ينادون بالعدالة والمساواة من شعب مقهور إلى حكام يمارسون العنف على شعبهم.

المزيد من تحلیل