Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صدى المنظمات الإنسانية يتردد مع فيضانات السودان

الميزانيات التي وفرها المانحون لا تكاد تفي بالنزر اليسير للاحتياجات الضرورية والعاجلة لمواجهة آثار هذه الكارثة

ما زالت فيضانات هذا العام في السودان تحدث كثيراً من الدمار، مخلفة ألماً مستمراً يحمل معه كثيراً من الأسى والمعاناة والتعب، ولا تزال عمليات الإجلاء مستمرة للسكان المتأثرين، الذين يعيشون ظروفاً إنسانية صعبة في ظل انهيار منازلهم وتفاقم حاجاتهم الغذائية والصحية. وفاقت سرعة الأحداث وتتابعها قدرة السلطات على إحصاء الضحايا والخسائر بشكل دقيق، ولا تزال الأرقام تقريبية ومتصاعدة، إذ إن ذلك لم ينتظر نتيجة دعوة الحكومة الانتقالية في يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، المنظمات الإنسانية الدولية "المطرودة" من البلاد في عهد الرئيس السابق عمر البشير، للعودة إلى استئناف أعمالها من "دون قيود"، وبين إلغاء عمل المنظمات وطلبات العودة استُنفرت المبادرات الشعبية الطوعية بشكل طارئ، ونجحت في إنقاذ الأرواح وانتشال المكلومين من تحت الأوحال، وما زالت الحكومة في حالة ترقب قد تفوق عبث الانتظار في مسرحية الكاتب الإيرلندي الشهير، صموئيل بيكيت (في انتظار غودو) الذي قد يأتي، أو لا يأتي.

واقع مرير

في هذا الوقت، قال السفير خالد موسى المدير السابق لإدارة حقوق الإنسان بالبعثة السودانية الدائمة في جنيف لــ"اندبندنت عربية"، "سبقت كوارث السيول والفيضانات في السودان تحذيرات أطلقتها الأمم المتحدة عن توقع فجوة غذائية في البلاد، مطالبةً الدول المانحة بمبلغ ملياري دولار إضافية لمواجهة فجوة المساعدات الإنسانية، وقبل أن تكتمل الجهود الدولية والاستجابة لهذا النداء، دهمت كارثة السيول والفيضانات كلاً من  مناطق النيل الأزرق والأبيض مخلفة دماراً هائلاً وأوضاعاً مأساوية. وترافق مع خسائر الأرواح فقدان الممتلكات والمياه الصالحة للشرب والمرافق الحيوية للخدمات، ما ضاعف المأساة، على الرغم من إرهاصات السلام والتفاؤل الحذر القادم من جوبا عاصمة دولة جنوب السودان".

أضاف موسى "الاعتراف الذي قدمه رئيس الوزراء عبد الله حمدوك في زيارته إلى مدينة سنجة جنوب شرقي البلاد هذا الأسبوع بأن (الكارثة تفوق قدرات الحكومة)، قدم صورة حقيقية للواقع المزرى، فبحسب سجلات الحكومة الفيدرالية توجد حوالي خمسة آلاف منظمة وطنية على المستوى الاتحادي تعمل في مجال درء الكوارث والخدمة الاجتماعية والتعليم ورعاية الأيتام وكبار السن والغذاء والكساء والمأوى، وأكثر من ثلاثة آلاف منظمة على مستوى الولايات".

طرد المنظمات

وشهدت العلاقة بين النظام السابق والمنظمات الدولية في مناطق النزاعات تبادل اتهامات انتهى بطرد 16 منظمة إنسانية عام 2013، كما علقت الحكومة السابقة نشاط اللجنة الدولية للصليب الأحمر بتهمة تجاوز التفويض أو عدم التزام موجهات السلطات المحلية، في المقابل كانت هذه المنظمات تشكو أحياناً من العراقيل التي تضعها الإجراءات الحكومية في مناطق النزاعات، خصوصاً في ما يتعلق بالتأشيرات أو السماح بالتدخلات العاجلة في مناطق النزاعات، مثل الإعفاءات الجمركية لتسهيل دخول الواردات من مواد إغاثية وصحية وأجهزة ومعدات اتصال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في السياق نفسه، قال السفير موسى "بعد أن أصدرت الدائرة التمهيدية بالمحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف في مواجهة الرئيس السابق عمر البشير في الرابع من مارس (آذار) 2009، أوقف السودان عمل تسع منظمات دولية إنسانية كبيرة، ما أدى إلى وجود فجوة في العمل الإنساني يتراوح بين خمسة إلى 10 في المئة حسب تقديرات حكومة السودان وحوالي 40 في المئة حسب تقديرات المنظمات الدولية، وعلى الرغم من جهود وخطة الحكومة لإحلال المنظمات الوطنية محل المنظمات الدولية، إلا أن نسبة العجز ظلت تتزايد مع موجات النزوح، وكذلك زاد عدد اللاجئين في السودان، إذ لا يزال السودان يحتل المرتبة السادسة عالمياً في استقبال اللاجئين، ويستضيف أكثر من مليون لاجئ في المعسكرات وأطراف المدن".

