Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سلمية المسيرات في الجزائر… ماذا تغير في فبراير 2019؟

منذ العام 2001 تمنع السلطات الجزائرية وتقمع أي اعتصام أو تظاهرة في وسط العاصمة

صبيحة 22 فبراير (شباط) الماضي، وقبل ساعات من المسيرة الأولى المناهضة لترشح الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى ولاية خامسة، كانت أيادي الجزائريين على قلوبهم، خوفاً على مصير النداءات الكثيرة التي سبقت المسيرات. ساعات بعد ذلك، وفي ساحة أول مايو في وسط العاصمة، تقدم شاب وحيد وسط عشرات عناصر الشرطة وهو يرفع العلم الجزائري ويهتف ضد بوتفليقة، ليلتف حوله المئات ثم الآلاف، لتنطلق مسيرة العاصمة بعد مسيرات ضمت الآلاف في محافظات عدة.

منذ العام 2001، تمنع السلطات الجزائرية وتقمع أي مسيرة أو اعتصام أو تظاهرة في وسط العاصمة الجزائرية، بموجب مرسوم تنفيذي وقعه رئيس الحكومة السابق علي بن فليس، الذي تحول لاحقاً إلى خصم سياسي بارز للرئيس بوتفليقة. في 14 يونيو (حزيران) من تلك السنة، زحف مئات الآلاف من المتظاهرين من منطقة القبائل، مطالبين بالاعتراف الرسمي والدستوري باللغة الأمازيغية في ما يعرف بـ "الربيع الأسود الدامي"، الذي قتل فيه 126 شخصاً.

وفي محطة الربيع العربي، رشحت الجزائر بقوة للحاق بركب التغيير، عندما كان بوتفليقة يقضي عامه الثاني في ولايته الثالثة بعد تعديله دستور الدولة في شكل يمكّنه من الحكم مدى الحياة، إلا أن سلوك الجزائريين حاد باتجاه ترقب نهايات تلك الثورات. ولعل مظاهر السلاح في ليبيا وسوريا، لاحقاً، شكلت المانع الجماعي للجزائريين في الجهر بأصواتهم، على الرغم من حالة التذمر العامة من سياسات بوتفليقة تجاه ملف الحريات تحديداً وتفشي مظاهر الفساد.

النظام الجزائري، في تلك الفترة، استغل "حرص" الجزائريين على تفادي أي سيناريو قد يعود بالدولة إلى مظاهر العشرية السوداء، ليعلن إصلاحات "شكلية" عبر مشاورات قادها عبد القادر بن صالح، رئيس مجلس الأمة، ورافقه فيها علي بوغازي، مستشار الرئيس بوتفليقة سابقاً، والجنرال المتقاعد محمد تواتي، الذي كان يوصف في زمن العشرية السوداء بـ "المخ".

كما استعان النظام الجزائري بمداخيل الخزينة العامة لشراء ما تسميه المعارضة "السلم الاجتماعي"، ليطلق جملة من التعديلات القانونية بمسمى "حزمة الإصلاحات السياسية"، أدت إلى مراجعة دستورية وخمسة قوانين عضوية: الأحزاب والانتخابات ومشاركة المرأة في السياسة والإعلام والجمعيات.

ولعل امتناع الجزائريين عن التحرك من باب "الحرص على الدولة"، قد فُهم من أطراف في النظام على نحو خاطئ. إذ بنيت حجتهم على فكرة تقول إن عشرية الإرهاب ستظل وازعاً كافياً لاستمرار الجزائريين في قبول الوضع السياسي بسلبياته.

وتغذت ثقة السلطة عندما "نفر" الشارع من مسيرات كان يدعو إليها، كل سبت، الرئيس السابق للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية سعيد سعدي، بل إن السلطة حينها دعّمت حجتها ضده بحملة "شيطنة" واسعة، استعانت فيها بما سمته علاقاته ببرنار هنري ليفي، الذي ينظر إليه قطاع واسع من الجزائريين كعراب "الاستعمار الجديد".

