Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نورا ناجي تبحث عن الجاني عندما يكون الجميع ضحايا

"أطياف كاميليا" رواية الإنزلاق إلى أعماق النفس البشرية واللاوعي

لوحة للرسام المصري محمد عبلة (موقع الفنان)

في روايتها "أطياف كاميليا" (دار الشروق- القاهرة 2020) تنفُذُ الكاتبة نورا ناجي إلى العالم اللامرئي من النفس البشرية، تعكس أطيافها ودواخلها في مرآة السطور، تمنح حيزاً عادلاً يتسع للجناة الضحايا، وللضحايا الجناة، فتبدو الحقيقة عارية، تفسر وجوهها الكثيرة واقعاً ملتبساً وحكايات معيشة، تتمسك شخوصها جميعها في مقعد الضحية بينما يظل مقعد الجاني خاوياً!

يبدأ السرد من نقطة غامضة يذوب فيها الطيف في المرآة، ويتلاشى ليكون اختفاء العمة "كاميليا" اللبنة الأولى في البناء الروائي، والمحرك الرئيس للأحداث. وباستثارة شهوة الكشف، يحكم النص قبضته على القارئ منذ اللحظة الأولى، يصادر كل فرصه للإفلات من الرحلة الضبابية التي تبدو وكأنها تسير باتجاه الحل، إيجاد "كاميليا" وربما استعادتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وجوه الحقيقة المتناقضة

تنطلق الكاتبة من "كاميليا" القاصر، ابنة الأخ التي تحمل اسم عمتها وملامحها وتعاني القيود نفسها، فتغدو كطيف لها تحاول فهم غموض اختفاء العمة، وتحمل الرغبة نفسها في الهرب من بيت يأكل ساكنيه. تواجه القيود بالتمرد والصفع باللامبالاة، تجد مذكرات عمتها، فتبدأ في حل اللغز ويكتمل الحل من خلال ما تفصح عنه بقية الشخوص. تزداد صورة العمة بهاءً على رغم محاولات الأم لطمسها وتبرير وشايتها بها، تلك التي أدت بالعمة إلى مصيرها المأزوم، وانتهت بها إلى مغادرتهم جميعاً بلا عودة. لكنها على رغم غيابها عن المشهد تظل فيه فاعلة، وكما منحت ابنة أخيها أنفاساً سهلة حين فكت وثاق حبلها السري الملتف حول عنقها يوم ولادتها، عادت عبر أوراقها مرة أخرى لتمنحها الطريق وتدلها على مرفأ ترسو عنده الحياة.

تشارك الكاتبة شخوصها الحكي، فتقف مرة موقف الراوي العليم، ومرة أخرى تمنح للشخوص أصواتها، وتترك لها عنان السرد وقد جاء قرارها موفقاً إلى حد بعيد، ومتسقًا مع طبيعة الشخوص. فوجوه الحقيقة الكثيرة المتناقضة، لم تكن لتتجلى كلها لو لم  يملك الأخ، زوجته، كاميليا "العمة" وزوجها أصوات السرد الذي يكتسب مزيداً من الصدق والرهافة حين ينبع من داخل الشخوص. أما "كاميليا" الصغيرة فكان من الأجدى لها أن يحمل الراوي عنها، مهمة رسم مشاعرها واغترابها وآلامها طوال سير الأحداث، لتستمر اللغة على القدر نفسه من الشاعرية والعذوبة وتتمكن الكاتبة من الفرار من فخاخ "مقتضى الحال".

التقنيات الغائبة

بطريقة مغايرة، استطاعت الكاتبة أن تستخدم غياب بعض تقنيات السرد لا حضورها، في خدمة الحبكة وإحكامها فتجاهلت عن عمد تقنية الحوار إلا في ما ندر. فهي لم تكن بحاجة لإيهام الحدوث، وإنما أرادت أن توطد فكرة انسياب الزمن في مسار إجباري لا سبيل له إلا المضي والانتهاء، ولا قدرة على حبسه ولا تغييره ولا الرجوع فيه، وإنما يمضي وحسب، فيغدو من الأجدى الانغماس في البوح المتصل عن ذاك الذي مضى.

"أغضب من نفسي، وأتهمها بعدم الإخلاص، لكنه في الحقيقة الزمن الذي لا يترك شيئاً في حاله، الزمن يحول كل شيء إلى الأسوأ، يدفعنا دائماً للأمام الذي لا نريده، ويمنعنا من العودة إلى الخلف الذي نشتهيه" (الرواية صـ 19).

الاحتفاء بالزمن

اتخذت الكاتبة من حقبة التسعينيات فضاء زمنياً للنص، وكان اختيارها شديد الدلالة لما لهذه الفترة من خصوصية شديدة، وما اتسمت به من تحولات كبيرة وسريعة، ورصدت عبرها ثورة المعلومات وتطور شبكة الاتصال الدولية "الإنترنت" والتقدم التكنولوجي الهائل، وأثره على حياة الفرد. كذلك رصدت الكاتبة التحول الفكري العكسي الذي بدت آثارة في طريقة التعاطي مع المرأة، والتغير في ملبسها وتنميطها وفق ثقافات واردة.

