ملخص
طوني ماريني ومنذ زيارتها الأولى إلى المغرب، نسجت أواصر صداقة وثيقة مع مجتمع الفنانين والنقاد والمثقفين المغاربة، وأسهمت بكتابتها في التعريف بجيل كامل من المبدعين الذين كانوا يؤسسون آنذاك لهوية تشكيلية مغربية متفردة في مرحلة ما بعد الاستقلال
"المنتمية" هو العنوان الأكثر اختصاراً الذي يمكن أن يطلق على طوني ماريني، الإيطالية المولودة في اليابان والمقيمة لعقود طويلة في المغرب، التي تعد أول من وضع أسس النقد التشكيلي في المغرب منذ بداية ستينيات القرن الماضي، إلى جانب أسماء مغربية تصدرت المشهد لاحقاً، مثل أحمد الشرقاوي، ومحمد المليحي، وفريد بلكاهية، ومحمد شبعة وغيرهم.
ماريني السيدة التي راكمت في سنواتها التي شارفت على الـ80، تجربة فنية ونقدية عميقة، كانت عنواناً لندوة تكريمية على مدار يومين، إلى جانب عرض فيلم وثائقي عن مسيرتها، ضمن فعاليات موسم أصيلة الثقافي في دورته الـ47، قدمت خلالها شهادات عن دورها ودروسها لطلاب "المدرسة الوطنية للفنون الجميلة" بمدينة الدار من "موسم أصيلة الثقافي" منذ بداياته الأولى أواخر السبعينيات، إذ أسهمت في نقل الرسم إلى الناس والشارع من خلال تجربة "الجداريات"، وأسست مع آخرين ورشة للفنون التشكيلية لفائدة الأطفال.
وبحسب الشهادات التي قدمت خلال الندوة، فإن ماريني ومنذ زيارتها الأولى إلى المغرب، نسجت أواصر صداقة وثيقة مع مجتمع الفنانين والنقاد والمثقفين المغاربة، وأسهمت بكتابتها في التعريف بجيل كامل من المبدعين الذين كانوا يؤسسون آنذاك لهوية تشكيلية مغربية متفردة في مرحلة ما بعد الاستقلال.
تجربة ممتدة
ويسترجع حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، في كلمته في الندوة، مسار ماريني المعرفي والفني في المغرب، بقوله "لم يكن حضور ماريني في المشهد الثقافي المغربي مجرد حضور ناقدة، وإنما تجربة امتدت من متابعة الفن إلى المساهمة في صياغة أسئلته".
وأضاف أن الاحتفاء بماريني يأتي في لحظة استثنائية بمدينة أصيلة التي جعلت من الثقافة جسراً للتواصل بين الشعوب والجغرافيات المختلفة، مشيراً إلى أن مسيرتها الفكرية والنقدية شكلت صوتاً داعماً للفنانين، ولا سيما الأجيال الجديدة، كما دافعت عن حضور المرأة في الساحة التشكيلية.
وقدم البطيوي ماريني بوصفها نموذجاً "للنقد الكاشف"، مورداً أنها "لم تقف عند حدود التمحيص الجمالي، بل كانت صوتاً حياً ومدافعاً شجاعاً عن الفنانين الجدد"، و"أسهمت في انتشار رموز والتعريف بآخرين".
ثم استرسل قائلاً "طوني ماريني تتميز بقدرة على الإصغاء في الواقع كما في النصوص، ولم تنظر للفن المغربي بالمقارنة، بل باعتباره كوناً فنياً مستقلاً، وجزءاً من الفن الحديث والمعاصر بالعالم"، وشكلت عبر عطائها لأصيلة والمغرب "رمزا حياً للحوار الثقافي بين الشمال والجنوب".
وأضاف البطيوي أنها لم تنظر قط إلى الفن المغربي من منظور المقارنة مع الجماليات الأوروبية، بل تعاملت معه بوصفه عالماً رمزياً مستقلاً، معتبرة إياه جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة الفن الحديث والمعاصر في مختلف أنحاء العالم. وأكد أن كتاباتها شكلت أيضاً دفاعاً شجاعاً عن الفنانين الشباب، وعن حضور المرأة في المشهد الفني.
وأوضح شرف الدين ماجدولين، منسق الندوة التكريمية، أن هذه الإيطالية المولودة في اليابان أخذت ثقافتها وانتمت إلى مجتمع في شمال أفريقيا، عاشت داخله لعقود وأسهمت في حراكه وأسئلته وما تمخض عنه من سعي إلى صياغة دور نهضوي.
وقال إن ماريني لم تكن مجرد ناقدة للفن، بل كانت جزءاً من مشهد أدبي وثقافي واسع، كان فيه الشاعر والناقد والسينمائي يشكلون حلقة من حلقات الحداثة المغربية، واضطلعت فيه بأدوار تأطير واشتغلت على مشاغل ومسارات ما كان لها أن تتطور لولا إسهاماتها.