الهبة الشعبية المفاجئة

تغيب الدوافع الإقليمية والدولية عن جميع التفسيرات التي يسوّغها الحراك الشعبي في الجزائر، عندما يطرح السؤال عن هذه "الهبة الشعبية المفاجئة". ويقول ناصر جابي، المحلل السياسي ودكتور علم الاجتماع، إن "المتابع لهذا الحراك منذ انطلاقه في 22 فبراير يمكن أن يلاحظ أن الحراك بدأ من العفوية والشفهية وانتهى إلى النص المكتوب".

ويلاحظ أن "الحراك حقّق تحولاً نوعياً أنجزته مجموعات شبابية مستقلة ومناضلون جمعويون ونقابيون وحزبيون بدرجة أقل، ليصبح حضورهم أكثر بروزاً منذ المسيرة الرابعة والخامسة".

وفي تفسير عبد العزيز رحابي، وهو وزير ودبلوماسي سابق يناهض سياسات بوتفليقة منذ عقدين، فإن "هذا الشباب يملك عذرية فكرية خلصته من صور العشرية السوداء". ويضيف "لكنه شباب تسلح بتراكمات على مستوى الحريات لسنوات عدة". أما العامل الفارق فهو أن "هذا الشباب يعيش عولمة حقيقية ويتابع ملف الحريات في الدول المتقدمة، بينما يعيش أفراد النظام القائم بعقلية الاتحاد السوفياتي وقد انقطعوا 20 سنة عن نبض الشارع والشعب".

شباب الحراك "لا قبلية ولا طائفية"

تقول إيمان عليلي، وهي شابة من الحراك الشعبي، إن أسباب "محافظة المسيرات على السلمية" تعود أولاً إلى "تبعات العشرية السوداء، التي دفعت الجزائريين إلى تفادي كل مظهر من مظاهر العنف. فبقدر خوف الجزائريين على أمنهم وسلامة بلدهم، بقدر ما رسخت في عقولهم مخاوف الانزلاق إلى سنوات العشرية".

وتضيف "كان كل جزائري يراقب تصرفاته في المسيرات ويحرص نيابة عن غيره على الالتزام بالسلمية، بل يحرص على حماية المسيرات من أي انزلاق قد تتعمده جهات من السلطة"، مشيرة إلى أن "الفارق بين الجزائر وتجارب عربية أخرى، أن البيئة الجزائرية عموماً ليست قبلية ولا طائفية، ما يناقض المشهد الليبي والسوري، وأن الحراك الشعبي خرج بشعار المناشدة بمطلب واحد، لا لولاية خامسة لبوتفليقة قبل أن يتطور إلى رحيل النظام ككل".

"تطمينات الجيش حررت المتظاهرين"

يشير أحمد كروش، الضابط السابق في الجيش الجزائري، إلى أن "الجزائريين عاشوا تحت وهم أنهم شعب عنيف، وهي فكرة رسخها النظام، وقد كانت فكرة الخروج إلى الشارع مرادفة لمعنى العنف".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويعدّد كروش ثلاث ملاحظات كرست السلمية في المسيرات عبر المحافظات جميعها، وهي أولاً، "لسنوات طويلة وتحت تأثير سنوات الإرهاب، ساد اعتقاد في نفوسنا كجزائريين بأننا نميل إلى العنف، لكننا اكتشفنا شيئاً آخر في نفوسنا: عندما يتعلق الأمر بمصير الوطن نحن يد واحدة".

أما ثانياً، فإن "تصرف أجهزة الأمن كان احترافياً. إذ تصرفت قوات الشرطة وفق قناعاتها النابعة من كونها جزءاً من الشعب، وهذا ناتج من غياب توافق فوقي حول كيفية التعامل مع المسيرات ووجود قناعة لدى جهات نافذة بضرورة التغيير". يضيف "أنظر كيف يقف شرطي واحد بين آلاف المتظاهرين من دون عقدة أو خوف، بل إن متظاهرين نذروا أنفسهم في المسيرات لحماية الشرطة نفسها".

وثالثاً، "أظن بأن رسائل رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، نائب وزير الدفاع، الفريق أحمد قايد صالح، ومنذ بداية الحراك هي التي بعثت الطمأنينة في قلوب الجزائريين. إذ أقنع الجزائريين بأن الجيش لن يقف ضد شعبه، بل سيحمي مطالب الجزائريين ما دامت سلمية".

المزيد من العالم العربي