Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ظواهر المعادلة السياسية الموريتانية

أصدرت وزارة الداخلية عام 2019 قراراً بحلّ 76 حزباً من جملة 100 حزب بين معارض وموال ومستقل

طرح ولد عبد العزيز في عهد رئاسته رؤيته بأنه يقف على مسافة واحدة بين الحزب الحاكم والأحزاب المعارضة (رويترز)

نبه فتح ملفات الفساد واستدعاء الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز من قِبل شرطة الجرائم الاقتصادية للتحقيق، إلى التحولات في المعادلة السياسية الموريتانية، التي كانت أحداثها تدور منذ فقدانه للفترة الرئاسية الثالثة، حينما أعلن الحزب الحاكم قبل عام عن اختيار محمد ولد الغزواني وزير الدفاع وقائد الجيش السابق مرشحاً للرئاسة، وهذا الاختيار المفاجئ أعلنه الرئيس ولد عبد العزيز الصديق المقرب لولد الغزواني، وشريكه في الانقلاب على معاوية ولد الطايع عام 2005، ثم الإطاحة بأول رئيس مدني منتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله عام 2008، وتأتي هذه التصورات في سياق داخلي يتمثل في حراك القوى السياسية، وخارجي في استعادة النفوذ الفرنسي في موريتانيا ومنطقة الساحل والصحراء.

قلب المعادلة

بدأت المعادلة السياسية الموريتانية في التشكل، بعد أن طرح ولد عبد العزيز في عهد رئاسته رؤيته بأنه يقف على مسافة واحدة بين الحزب الحاكم والأحزاب المعارضة، ولكن الحوار بينهما لم يشهد توافقاً ملموساً، أما المسافة التي كان يحفظها بينه وبين قوى المعارضة، التي حاول تقريبها منه فكانت تغلب عليها صفة الأبوية، وذلك بنزوعه إلى إسداء النصح إليها بالتنازل عن الترشح في الانتخابات لصالح حزبه، وأهم حدث نوعي في قلب المعادلة السياسية الموريتانية، أنه عندما بدأت موريتانيا الاستعداد لانتخابات رئاسية في يونيو (حزيران) 2019، قرر الحزب الحاكم عدم مشاركة محمد ولد عبد العزيز في نهاية فترته الرئاسية الثانية، بعد فشل النظام في فرض المطالبة بتعديلات دستورية تتيح له فترة رئاسية ثالثة، وجاءت التهيئة لقلب المعادلة منذ مطلع سبتمبر (أيلول) 2018، بإجراء الانتخابات البرلمانية والبلدية والجهوية باستعداد حوالي 100 حزب سياسي متنافس كان أبرزها حزب "الاتحاد من أجل الجمهورية" الحاكم، وحزب "التجمع الوطني للإصلاح والتنمية" (تواصل) الإسلامي، وحركة "إيرا" الحقوقية، بالإضافة إلى ائتلاف يضم أكثر من 10 أحزاب معارضة باسم "تحالف المنتدى الوطني للديمقراطية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحتى تتفادى الحكومة مواجهة التجمع الشكلي للأحزاب، التي تسببت في تكوينها المترهل، أصدرت وزارة الداخلية الموريتانية في مارس (آذار) 2019، قراراً بحل 76 حزباً سياسياً من جملة 100 حزب بين المعارض، والموالي، والمستقل يحظى بعض منها بقاعدة شعبية، وهي أيضاً خطوة من أجل تحويل الانتباه عن حالة الغضب الشعبي ضد ارتفاع أسعار الخدمات، وانعدام الأمن، كما تعد خطوة نحو تغيير معادلة المعارضة في التخلي عن استحقاقاتها، وبعد تغير الحكم واستلام محمد ولد الغزواني، حصل تغيير في أساليب الأحزاب، والتكتلات بفعل قوى وعوامل السلطة، وعلى الرغم من تقليص الأحزاب، فإن خشية الحزب الحاكم من المشاركة السياسية الفاعلة لعدد منها، ظلت قائمة، إذ برز صوتها أكثر علواً في مواجهة الحكومة منذ رفضها نتائج الانتخابات، واصفة إياها بأنها انقلاب آخر للجيش، وكانت المراهنة منذ البداية على أحزاب المعارضة وحركة "إيرا"، وهذه الكيانات السياسية ظلت تعتبر ولد الغزواني امتداداً لعهد ولد عبد العزيز.

