Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بيلاروسيا في مهب التغيير

تذكر الاحتجاجات بما حصل في جورجيا وأوكرانيا أو حتى أرمينيا "شكلياً"

محتجون في العاصمة البيلاروسية مينسك يطالبون برحيل رئيس الدولة ألكسندر لوكاشينكو (أ ف ب)

لم تتوقف التحليلات والتكهنات حول طبيعة السيناريو الذي ينتظر بيلاروسيا، منذ أن بدأت الاحتجاجات تتصاعد في هذه الجمهورية السوفياتية السابقة، بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت في 9 أغسطس (آب) الماضي. وبحسب النتائج الرسمية، فاز الرئيس الحالي ألكسندر لوكاشنكو بـ80 في المئة من الأصوات، بينما حصلت سفيتلانا تيخانوفسكايا، مرشحة المعارضة، على 10 في المئة.

خصوصية بيلاروسيا

صحيح أن الاحتجاجات في بيلاروسيا تذكر بسيناريو جورجيا أو أوكرانيا، أو حتى أرمينيا "شكلياً"، إلا أن لكل دولة وضعاً مختلفاً، والمشترك هو التنافس الغربي الروسي. فالغرب يريد عزل تلك الدول عن موسكو، وضمها إليه عبر تحالفات عسكرية واقتصادية، على غرار دول البلطيق، بينما موسكو تريد أن تبقى هذه الدول مناطق عازلة بينها وبين الناتو، وألا تتحول إلى بؤر صداع في خاصرتها.

مع وجود خصوصية لبيلاروسيا، فهي ليست جورجيا، ولا توجد فيها أقاليم عرقية تريد الاستقلال أو الانفصال، وليست أوكرانيا أيضاً، فالمعارضة فيها ليست حيوية، ودور رجال الأعمال وتأثيرهم محدود، ولا يذكر أن شهدت بيلاروسيا أي انقسامات دينية أو عرقية.

وتفتقر تظاهرات بيلاروسيا لقائد واضح قادر على حشد الجماهير، وبدأت الاحتجاجات لأسباب تراكمية، أشعلها الغضب من نتيجة الانتخابات الرئاسية، وهناك استياء عام لدى السكان من النظام ورغبة في تغييره، وهذه قضية داخلية بحتة، ولا مكان للاعبين خارجيين فيها.

وعلى عكس أوكرانيا أو جورجيا، في بيلاروسيا الشعب متجانس ومعظم البيلاروس مؤيدين لروسيا. فالدولتان مرتبطتان باتفاق اتحادي، وهو ما يصعب مهمة أي قوى خارجية في استغلال ما يجري للتدخل. وكان الجانب الإشكالي هو موقف الرئيس لوكاشنكو المتذبذب، هو الذي يحكم البلاد منذ 26 عاماً.

مع الأخذ بالاعتبار أن المعارضة البيلاروسية، لم تلوح في مينسك بأعلام أوروبية خلال التظاهرات الشعبية، ولم ترفع الاحتجاجات أي شعارات أو لافتات معادية لروسيا، إلا أنه لا يوجد لدى المعارضة حتى اليوم برنامج واضح والأمور يمكن أن تأخذ منحى مختلفاً في أي لحظة.

سيناريو مشابه

قبل يومين، صرح وزير الثقافة البيلاروسي السابق بافل لاتوشكو، الذي بات عضواً في مجلس للمعارضة، إلى وكالة الصحافة الفرنسية في العاصمة الليتوانية، فيلنيوس، بأن المعارضة البيلاروسية ترغب في توثيق العلاقات الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي في حال حدوث تغيير للنظام في مينسك، لكن ليس على حساب العلاقات مع روسيا.

وقال لاتوشكو في 4 سبتمبر (أيلول)، إن "المجتمع البيلاروسي ينتظر إشارة ملموسة جداً لما يمكن للاتحاد الأوروبي أن يقدمه". ورأى أن وعداً محتملاً بتوقيع اتفاقية تجارة حرة، أو بتقديم مساعدة مالية، يمكن أن يرسل إشارة قوية إلى الناشطين المؤيدين للديمقراطية الساعين إلى إطاحة لوكاشنكو، غير أنه شدد في الوقت ذاته على أن المعارضة لا ترغب بعزل روسيا، الحليف التقليدي لبيلاروسيا. وقال لاتوشكو "لا نريد صداقة مع الاتحاد الأوروبي ضد روسيا، ولا صداقة مع روسيا ضد الاتحاد الأوروبي".

وهناك سيناريو مشابه لما حدث في أرمينيا عام 2018، يبدو أقرب إلى التنفيذ وأكثر واقعية اليوم، كما أنه قد يناسب جميع الأطراف الخارجية، بوصول شخصية غير مُعادية لموسكو على الأقل في المرحلة الأولى. ومعروف أنه في السيناريو الأرميني، ترأس الحكومة الزعيم السابق لحركة الاحتجاجات نيكول باشينيان (غربي التوجه)، بديلاً لسيرج سركسيان المؤيد لروسيا، واختار الكرملين وقتها المراقبة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتعيد الأحداث في العاصمة مينسك إلى الأذهان ما جرى في دول سوفياتية سابقة تعتبرها موسكو حدائقها الخلفية. فتلويح موسكو بالتدخل وتقديم الدعم العسكري لجارتها بيلاروسيا، ليس إلا استعداداً لإيقاف أي هزة سياسية في جوارها القريب يمكن أن تهدد أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية. واللافت تحذير لوكاشنكو من أن تدهور الوضع في بيلاروسيا سينعكس على الوضع في روسيا ذاتها.

