Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الرحيل الباكر للمخرج دانيال جوزف ينكأ جراح السينما اللبنانية

فيلم "تاكسي البلد" حمل رؤية مختلفة للمدينة وناسها وملامح هوية فنية خاصة

المخرج السينمائي الراحل دانيال جوزف (اندبندنت عربية)

نزل الخبر كالصاعقة على المجتمع السينمائي اللبناني: وفاة المخرج اللبناني الشاب دانيال جوزف عن 41 ربيعاً. موت مفاجئ، صادم، لم يتوقعه أحد، إذ إن الراحل كان في صحة جيدة ولا يشكو من أي مرض مزمن. قلبه توقف فجأةً، نوبة طوت كل أحلامه إلى الأبد.

قبل إعلان خبر الوفاة، كثر كانوا يجهلون أن دانيال جوزف اسمه الحقيقي هو عدنان مهدي. فهو غيّر اسمه ليتناسب وتطلعاته السينمائية. هذا الذي ولد في قرية بنهران في قضاء الكورة، لم يعش في لبنان الجزء الأكبر من طفولته، إذ بسبب الأوضاع الأمنية الناتجة عن الحرب الأهلية اللبنانية، هاجر مع أهله إلى أميركا في مطلع الثمانينيات، بعد محطة في السعودية. عاش ودرس في الولايات المتحدة. تعلم الرسم والتصوير في هيوستن، ثم انتقل إلى نيويورك ليلتحق بمعهد التصميم. بعد ذلك، قرر العودة إلى لبنان حيث صور فيلمه الأول والوحيد، "تاكسي البلد" في عام 2011. في هذه المرحلة من حياته أيضاً تعرف على تشارل دو روزا الذي ساعده بصرياً في إنجاز باكورته الروائية الطويلة.

عندما شاهدنا "تاكسي البلد" (متوافر على "نتفليكس") في مهرجان دبي السينمائي، شعرنا أن هناك شيئاً ما يمنعنا من التعامل معه بتسرع. جاء الفيلم ثمرة تطور تقنيات الصورة العالية الجودة، وهي لم تكن متاحة قبل عشر سنوات أو أقل. كان واضحاً أن مخرجه الشاب يكتشف الأشياء ويعرف عنها كثيراً في الوقت نفسه، متحمس لبلد يعود إليه، بلد ذكريات الطفولة. ويعود إليه من بلد عاصمة السينما (أميركا). وجدنا في الفيلم تأطيراً لافتاً من هنا، لعبة أسلوبية من هناك. المشروع حمل سحر المغامرات المحكومة بالعبث.

شوارع بيروت

 

 

الحكاية عن شاب اسمه يوسف (طلال الجردي) لا يجد مكانه بين أقرانه. قروي وفخور بذلك. لا يضيع الفيلم أي مناسبة لتذكيره بأنه ليس من هنا، بأنه دخيل، بأن الآخرين لا يشبهونه. هنا الرهان: إحداث تصادم. ثم إقحامه في هم ليس همه. ينزح يوسف إلى بيروت، كمن يأتي إلى أرض الميعاد. يبحث في شوارعها عن رزق. يرتمي في أحضانها، لكن عينه على الينبوع البعيد، هناك في التلال العالية. إنه مثل آلاف الشباب الباحثين عن معنى للوجود. ظريف وثرثار وعلى درجة عالية من الشطارة. دانيال جوزف يلبننه قدر المستطاع. يرسمه بخطوط غليظة من دون تحويله إلى كاريكاتور للبناني المتوسط. يفعل بالشخصية هذه كل ما يصعب التماهي معها. ولا تسعف به لا ابتسامته العريضة ولا بحثه النضالي عن فتاة تمنحه الاستقرار المعنوي.

