Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإيرانيون يمنعون الإنقاذ في لبنان

يريدون لماكرون التفاوض مع ترمب وليس مع خصومهم اللبنانيين

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

لم يرحّب الإيرانيون مرةً بالتحرك الفرنسي تجاه لبنان. وفي التحليلات القليلة التي تناولت هذا التحرك تحدثوا عن "مؤامرة" ومحاولة لفرض التطبيع مع إسرائيل، عبر دعم قيام صيغة حكومية جديدة في هذا البلد. الفرنسيون تحدثوا عن اتصالاتهم مع الإيرانيين بشأن لبنان، منذ الحديث الهاتفي بين الرئيس إيمانويل ماكرون والرئيس حسن روحاني قبل أكثر من شهر، والمصادر الروسية ألمحت إلى فحوى حديث مساعد وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف مع السفير الإيراني في موسكو، وقالت إنه تناول الوضع في لبنان من دون نتيجة، وفي المقابل لم يُعلن الإيرانيون موقفاً. واكتفوا بوضع تلك الاتصالات في خانة متابعة العقوبات الأميركية والملف النووي والوضع في سوريا. لم ينتبهوا إلى أوضاع لبنان، ولا إلى رغبة الفرنسيين بإحداث خرق في جمود الأزمة التي يعانيه، وتعاملوا معه بخفة عَكسها سلوك ممثليهم في بيروت، ما أسفر بالنتيجة عن ارتباك ثم انحسار موجة التفاؤل التي أثارها الفرنسيون عبر مبادرتهم اللبنانية.

والحقيقة أن إصرار ممثلي إيران في لبنان على إفشال المبادرة الفرنسية يتخطى حدود المنطق، ويكشف مرة أخرى مدى تبعية هؤلاء للقيادة الخمينية وتنفيذهم لأوامرها، ومدى ابتعادهم عن كل ما هو مصالح لبنان الوطنية كشعب ووطن.

فماكرون قدّم لحزب الله كل ما يرغبه على حساب آراء ومواقف طوائف وشرائح واسعة من اللبنانيين، مُعاكساً موقف حلفائه الأميركيين والأوروبيين الذين يصنفون الحزب تنظيماً إرهابياً. بينما اعتبر هو الحزب كياناً سياسياً أساسياً منتخباً، فلم يطرح مسألة امتلاكه السلاح والصواريخ خارج سلطة الدولة، ووافقه في رفض مطلب إجراء انتخابات نيابية مبكرة تطالب بها قوى سياسية عدة، منها خصوصاً، القوى المشاركة في الانتفاضة اللبنانية. ومقابل ذلك حضَّ ماكرون على حكومة يدعمها حزب الله والآخرون، مهمتها تنفيذ برنامج إنقاذ مالي واقتصادي وإعماري يفتح الطريق أمام إخراج  لبنان من الانهيار الذي يعيشه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تستجيب مبادرة ماكرون لحاجات اللبنانيين الأساسية ومطالبهم المرفوعة منذ عام، التي ازدادت إلحاحاً بعد جريمة تفجير مرفأ بيروت والدمار الذي ألحقته بالمدينة، والضحايا الذين أوقعتهم في صفوف مواطنيها. وبقدر ما تتيح تلك المبادرة للبنانيين فسحة تنفس وأمل، بقدر ما تسمح لحزب الله وقوى السلطة المتهمة بالفساد والإهمال بالاستمرار، وربما العودة للإمساك بتلابيب البلد في مرحلة لاحقة عبر انتخابات نيابية في موعدها.

قدّم ماكرون فرصة إنقاذٍ للبنان، هي في الوقت نفسه فرصة لتحالف الميليشيات والفساد القائم، وتعاملت مختلف القوى بإيجابية وترقب مع هذه الفرصة، إلا أن سلوك حزب الله و"الثنائي"، الذي يقوده تطور في اتجاه نقيض، مثيراً أزمة تتخطى حدود المبادرة الفرنسية طارحاً تغييرات أساسية في طبيعة النظام السياسي اللبناني. الأمر الذي ينقل المبادرة الفرنسية من موقع الإسهام في إيجاد مخارج للوضع القائم، إلى موقع الحرص على حفظ الهدوء، وربما الانسحاب بأقل الخسائر.

حاول ماكرون الإسهام في إيجاد علاج لمشكلة لبنان مستنداً إلى حجم الأزمة وعمق المأساة، وأعتقد أن كمية النوايا الحسنة قادرة على صُنْعِ المعجزة. غير أن الواقع غير ذلك، فسلطة الفساد متجذرة، والحضور الإيراني لم يعد تفصيلاً بسيطاً في لبنان. وعندما نظمت إيران تدخل ميليشياتها وفي رأسها حزب الله، "دُرة التاج "حسب التسمية الإيرانية، في سوريا والعراق واليمن وغيرها من دول العالم، لم تكن تسعى وراء تعزيز دور هذه الميليشيات في أوطانها الأصلية فقط، بل إلى جعلها أذرعاً لحماية نظامها الذي تطمح إلى جعله سيد العالم. واليوم حانت الساعة لتلك الميليشيات لإثبات قدرتها على القيام بالدور الذي أنشئت من أجله.

جاء التشدد في لبنان عبر طرح مطالب تطال البنية الأساسية للنظام ليعطل مسار المبادرة الفرنسية. صحيحٌ أن هذا التشدد مرفوعٌ في وجه القوى والطوائف الأخرى، إلا أنه بالمعنى الأعمق تشددٌ إيراني في وجه أميركا. وما على ماكرون إذا أراد تعاوناً في لبنان، إلا أن يحصل على تنازلات من دونالد ترمب وليس من سعد الحريري.

ولا تبدو هذه التنازلات مُتاحة بأي شكل، خصوصاً قبل الانتخابات الأميركية. ويعرف الإيرانيون ذلك، وهم يواصلون حربهم الإعلامية ضد الأميركيين. وقبل يومين هدد الحرس الثوري بقتل المشاركين في اغتيال قاسم سليماني، ونشرت وكالة "مهر" الرسمية الإيرانية لائحة بالمدرجة أسماؤهم على لائحة القتل، وفي مقدمتهم دونالد ترمب ومايك بومبيو وآخرين من مختلف مراتب الإدارة.

لن يقدر ماكرون على خدمة النظام الإيراني في مثل هذه الظروف، رغم تمايزه مع المجموعة الأوروبية في الملف النووي. والإشارات التي تعطيها واشنطن الداعمة رسمياً لمبادرته اللبنانية، لم تمنع واشنطن من مواصلة سياسة العقوبات، وآخرها ما بدأته، فجر الأحد، عملاً بانسحابها من اتفاق 2015. وفي الحصيلة لن تتساهل طهران في لبنان، ولن يتاح لأنصارها التمتع بـ"لبننة" محدودة، تجعل المبادرة الفرنسية تخطو خطوة إلى الأمام.

كانت حركة ماكرون محاولة وعدٍ بإنقاذ واستجابة للحد الأدنى من طموحات اللبنانيين، وفي الوقت نفسه إنقاذاً، ووقتاً مستقطعاً لسلطة الميليشيات والفساد، إلا أنها الآن مرشحة لأن تصبح ذكرى عابرة، في بلدٍ محكومٍ بالمشروع الفارسي وأوهام المذاهب.

المزيد من آراء