وأضاف ماجدولين أن ماريني تمثل "علاقة فرد بجغرافية كاملة وثقافات كاملة، ولغات مجتمع كبير هو المجتمع الإسلامي، ولحظة تأسيس نهضوية في حداثة ضمن المشهد التشكيلي المغربي، ولحظة تأسيس الحداثة المغربية التي كانت مجرد مغامرات، والانتماء إليه محفوف بشتى الأخطار والمجازفات".
سيرة ومحطات
وتوقف محمد الأشعري، الشاعر والروائي وعضو أكاديمية المملكة المغربية بالرباط، عند محطات من المسار الفكري والثقافي للكاتبة والناقدة طوني ماريني، وأشار إلى أن ماريني حلت بالمغرب للمرة الأولى صيف عام 1963، وتحديداً بمدينة طنجة، إذ التقت في أحد مقاهي المدينة بالفنانين محمد عطا الله ومحمد شبعة ومحمد المليحي، بعد أن كانت قد تعرفت على بعض أعمالهم في روما.
ووصف الأشعري ذلك اللقاء بأنه لحظة كاشفة عن أسئلة مرحلة كاملة، إذ دار نقاش حاد ومتحمس حول وضعية الفن المعاصر في المغرب، وانتقادات للبنية الثقافية والبيروقراطية الموروثة عن المرحلة الاستعمارية، إلى جانب تطلع جيل من الفنانين والمثقفين إلى بناء مشروع فني وثقافي جديد للمغرب.
وألقى الأشعري في شهادته الضوء على مختارات من كتابات ماريني المنشورة بعنوان "كتابات في الفن"، معتبراً إياها "سيرة ثقافية، وخريطة لثقافتنا في الستينيات والسبعينيات، ونفوذ إلى همومنا وشكوكنا وردود فعلنا الشديدة أحيانا، وردود فعلنا النابعة من صدمة الاستعمار"، مع إنصات "بصبر، لتجربة الآخر بكثير من التعاطف والتضامن، وأكاد أقول رغبة في التعلم".
وتتبع الأشعري إحساس واستقبال طوني ماريني المغرب بواقعه ومتخيله، في "شغف متبصر"، واهتمام بالمعرفة "أكثر من اهتمامها بالأحكام الإيديولوجية والأخلاقية".
مسار شخصي وفكري
وانطلق محمد نور الدين أفاية، أستاذ الجماليات، من كتاب "كتابات في الفن" لطوني ماريني، معتبراً إياه "كتاب مسار شخصي وفكري، بدأ بالصدفة ثم انتقل إلى المشاركة، فالبحث، ثم إنتاج الفكر"، لناقدة "تساوقت في طرح أسئلة على الإبداع، وبناء فهم ديكونوليالي للفن والإبداع"، واكتشفت "كما تقول، أن المغرب: وطن الفن، وكان بلد فن، وأن محاولة فهم مظاهره التاريخية المتنوعة ومعرفتها، والشهادة على صيرورته الدينامية كانت تكتسي أهمية عظيمة".
ووضح أفاية أن ماريني قد "وجدت هيمنة لقراءات استشراقية للإنتاج البصري والتشكيلي المغربي في ستينيات القرن الماضي، واختيارات فنية أصرت على النظر إلى هذا الإنتاج، بصورة حصرية، من منظور أوروبي، استعلائي، وتنميطي يختزل أحكامه في اعتباره فناً ’ساذجاً‘ و’عفوياً‘، ولا يمكنه أن يرقى إلى مستوى الممارسات الإبداعية الأوروبية"، ثم كشفت "حين نبشت في المغرب عن وثائق الإنتاج الفني السابق عن فترة الاستعمار، واجهت خطأ كبيراً شائعاً تمثل في القول إن ’التصوير الصباغي‘ لم يوجد في المغرب قبل دخول الأوروبيين، وأن ما يعرضه المغاربة ليس سوى استنساخ لتجارب إبداعية مستوردة".
ويرى نور الدين أفاية أن نصوص ماريني تمثل وثيقة تاريخية وشهادة حية على الواقع، بما يحمله من آمال وإحباطات وإنجازات، كما توثق لمسيرة المختبر البصري المغربي منذ ستينيات القرن الماضي.
رهانات الساحة الفنية
من جانبه أكد الناقد الفني محمد رشدي أن "طوني ماريني وتجسيرها عبر مدرسة الدار البيضاء كان مؤثراً في تاريخ الفنون بالمغرب، فقد درست الفنانين المستقبليين، وأثرت في ممارساتهم منذ الستينيات"، فضلاً عن كون كتاباتها حول الفن والفنانين المغاربة "واضحة، وبإحالات مفصلة، هي وثائق ثمينة لفهم رهانات الساحة الفنية في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات أيضاً"، لأن "النقد ذاكرة، تحافظ على آثار حقبة، وتسهم في كتابة تاريخها".