وكان السيناريو ذاته يتكرر دائماً: انتخابات محل نزاع تليها تظاهرات في الشوارع يشارك فيها مختلف شرائح المجتمع، طلاب ومثقفون ومنظمات مجتمع مدني، ترغم الحرس القديم المُوالي لروسيا على تسليم السلطة، عبر انتخابات جديدة، إلى رئيس مُوالٍ للغرب.

أزيح في جورجيا، الزعيم الشيوعي السابق إدوارد شيفارنادزه، وحل مكانه ميخائيل ساكاشفيلي، وهو محام كان عمره آنذاك 37 عاماً، عاش وعمل في نيويورك وفي أوكرانيا. في أوكرانيا، هزم فيكتور يانوكوفيتش حليف موسكو، أمام فيكتور يوشينكو، الموالي للغرب والمتحالف مع يوليا تيموشينكو، لكن حكمهما انتهى عام 2010 مع عودة يانوكوفيتش للسلطة، قبل أن يطاح مجدداً عام 2014، بعد اتساع نفوذ المعارضين لسلطته، والمطالبين بمزيد من التقارب مع الاتحاد الأوروبي على حساب المصالح الاقتصادية لروسيا.

وذهب البعض إلى اعتبار أن بيلاروسيا، الجمهورية الهادئة طوال السنوات التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي، تسير على طريق السيناريو الذي طرق أبواب أكثر من بلد عربي بعد عام 2011، من حيث البدايات (احتجاجات سلمية). والملاحظ أيضاً في احتجاجات بيلاروسيا، رفع علم يعود إلى حقب تاريخية سابقة، ويختلف عن العلم الرسمي للدولة، وهو ما يحدث للمرة الأولى في الدول السوفياتية السابقة التي شهدت ما عرف بـ"الثورات الملونة". وبالمقارنة مع الاحتجاجات التي انطلقت في العالم العربي عام 2011، جرى رفع أعلام مختلفة في بلدين فحسب، هما سوريا وليبيا.

ساحة صراع

لم يعد خافياً على أحد أن الاحتجاجات التي بدأت في العالم العربي منذ عام 2011، وأطلق عليها "الربيع العربي"، طالت عدة دول، من تونس إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا. وسبق ذلك بسنوات تغييرات في جمهوريات آسيا الوسطى وجنوب القوقاز وشرق أوروبا، عرفت آنذاك بـ"سيناريو الثورات الملونة"، فكانت الثورة المخملية في جورجيا (2003)، والبرتقالية في أوكرانيا (2004)، وثورة البنفسج في قيرغيزستان (2005)، التي أطاحتها انتفاضة شعبية أخرى عام 2010، في حين تعثرت احتجاجات تلك الفترة في أوزبكستان وأرمينيا.

وفي كل السيناريوهات السابقة، حتى لو اختلفت البدايات والأسباب بين "الربيع العربي" وسيناريو "الثورات الملونة"، إلا أنها لاحقاً تحولت إلى ساحة صراع بين الغرب وموسكو، بالإضافة إلى انحرافها في أكثر من مكان إلى أكثر من اتجاه، بدخول أطراف إرهابية، انفصالية أو متطرفة دينية، على خط الأحداث.

في المجمل، يمكن ملاحظة أن الأحداث في بيلاروسيا بدأت للتو في الظهور، وأن الشكل النهائي لا يزال غير معروف، لأنه يعتمد على كثير من المتغيرات، لكن الأمور يمكن أن تأخذ منحى مختلفاً في أي لحظة. وعندها، فإن روسيا قد تجد نفسها مضطرة إلى التدخل في بيلاروسيا، وفق اتفاقية دفاع ثنائية، كما سبق أن فعلت في أوكرانيا عام 2014 وجورجيا عام 2008، حين شعرت بأن أمراً ما يحاك في مناطق نفوذها التقليدية.

ويمكن القول، إن الكرة اليوم في ملعب الكرملين، في ظل عجز الاتحاد الأوروبي الذي لا تخطئه عين، على إظهار أي تأثير في معظم الأزمات التي تعصف بمحيطه، بالإضافة إلى تباين المواقف بين دوله حيال أكثر من ملف، مع غياب دور أميركي حاسم، لا سيما بعد إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل فترة عن تشكيل قوة احتياطية أمنية لمساعدة بيلاروسيا، إذا لزم الأمر، بينما يظهر الرئيس البيلاروسي لوكاشنكو استعداده لإرضاء موسكو عبر كل السبل، بعدما وضعها في أكثر من مساومة خلال السنوات القليلة الماضية، ونسج خطوط تقارب مع الغرب.

يبقى القول، إن رياح التغيير هبت على بيلاروسيا، فأي تغيير ذلك الذي ينتظرها؟ هذا ما ستكشف عنه الأسابيع، وربما الأشهر القليلة المقبلة.

المزيد من تحلیل