قوى الإسلاميين

أحد أطراف الصراع في معادلة السلطة، التي باتت أطرافها مكشوفة هي الأحزاب الإسلامية وعلى رأسها حزب التجمع الوطني للإصلاح "تواصل"، الذي ظل يتبنى خيار "الحوار والشراكة"، وينادي بتكليفه بالتنسيق مع القوى السياسية المعارضة، فمع اقتراب الانتخابات الرئاسية السابقة، أغلقت السلطات الموريتانية مؤسسات تابعة للتيار الإسلامي، منها منظمات خيرية تنشط في مجال الدعم الاجتماعي اتهمتها بعدم الشفافية، وأضافت إليها مؤسسات علمية وأكاديمية، فُسرت بأنها جاءت بهدف الحد من شعبية التيار الإسلامي، وتقويض امتداداته وتأثيره على المجتمع الموريتاني، خوفاً من تكرار التجربة المصرية، وقبل ذلك واجهت السلطات الإسلاميين في الانتخابات البلدية في سبتمبر 2018، حين حذر ولد عبد العزيز، الناخبين الموريتانيين من التصويت للوائح الإسلاميين في الانتخابات، وشدد على تحذيرهم من الأحزاب الإسلامية وخطورتها على استقرار البلاد، وعلى ديمقراطيته، وزاد على ذلك أن الهدف من الانتخابات هو تخليص البلد من التطرف والفساد، ومن أحزاب تشكل خطراً على البلد لأنها تلبس عباءة الإسلام السياسي، وما زاد من توجس القيادة الموريتانية أنه بعد تحذير الرئيس السابق، جاء حزب "التجمع الوطني للإصلاح والتنمية" (تواصل) في الترتيب الثاني بعد الحزب الحاكم بعدد مرشحيه في مختلف الدوائر الانتخابية في البلاد، ما أشار إلى إمكانية الاستقطاب الحاد في تلك الانتخابات، واستعداد الإسلاميين بحشد القاعدة الشعبية للانتخابات المقبلة.

تأثير "الحراطين"

تواجه النظام الحاكم في موريتانيا قوة مؤثرة أخرى وهي فئة "الحراطين" (العبيد المحررون) وهم أبناء قدامى الأرقاء، التي يمثلها التيار الانعتاقي المختصر في حركة "إيرا"، ويتزعمها الناشط الحقوقي النائب البرلماني المرشح لانتخابات الرئاسة السابقة بيرام ولد اعبيدي، وهي أكثر المكونات الاجتماعية الموريتانية التي امتزج تاريخها بعقدة التهميش، إذ إن إبادة وقعت في ثكنة عسكرية ضد مجموعة ضباط وجنود من أصول زنجية، حاولوا القيام بانقلاب عسكري في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1990، ما زالت تلقي بظلالها على المعادلة السياسية الموريتانية، وهذه الحادثة، وغيرها ضمن سلسلة الإبادة في حقبة الثمانينيات والتسعينيات، تمت فيها تصفية عشرات الضباط والجنود في عهد الرئيس الموريتاني الأسبق معاوية ولد سيدي أحمد الطائع.

وأسهم الوضع السياسي الموريتاني في تشكيل وعي حركة "إيرا" (مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية)، التي أسسها ولد اعبيدي في الخامس من نوفمبر 2008، وتكيل هذه الحركة اللوم لأحزاب المعارضة بأنها لم تقدم شيئاً لقضايا "الحراطين"، الذين يعود تاريخ إثارة الجدل حول قضيتهم إلى ستينيات القرن الماضي، وقد كان الاستعباد يُمارس بشكل علني بين فئات المجتمع الموريتاني، وأثار ولد اعبيدي عدداً من قضايا الرق، واتهم السلطات بالتواطؤ مع الأسياد على حساب العبيد، وتجددت مسيرة هذه الحركة الناشطة بعد الانقلاب العسكري عام 2006، وبدأت مسيرة نضالية نشطت في الاحتجاجات وحركات العصيان المدني، وخلال السنوات الأخيرة لم تشهد موريتانيا قضية رأي عام قدراً من الزخم والحساسية، كالذي حظيت به قضية "الحراطين".

ومع أن معاناة أفراد هذه الفئة من الاستعباد استمرت على مدى قرون، إلا أن تجريمه بالقانون مع استمرار الممارسة في مجتمع محمي بالأعراف الاجتماعية، جعل هذه الفئة تنظم نفسها في احتجاجات بهدف المطالبة بالمساواة والحرية وإقامة دولة عادلة، كما جعل القضية موضوعاً للتجاذبات السياسية بين الحركات الناشطة في مكافحة الرق، وبين الحكومة التي تضع القوانين العاجزة عن القضاء على الظاهرة.