"زوجات أشقائه ينظرن لها بدهشة واضحة، يرتدين العباءات السوداء والطرح الطويلة، يحملن أطفالاً، ويمسكن أطفالاً، ويطعمن أطفالاً، ويصحن بأطفال، للحظة تخيلت نفسها في مثل مكانهن، فشعرت بقشعريرة على طول عمودها الفقري" (صـ123).

ومثلما مزجت الكاتبة في سردها بين صوت الراوي وأصوات الشخوص، مزجت أيضاً طرق تعاطيها مع الزمن. فبينما كان التذكر والاسترجاع طريقاً سلكته أصوات شخوصها (محمد ناصر عاطف، نادية إسماعيل، كاميليا عاطف، جمال سلطان)، سار صوت الراوي في نسق أفقي متتابع، تدافعت خلاله الأحداث التي لعبت "كاميليا" الصغيرة دور البطولة فيها، وهو ما جاء متسقاً مع الحالة العامة للنص وفكرة صيرورة الزمن.

ختارت الكاتبة فضاءً مكانياً ممثلاً لكل من العاصمة والإقليم، فرصدت عبر فضائها المحلي، طنطا (شمال القاهرة) أوضاعاً اجتماعية متجذرة، حيث الحياة أكثر قسوة، أقل رفاهية، والقيود أكثر إحكاماً، والفضول أشد وطأة. ثم ربطت بينه وبين العاصمة بجسر من الأحداث رصدت خلالها "بعين القادم من الفرع" أضواء المركز، ومساحات الحرية، وارتفاع نصيب الفرد من الخصوصية بعيداً مِن الأعين التي تتلصص والألسنة التي تلوك، لتواصل استدعاء المتناقضات والوجوه المختلفة للحقائق والأحداث والأمكنة.

"يجلس حماي معهن يخبرهن بأنها مريضة جداً، وينهض ويتركني معهن، معظمهن كنّ معي في المدرسة، يحاولن استمالتي إلى الكلام، أرسم تعبير الحزن على وجهي، ألمّح تلميحات بسيطة، أتحدث عن جرأتها وتحررها، وأن عمي لم يعد يعجبه سفرها المتكرر، يزداد فضول البنات ويطالبن بمزيد، أقول: الله ستّار". (صـ 106).

ثنائيات الصراع

مع تواتر الأحداث وتدفق السرد وتشابك علاقات الشخوص، تتجلى ثنائيات الصراع والحروب المستعرة داخل النفس الواحدة لتؤكد الكاتبة عبرها، ذاك الانشطار الإنساني الأزلي، والخصومة الأبدية بين شطريه، فتقطع مسافات بعيدة داخل النفس وتضع خلالها ظلالاً حول أعطابها، وحيلها، وإزاحتها، ومازوخيتها وساديتها. حتى أنها تطأ (مرات) عقدها الشائعة مثل عقدتي "أوديب وإليكترا" اللتين تتجليان في علاقة الشقيقين بأبويهما. فـ"كاميليا" أكثر تعلقاً بأبيها بينما شقيقها يلحظ محاباته لها بعين حاقدة، لا تتحمله وتميل أكثر باتجاه الأم التي تستحوذ على حبه وتعاطفه، ورثائه لموتها وحياتها التي عاشتها بين صمت وإهمال. وعلى رغم كل هذا القدر من التعقيد والعطب، استمرت الكاتبة في إيجاد طرق للتسامي والتعاطف والمسامحة. ربما كان النصيب الأكبر منها للشخصية المحورية في النص "كاميليا العمة"، لكنها أيضاً لم تغفل نصيب بقية الشخوص، لتجعل الخروج من النص خروجاً آمناً بلا ضغينة ولا كدر.

اللغة في "أطياف كاميليا" إعجاز متكامل الأركان، وسهل من النوع الممتنع. فعلى رغم غناها في الصور، والشاعرية، والعذوبة، والمعنى والدلالة، لم تنزلق إلى هاوية التقعير ولا انفراط السرد، وعلى رغم نفوذها الطاغي لم تنل من الجماليات الأخرى في منظومة التشكيل النصي. كذلك يمكن وصفها باللغة المشهدية فقد حوت في طياتها تكنيكاً سينمائياً يحفز حاسة الإبصار على إدراك الأحداث والشخوص كحقيقة تتجاوز حدود السطور.

"تدلّي قدميها بحذر لتهبط إلى أرض الشرفة بدلاً من أرض الشارع مستشعرة لذة المغامرة الخفية، والخطر الذي يمكن السيطرة عليه... في المساء بعد أن يخلد الجميع إلى النوم تنهض بحذر وتقف على فراشها الملاصق للحائط، تفتح الشباك وتقفز" (صـ 14).

في رحلة اكتشاف النفس وتفكيك العلاقات الإنسانية المعقدة، مررت الكاتبة كثيراً من الرؤى الفلسفية، تلك التي لا تحوز (رغم صدقيتها وثبوتها)، إلا على التجاهل وعدم الاكتراث. فالتجربة المكررة والدرس المعاد، لم يدفعا الناس لإدراك قيمة الأشياء إلا بعد فقدانها، واللاقيمة لم تغرهم، على رغم كونها درعاً واقياً يجعلهم في مأمن دائم من الخطر، وهم أبداً لا ينظرون إلى الداخل وإنما يأخذون بالسطح. ومازال الجمال يفرض سطوته فيمنح صاحبه ميزات غير مستحقة، ويمنحه قساوة غير مفهومة في القلب.

المزيد من ثقافة