وأوضح رشدي أن اهتمامات طوني ماريني غير منحصرة في ماضي الفنون والكتابات حولها، بل تمتد أيضاً إلى ما يكتب حول تاريخ الفنون والفكر حولها، وما يكتب ويحدث في الحاضر، مقدماً مثالاً باهتمامها ومناقشتها له في مقالة خطها عام 2008، "رغبة في المساءلة والتعميق والبحث عن الفهم، من دون انقطاع عما يحدث الآن".
وتحدثت كلوديا اسبوزيطو، أستاذة الأدب الفرنسي بجامعة مساتشوستس، عن انطلاقة طوني ماريني في المغرب "وهي شابة في الـ22 من العمر، بمقهى في طنجة، مع ثلاثة فنانين تشكيليين، سيصيرون مشهورين فيما بعد خارج حدود المغرب، وهو ما أطلق حركية بناء طبعت حياتها"، وحيوات وتاريخاً آخر.
ووضحت الباحثة أن ماريني كانت أصل العديد من البيانات الفنية، والمبادرات، وكانت اهتماماتها البيداغوجية مؤثرة"، إذ آمنت بـ"الفن ودوره التغييري في المجتمع المغربي، وكانت ورشاتها تخرج الفن من حيطان مؤسسات التكوين، لجعلها متاحة للجميع".
وقالت إن ماريني فكرت وعاشت في أفريقيا والمتوسط "باعتبارهما مراكز لا هوامش"، وكانت تعتبر الكتابة فعلاً "من أجل مستقبل العالم"، مع وعي وتضامن "ضد الاستعمار"، و"طريقة لعيش العالم من دون تملكه"، والانتصار لـ"الوجود المتبادل"، عكس نموذج مفهوم "سلطة الملاحظ الأوروبي"، فقد كان عملها لقاء وبناء طويلاً كتوماً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
معجم فني
وتحدث عبدالرحيم كمال، أستاذ بجامعة محمد بن عبدالله، عن طوني ماريني "المفكرة الكبيرة"، التي يعد حالياً "معجمها الفني"، مع تطرقه لمقاربتها المختلفة للنقد الفني، ووعيها بذلك، وما تمثله لكونها شاهدة، وفاعلة رئيسة في الشأن الفني المغربي، وإشكالاته الكبرى، نظراً إلى هوسها باللغات السرية، والحوار بين الثقافات، وأشكالها وعلاماتها وآثارها الفردية والجماعية، وحلمها بـ"عالمية الإبداع" و"فن دون حدود"، واشتغالها مثل عالمة آثار تنقب عن الكتابات الصامتة، المشتغلة في الفنان وهو يشتغل بالمادة، من لغات، وذاكرة، وأصول ضاربة في القدم.
وأوضح الطبيب النفسي عبد الله زيوزيو أن طوني ماريني كانت تمارس شكلاً من أشكال العلاج النفسي اعتماداً على الفن، من دون أن تعلن ذلك صراحة، إذ كانت تؤكد باستمرار أنها تقوم بدور الوساطة عن طريق الإبداع.
وختم زيوزيو مداخلته بتأكيد أن طوني ماريني لم تكن مجرد ناقدة أو مؤرخة للفن، بل كانت أيضاً باحثة في الأنثروبولوجيا، واضطلعت بأدوار بيداغوجية مهمة.
ومن جهته، قدم الفنان التشكيلي عبدالله الحريري شهادة استعاد فيها نحو خمسة عقود من العلاقة التي جمعته بالمحتفى بها، وتداخلت فيها جوانب التكوين الفني والصداقة والنقد والعمل الثقافي.
واختارت الباحثة سليمة العيساوي تناول التجربة الروائية لطوني ماريني، من خلال روايتها "La murata"، مشيرة إلى أن المؤلفة دخلت عالم الكتابة الروائية، وهي تحمل رصيداً واسعاً من التجربة في الأنثروبولوجيا والنقد الفني، وهو ما انعكس على نظرتها إلى المكان والذاكرة والصورة والوثيقة والتاريخ.
أما الكاتبة والمخرجة والمنتجة موجة ماريني المليحي، فقد قدمت شهادة استحضرت فيها محطات من العطاء الفكري والإنساني لوالدتها طوني ماريني ووالدها الفنان التشكيلي الراحل محمد المليحي، باعتبارهما مرشدين ومؤطرين لأجيال من المبدعين، فضلاً عن أدوارهما الرائدة في إرساء دعائم موسم أصيلة الثقافي منذ انطلاقته الأولى.