Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أردوغان يعيد تحريك كل شياطين التاريخ

السعي إلى أخذ قره باغ بالقوة العسكرية يعني ارتكاب مذبحة جديدة ضد الأرمن

من أسلحة أردوغان العودة إلى إثارة العصبيات الدينية والطائفية (غيتي)

جنوب القوقاز يلتهب بعدما خمدت نار البلقان واتسعت النيران في الشرق الأوسط. والتاريخ في كل ذلك يلعب بالجغرافيا. انهيار يوغوسلافيا أعاد أشباح التاريخ وقاد إلى حروب البلقان التي انتهت بتسويات بعد تدخل عسكري أميركي وأوروبي وروسي.

وانهيار الاتحاد السوفياتي أعاد تسليط الأضواء على حسابات قديمة وقضايا عالقة. وتراجع الدور الأميركي في الشرق الأوسط أدى إلى استعادة روسيا لدورها القديم واندفاع ثلاث قوى إقليمية غير عربية في اللعب فوق المسرح العربي.

عام 1923 ألحق ستالين إقليم ناغورنو قره باغ ذا الأكثرية الأرمنية بأذربيجان التي كانت مثل أرمينيا ضمن الاتحاد السوفياتي. وبعد وفاة ستالين أهدى خروشوف شبه جزيرة القرم الى أوكرانيا التي كانت مع روسيا في الاتحاد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعد استقلال دول الاتحاد انتظر الرئيس الروسي الفرصة المناسبة وضم القرم إلى روسيا بالقوة. وعلى طريقة بوتين يحاول الرئيس الأذري إلهام علييف ضم قره باغ بالقوة. لكن العامل المحرك للحرب والمشارك فيها هو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

ذلك أنه يعبد تحريك كل شياطين التاريخ. من سوريا والعراق وليبيا وشرق المتوسط إلى القوقاز. ومن استعادة معركة "ملاذ كرب" بقيادة السلجوقي ألب إرسلان ضد الإمبراطورية البيزنطية عام 1071 إلى تحويل كنيسة آيا صوفيا مرة ثانية إلى جامع.

مشاركته في حرب أذربيجان ضد قره باغ وأرمينيا تعيد التذكير بمذابح العثمانيين للأرمن في نهاية الحرب العالمية الأولى، حيث كان مليون ونصف مليون إنسان بين الضحايا. وإرسال مرتزقة سوريين وطائرات مسيرة من صنع الشركة التي يملكها صهره سلجوق بيرقدار، وطائرات أف 16 الأميركية تثير الأسئلة.

هو يطارد بالجيش الكرد في سوريا والعراق، فوق قمعهم داخل تركيا. يرسل ضباطاً من جيشه ومرتزقة سوريين إلى ليبيا للقتال إلى جانب الميليشيات الأصولية والإخوان المسلمين.

وإذا كان من أهداف المغامرات الخارجية تغطية الفشل الداخلي، فإن الهدف الأكبر هو تحقيق "أجندة" الإخوان المسلمين في المنطقة وأوهام الرهان على تجديد "الخلافة" بقيادته. وأقل ما يتطلبه ذلك، إلغاء إرث أتاتورك ودوره في تحرير الأرض وإقامة الجمهورية و"انتزاع النصر من فك الهزيمة" في الحرب العالمية الأولى.

من أسلحته العودة إلى إثارة العصبيات الدينية والطائفية. ومن أوراقه اللعب على مصالح كل من أميركا وروسيا معه. فلا "العثمانية الجديدة" التي أخذ عنوانها من أحمد داود أوغلو من دون محتواها، هي في مفهومه أكثر من استعادة بعض ما كان للسلطنة من أراضٍ.

 ولا "خط باكو- جيهان" الذي ينقل النفط الأذري إلى جورجيا من قرب الحدود مع أرمينيا ثم إلى تركيا، سوى جزء من اهتماماته. وعلى العكس، فإن شريكه في تأسيس حزب "العدالة والتنمية" الرئيس السابق عبدالله غل، يرى "أن العثمانية الجديدة يجب أن يكون دور تركيا فيها جعل المجتمعات الإسلامية أكثر حداثة، وأكثر علمانية، وأكثر انفتاحاً". لا بل يقول بصراحة "إن الاسلام السياسي في تركيا وفي العالم الإسلامي أفلس".

وليس واضحاً إلى أي حد تغطي أميركا انخراط أردوغان في حرب القوقاز، وهي تشكل مع روسيا وفرنسا "مجموعة مينسك" التي تطلب وقف النار. فحين اتصل رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان بمستشار الأمن القومي الأميركي روبرت أوبراين وسأله: لماذا لم تفعلوا شيئاً لمنع حليفكم التركي من استخدام الطائرات الأميركية الصنع ضد المدنيين في قره باغ، جاء الجواب غامضاً.

أما اتكال أردوغان على مصالح بوتين معه، فإن له حدوداً في رأي ألكسندر دوغين الملقب "ملهم بوتين". إذ إن "الرئيس الروسي مستعد لأخذ مصالح تركيا الاستراتيجية بالحسبان، لكنه لن يقبل تلبية طموحات أردوغان المرتبطة بأجندة أيديولوجية إسلامية".

وأرمينيا عضو مع روسيا في "معاهدة الأمن الجماعي" وعلى أرضها قوات روسية لحمايتها. فالحل العسكري فشل في الماضي. والسعي إلى أخذ قره باغ بالقوة العسكرية يعني ارتكاب مذبحة جديدة ضد الأرمن. وما أبشع أن يعيد التاريخ نفسه حتى بالمفهوم الذي تحدث عنه ماركس.

المزيد من تحلیل