منظمات وطنية

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، أصدرت مفوضية العون الإنساني قراراً بإلغاء تسجيل وتجميد أرصدة وحجز أصول 27 منظمة تابعة لمنسوبي النظام السابق، بعد مطالبات "قوى إعلان الحرية والتغيير" بحل الاتحادات والحجز على حساباتها المصرفية والأصول والممتلكات، وفي الإجراء نفسه، ذكر قرار مفوضية العون الإنساني أن "اتخاذ الإجراءات ضد هذه المنظمات لمخالفتها أحكام قانون تنظيم العمل الطوعي والإنساني لسنة 2006، ولائحة تسجيل المنظمات الوطنية والأجنبية ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية لسنة 2013، وتلقي المنح من جهات أجنبية، ومخالفات في الاتفاقيات الفنية المقررة بموجب اللوائح".

ويرى مؤيدو قرار حل المنظمات، أن حزب المؤتمر الوطني الحاكم سابقاً كان يحكم سيطرته على الاتحادات المهنية والمنظمات، إلا أن عبد العظيم عوض، الأمين العام السابق لمجلس الصحافة والمطبوعات قال لـ"اندبندنت عربية" إن "مشكلة قصور المنظمات في درء الفيضان، هو أن الحكومة الانتقالية ألغت بعض المنظمات الوطنية، مثل "منظمة الدعوة الإسلامية"، وجمدت أخرى مثل "الوكالة الإسلامية للإغاثة" وغيرها، وتم ذلك لأسباب سياسية باعتبارها من آليات النظام السابق، كما جاء في قرارات لجنة إزالة التمكين، وهي لجنة حكومية يرأسها عضو المجلس السيادي ولديها سلطات وصلاحيات واسعة".

أضاف عوض "لمثل هذه المنظمات عموماً دور رئيس مهم يأتي قبل دور الحكومة في مواجهة مثل هذه الكوارث. ويُلاحظ أن كل مواد الإغاثة الآتية من الخارج تأتي باسم منظمات، وإن كان القرار حكومياً في البلد المعني، مثلاً، مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والهلال الأحمر الإماراتي، ومنظمة قطر الخيرية، وغيرها".

انعدام الثقة

كما أوضح السفير خالد موسى أن "هذه الشبكة من المنظمات ساهمت في الماضي من خلال النفير الاجتماعي والشراكات مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية من الوصول إلى المتضررين وتقديم العون الإنساني. وبعد ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، واتخاذ القرارات الخاطئة في الاستغناء عن خدمات عدد كبير منها من طريق الإيقاف والمطاردة القانونية والتجريف والمصادرة، قلت فعالية شبكة المنظمات عموماً في الاستجابة لدرء آثار الكارثة الإنسانية، خصوصاً أنه تم إيقاف ومصادرة أكثر من 70 منظمة طوعية كبيرة كانت تقدم خدماتها لملايين المواطنين وبميزانيات مليارية، مع انتشار جغرافي وأصول إنسانية في معظم أنحاء السودان".

ويرى موسى أن "قرارات الإيقاف والمصادرة وسحب التراخيص وفر مناخاً من انعدام الثقة في العمل الطوعي الإنساني، ترافق مع ذلك إضعاف وتفكيك هيئة الهلال الأحمر السوداني، وهي أكبر منظمة وطنية في العمل الطوعي تعمل وفق شراكات فاعلة كمكون وطني مع وكالات العون الإنساني الدولية. بالإضافة إلى إضعاف وتشتيت كوادر إحدى أهم آليات الدولة في التنسيق وتنظيم العون الإنساني وتقييم الاحتياجات، وهي مفوضية العون الإنساني"، وتابع "إن عجز الحكومة عن تقديم العون اللازم يعود في الأساس للسياسات الخاطئة في مصادرة المنظمات الفاعلة من دون توفير بديل، وكذلك عدم وجود نظام الإنذار المبكر أو الاستجابة السريعة للكوارث الإنسانية".

استجابة ضعيفة

أضاف موسى "اهتمام المجتمع الدولي والمنظمات الدولية كان منصباً في مناطق النزاعات ومعسكرات النازحين في أطراف البلاد، لكن انحصرت كوارث السيول والفيضانات في وسط وشمال السودان على مجرى النيل حيث تنعدم وسائل الغوث الإنساني، لا سيما وأن المنطقة كانت خارج اهتمام عمل المنظمات"، كما بين أن "الميزانيات التي وفرها المانحون من طريق مؤتمرات أصدقاء السودان والاتحاد الأوروبي أو الدول أو هيئات ووكالات الأمم المتحدة المتخصصة، وهيئات العون الأخرى مثل هيئة الغوث الأميركية USAID وغيرها، لا تكاد تفي بالنزر اليسير للاحتياجات الضرورية والعاجلة لمواجهة آثار هذه الكارثة. إذ تركزت بعض مساعدات المانحين في تقديم العون الاجتماعي للأسر الفقيرة، على تطبيق سياسة البنك الدولي لسحب الدعم من السلع والخدمات. وكان الجزء الأكبر من هذه الميزانيات موجهاً للأغراض الإنسانية في مناطق النزاعات ومعسكرات النازحين، وليس لدرء كوارث الفيضانات، ما يتطلب توجيه نداءات عاجلة من الأمم المتحدة والمانحين الدوليين، لا سيما وأن الذهن الشعبي في السودان مثقل بالسؤال عن استجابة العالم الفورية والقوية على إثر تفجيرات مرفأ بيروت، مقابل التباطؤ أو ضعف الاستجابة لكارثة السيول والفيضانات في السودان".