الفيلم تجوال متواصل داخل أروقة مدينة كئيبة. مدينة تبحث عبثاً عن دور أمام الكاميرا. الطريق التي يسلكها يوسف ذهاباً وإياباً بسيارته هي طريق سنلتقي عليها عينات من المجتمع اللبناني. الطريق لا تنتهي، وربما في أحد مفترقاتها هتاف القلب (الفتاة الأميركية) الذي لم يحدث في صحبة فتاة "من البلد"، كونها لم تصمد أمام امتحان المال وإغراء الرحيل. يوسف يرى الكل ولا أحد يراه جيداً، وهذا مجسد، بشكل أو بآخر، في المشهد حيث تصعد معه في السيارة عازفة موسيقى، تتعامل معه كأنه سائق شبح، في الليل البيروتي الذي تلقي عليه الأشباح ظلالها المخيفة. هناك حنين طبعاً. أراد دانيال جوزف لفيلمه هوية، والآن بعد رحيله، يصعب عدم النظر إلى شخصية السائق كصدى له.

في مهرجان "كان"

 

 

على الصعيد الشخصي، جمعتني بدانيال جوزف إحدى دورات مهرجان كان السينمائي عندما سكنا معاً في شقة واحدة. كان ذلك يوم واكب فيلمه إلى سوق المهرجان. إذا كان لا بد من أن نتذكر شيئاً منه في لحظة مؤلمة كهذه، فسيكون عشقه للسينما واهتمامه بها، لا فقط كصانع بل كمشاهد. كان دانيال جوزف مشاهداً نهماً، وقد تابع في تلك السنة أكبر عدد ممكن من الأفلام الجديدة وقضى السواد الأعظم من وقته داخل الصالات المظلمة، وعندما كان يعود في المساء إلى الشقة، كنا نناقش ما شاهده كل واحد منا طوال اليوم. كان الشخص الذي يتحدث معه يجد عنده فهماً عميقاً للسينما، من دون ادعاءات وتكلف. انحاز إلى السينما لا لشيء سوى للمتعة، حد أنه يمكن القول إنه كان محكوماً بـ"فن أن نحب"، نظرية الناقد الفرنسي الراحل جان دوشيه، التي وضعها عنواناً لأحد كتبه. كان من الذين جاؤوا إلى السينما من الصورة، لا من الأدب أو الصحافة، ولفتني فيه تنوع ذوقه وانفتاحه على الأنواع السينمائية كافة، إذ كان يقفز بسهولة من فيلم هدفه محض تسلية إلى عمل يعد من كلاسيكيات الفن السابع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رحيل دانيال جوزف في عز عطائه وشبابه، يعيد إلى الأذهان المآسي الشخصية الكثيرة التي تأسست عليها السينما اللبنانية: مارون بغدادي قضى بعد وقوعه في غرفة المصعد وهو في الذروة، غاري غارابيديان مات في حريق خلال تصوير فيلمه "كلنا فدائيون"، كريستيان غازي قدم فيلماً مهماً ثم لم يستطع النهوض من مآسٍ شخصية، برهان علوية لم يحقق ولو قسطاً بسيطاً من أحلامه السينمائية ولم ينجز أي جديد منذ 20 سنة، جورج نصر قدم فيلماً واعداً في "كان" ثم انصرف إلى التعليم، رندة الشهال رحلت باكراً بمرض السرطان… لكل شخص من هؤلاء تجربته الخاصة مع السينما، لكن في سيرة كل منهم انقطاع مفاجئ خارج عن إرادة أصحابها. أما مؤسس السينما اللبنانية، علي العريس، فكان من سوء حظه أن فيلمه الأول أنجز وعرض خلال الحرب العالمية الثانية، وبالتالي كان نجاح عروضه محدوداً. أما فيلمه الثاني، فألمت به وعكة صحية وهو يعمل على مونتاجه. من شدة ما كان منهمكاً، سقط مريضاً، إذ كان يصر على إنجاز كل مراحل صناعة العمل بنفسه.

المزيد من سينما