تعدد المواقف

تعددت مواقف قوى المعارضة قبل وبعد التحولات السياسية الأخيرة في موريتانيا، ومن أبرزها مواجهة المعارضة لقرار ترشيح الحزب الحاكم لولد الغزواني بالرفض، كونه يعزز من استمرار تداول السلطة بين العسكريين، وألمحت إلى أنها قد تكون فترة انتقالية يعود بعدها ولد عبد العزيز إلى السلطة مرة أخرى وسط تخوفها من أن تكون بداية ترتيبات من قبل قادة المؤسسة العسكرية والأمنية لخطوات تضمن الاستمرار في السلطة بعد عام 2019، من دون الإخلال بمقتضيات الدستور، كما زاد التنافس في الانتخابات البلدية والجهوية والبرلمانية السابقة بين بعض الأحزاب السياسية من استقطاب فئة "الحراطين" بترشيح أفراد منها في اللوائح في عدد من الدوائر، وتداخل أعضاء التيار الانعتاقي مع حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية "تواصل"، حتى كسب ربع مرشحيه من هذه الفئة، وذلك لمقابلة الاصطفاف السياسي على أسس عرقية، وترشيحات تكاد تنحصر في فئة واحدة في اللوائح التي قدمتها أحزاب أخرى، وذلك بسبب حدة الاستقطاب القبلي.

بعدها، استجمعت الحكومة الموريتانية قوتها لمواجهة هاتين القوتين، ونادت بتوحيد أحزاب الائتلاف وفقاً للظرف الدقيق الذي تمر به الدولة، ما عدته القوتان ممارسة بهدف إقصائهما بعد اتهامهما بالغلو السياسي، وإن كان حزب "تواصل" يرفض الانضمام في ائتلاف الحكومة، فإن زعيم حركة "إيرا" يرى أن "مد اليد لجميع السياسيين بمن فيهم الرئيس الحالي، هو من أجل تطبيع الحياة السياسية في البلد، على الرغم من أن مطالبه الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني بإصلاح للحياة السياسية في البلاد "لم يتحقق منه إلا الشيء القليل".

ومن المواقف أيضاً أنه على الرغم من مطالبات قوى المعارضة وتسليمها بضرورة التحقيق في الفساد، إلا أنها أشارت من جانب آخر إلى أن جزءاً من هذه الحملة قد يكون تصفية حسابات من قِبل محمد ولد الغزواني مع صديقه السابق محمد ولد عبد العزيز، في إطار التنازع على السلطة، وفي الوقت نفسه، يدعم موقف ولد الغزواني عدداً من مناصري الرئيس السابق وممن شغلوا مناصب وزارية، وتشريعية بالتحقيق في قضايا الفساد خصوصاً الموجهة إلى ولد عبد العزيز، وبعض أعضاء حكومته.

استعادة النفوذ

أما السياق الخارجي لتحول المعادلة السياسية الموريتانية، فيكمن في استعادة فرنسا حضورها بقوة في مفاصل الدولة الموريتانية، وهي لم تكن قد فارقت المسرح السياسي لموريتانيا منذ استقلالها عنها في 28 نوفمبر 1960، إذ ظل الدعم الفرنسي ينشط وسط الأقليات التي تقدم لها الدعم التنموي، كما يلعب النفوذ الفرنسي في الاقتصاد الموريتاني دوراً في تشكيل المعادلة السياسية، إذ إن الحزب الحاكم يشكو من الوصاية الفرنسية، خصوصاً بتدخلها في المشاريع التنموية المطروحة من أطراف أخرى مثل دول الخليج، ويقترن المفهوم الفرنسي للأمن بالمجهودات الأوروبية، وحضورها في  شمال أفريقيا، والمنطقة المطلة على البحر المتوسط لأغراض الحد من الهجرة غير الشرعية، ومحاربة الإرهاب وتجارة الأسلحة، وتستصحب فرنسا لتحقيق ذلك، البعد الاقتصادي المتمثل في المشاريع التنموية، والاستثمار الاقتصادي، والتدريب والتعليم، والبعد السياسي المتمثل في نشر المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، وكذلك البعد العسكري الذي يتمثل في وضع سياسة مشتركة للأمن والدفاع، والتدخل العسكري في النزاعات المسلحة، وتزداد هذه الأهمية بترؤس موريتانيا مجموعة دول الساحل الخمس التي تأسست في نواكشوط في فبراير (شباط) 2014، للقضاء على الإرهاب، والتطرف والعنف، والجريمة المنظمة في منطقة الساحل والصحراء، وتضم بالإضافة إلى موريتانيا كلاً من النيجر، وتشاد، ومالي، وبوركينافاسو.

المزيد من تحلیل