عودة من دون شروط

وذكر السفير موسى أن "دعوة الحكومة الانتقالية لعودة هذه المنظمات من دون شروط لن يحل الأزمة الراهنة، لأن عدم ثبات السياسات تجاه منظمات العمل الطوعي والإنساني يجعل هذه المنظمات عرضة لقرارات جائرة أخرى. وإذا كانت الكارثة الإنسانية طبيعية، فإن ضعف الاستجابة والعجز عن إنقاذ المتضررين والضحايا، هو أمر من صنع الإنسان أو بالأحرى من صنع الحكومة الانتقالية، نتيجة لتضارب السياسات ومحاربة وتجفيف المنظمات الطوعية ومصادرة أصولها. ولعل استجابة الدول العربية ودول الجوار أعظم أثراً في تقديم المساعدات العاجلة خصوصاً السعودية والإمارات ومصر وقطر وغيرها".

كما عبر موسى عن أن "الأهم في إجازة الجامعة العربية قرار استنفار الحكومات والمنظمات العربية لحشد الدعم العاجل، إضافة لمواجهة الكارثة ودرء آثارها وغوث المتضررين، هو التفكير في إعادة إعمار المناطق التي دمرتها السيول والفيضانات من مساكن وإعادة تشييد المرافق الحيوية بخاصة المشافي ودور التعليم، ولا شك أن هذا جهداً أكبر من قدرات الحكومة، لكن استنفار المانحين الدوليين يمكن أن يُسهم في إعادة إعمار جزء عزيز مما دمرته السيول والفيضانات. كما أن عزم بعض المانحين في دعم عملية السلام تتفوق عليها الآن ضرورات الإنفاق لإنقاذ أرواح الضحايا الذين يغرقون تحت الماء".

غياب حكومي

وسط هذه الأجواء، قال فيصل الباقر الصحافي المدافع عن حقوق الإنسان  لـ"اندبندنت عربية" إن "هذه الكارثة كشفت عن ضعف واهتراء البنية التحتية للمدن القائمة على ضفاف النيل، وضعف القراءة السابقة للخريف وما يصاحبه من سيول وفيضانات. ما زال الناس في حالة صدمة وبحث عن معينات ودعم يمكن أن تقدمه الدولة للمتأثرين، وحسب التقارير الصحافية، هناك شكوى من المواطنين، من أن الحكومة إما في حالة غياب تام من مواقع الأحداث، أو أن الدعم الذي تقدمه قليل ولا يغطي الحاجة المطلوبة، وبالتالي هناك حالة من عدم الرضى عن الأداء الحكومي، وليس هناك رصد دقيق للاحتياجات الحقيقية لغياب المنظمات المتخصصة، وذات الكفاءة العالية في التعامل مع مثل هذه الأوضاع".

أضاف الباقر "ليس هناك إحصاءات ومعلومات دقيقة عن المنظمات العاملة في مجالات الإغاثة والمساعدات، ولكن هناك مبادرات أهلية واضحة، وما نشاهده حتى الآن، في تلفزيون السودان من أخبار عن وصول طائرات دعم ومساعدات سعودية ومصرية وإماراتية، وهناك أيضاً خبر عن دعم قطرى مرتبط بدعم حول مطلوبات تتعلق بجائحة كورونا".

"دعوة مراكبية"

وتابع الباقر أن "الوضع بلا شك فوق طاقة السودان، ولا بد من دعم حقيقي وكبير، فالحكومة على لسان رئيس الوزراء، اعترفت بأنها تأخرت في الإعلان عن الكارثة لخطأ تقديراتها، وبأنه يمكنها التعامل مع الوضع بقدراتها الذاتية، وهذا نتيجة لسوء التقدير"، وأضاف "الأمر الجيد هو أن الحكومة تتعامل مع الكوارث بشفافية، وتنشر مؤسساتها الرسمية المعلومات بعكس حكومة ما قبل الثورة، فقد كانت مسيطرة على الإعلام والمعلومات، بل كانت تكذب على الملأ".

وفي ما يتعلق بدعوة الحكومة الانتقالية المنظمات المطرودة للعودة، علق الباقر أنها "أقرب إلى دعوة المراكبية (مثل شعبي يعني دعوة الصيادين وهم في عرض البحر لمن يقف على الشاطئ، بتناول الغداء معهم)، إذ ما زالت القوانين الكابحة نفسها التي كانت تحكم عمل المنظمات في ظل النظام السابق موجودة إلى الآن، ولكي يتسنى أمر عودتها لا بد من إصلاح القوانين، ومن دون ذلك لن يتغير الوضع".

المزيد من العالم العربي