Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أصلي أردوغان تكتب نصا مأتمياً لمدينتها اسطنبول

كتاب مفعم بالجروح يجمع بين السرد االتخييلي والسيرة الذاتية والتأمّل الفلسفي

الكاتبة التركية المنفية أصلي أردوغان (اندبندنت عربية)

منذ أن رُميت في السجن على يد الرئيس التركي الذي يتشارك معها اسم عائلتها، بتنا لا ننظر إلى الكاتبة التركية أصلي أردوغان إلا كمعارضة للنظام، ونسينا أن هذه المرأة التي حازت "جائزة سيمون دو بوفوار من أجل حرّية النساء" عام 2018 هي قبل أي شيء شاعرة قادرة، بحكّها الكلمات، الواحدة بالأخرى، على إحداث شراراتٍ من نعمة.

هذا ما يظهر بوضوح في النصوص التي جمعتها في كتاب بعنوان "نشيد مأتمي لمدينة ضائعة" وصدرت ترجمته الفرنسية حديثاً عن دار "أكت سود" الباريسية. كتاب شعري بامتياز تستعيد أردوغان فيه ذكريات من مختلف مراحل حياتها في اسطنبول المشدودة أبداً نحو فعل الكتابة الذي لطالما مارسته كضرورة "كي تتمكّن يداي من لمس اللامرئي في كل ما يُرى". كتاب ساحر يتعذّر تصنيفه هو عبارة عن فسيفساء من قصائد نثر تحضر كشذرات أو تأملات للقراءة بصوتٍ عالٍ كأنشودات كئيبة حول الفقدان الذي يتعذّر تجنّبه وألم الكينونة: "أنا مجموع ما مُنِحتُ إياه وما حُرِمتُ منه، ما فقدته وما يتبقى عليّ أن أفقده، من دم الكلمات وصمت الشفاه".

وفعلاً، بمزجها السرد التخييلي والسيرذاتي والتأمّل الفلسفي، الشعر والاستنبطان، تتابع أردوغان في هذه النصوص استكشافها هوّات الأنا ببصيرة متطّلبة إلى أبعد حدّ من نفسها، من دون أن تتردّد في وضع الإصبع على ذلك الجنون الكامن فينا، حين يتطلّب الأمر ذلك: "أتجمّد مثل عظمة نافرة تحت جلدٍ ممزَّق. مثل نقطة سوداء وثقيلة، ثخينة مثل الليل، عاجزة عن أن تكون دمعة. المطر يملأ عيناي ويتابع طريقه". مونولوغات حول حالة إبعادٍ داخلي، أناشيد عزلةٍ مرغوبة، نتلقّى هذه النصوص ككَمٍّ من الجروح المفتوحة لامرأة في منتصف عمرها تجد في التيه داخل ذكرياتها "قلبَ العالم"، أي اسطنبول التي، حين نعرفها، لا نفلت منها، مدينة المساجد والكنائس حيث ينتشر الفقر والثراء معاً، ويصدي عنف الإنسان. "مكانٌ نصغي فيه إلى جميع الأصوات كي نسمع أخيراً صوتنا، ونستعيد فيه كل صراخ العالم كي نولد من جديد".

حي غالاتا 

في اسطنبول، تتوقف أردوغان خصوصاً في حيّ غالاتا، مركز الحياة الليلية والفنية فيها الذي خنقه تزمُّت أو استبداد حزب "العدالة والتنمية" الحاكم. غالاتا الذي كان ما يزال في زمن فتوة الشاعرة مخضّباً بتلك الكآبة التي قاربها مراراً في رواياته مواطنها، الكاتب أورهان باموك. كآبة ناتجة من بريق ضائع وعالمٍ توارى مع تواري الأقليات اليونانية والأرمنية واليهودية التي كانت تعيش في هذا الحيّ وتشكّل روحه وملحه: "في المدينة المهزومة، مرآةٌ فارغة، شاهدة قبر وُضعت قبل أوانها، نظرةٌ مجروحة لم تعد تتصوّر المستقبل، بل فقط الماضي"، تكتب أردوغان المنفية في فرانكفورت والتي باتت لغتها الأم وطنها الوحيد: "فقط في لغتنا الأم تأخذ الكلمات وزنها الحقيقي"، ولكن "إن عصرتُ وعصرتُ الكلمات، هل سأتجاوز الليل؟".

بعد تجوالها في الحيّ المذكور حيث طوى الحلم جناحيه، تقودنا الشاعرة إلى مدنٍ بعيدة لا تسمّيها. باريس؟ لندن؟ فيينا؟ لا ضرورة لتحديد هذه الأماكن لأن المدينة، بالنسبة إلى أردوغان، هي خصوصاً ذريعةٌ لنفي نفسها ومكانُ فيض جُمَلها، وطرقات هذه المدينة معبَّدة بالألفاظ، تتوه ونتوه معها "على الأرضية القاحلة للكلمات". كلمات "مثل عِظامٍ منبثقة من تحت الأرض" تطلق نحونا "صرخاتٍ قديمة، مستهلَكة" كي ننطلق "على طرقات الأبدية الملتوية" ونتبع "مسار الحلم" الذي يقود خطانا نحو "ما توارى منذ زمنٍ سحيق". مكانٌ تنبشه الشاعرة وتنقّب فيه بإلحاح، صفحة بعد صفحة، بحثاً عن شيءٍ نجهله. مكانٌ "تشبه الليالي فيه زُقاقاً لا نهاية له، يغوص في تلك البلاد التي نسميّها الحياة، بلاد "يبرعم الأموات" فيها وتزهر الحجارة بدلاً من الصراخ.

نشيد مأتمي

حين نقرأ "نشيد مأتمي لمدينة ضائعة"، نحاول عبثاً العثور على محورٍ مركزي لنصوصه، على موضوعٍ رئيسي له، على مصدرٍ لنثره الشعري الآسِر. سفر "التكوين"؟ نظنّ ذلك في البداية، حين نقرأ في مطلعه: "في ما مضى كان النور. والكلمة". عزلة الشاعرة؟ سؤالٌ مشروع في ضوء ما نقرأه في أحد نصوصها: "إن أمضيتُ كل الليل أمام صفحات بيضاء، فكي أتحاور مع عزلتي". الحب؟ تقول أردوغان فيه: "الحب الذي منحْتَني يوماً إياه (...) ذاب مثل ندفة ثلجٍ خارقة في يد طفلٍ كان يريد التأمّل فيها بافتتان". الزمن؟ لم لا، بما أنها تتماثل به: "أنا الجسد الذي ينجب الزمن". العودة إلى الطفولة؟ وجهةً ثابتة لها لسبب بسيط: "كنت بريئة في ما مضى". وماذا عن النسيان الذي تقاربه بقولها: "تسيرُ في هذه الشوارع التي كانت ذات يومٍ شوارعك"؟ أو عن الدم الذي يسيل بغزارة داخل صفحاتها: "عالمٌ بحدودٍ مرسومة بدمٍ أحمر"، أو "اختلط الدم بالماء"، أو "دم برائحة زهورٍ برّية"؟ أو عن تجربة السجن: "كنّا مكوَّمات، جنباً إلى جنب، بأكتافٍ متراصّة"؟ أو عن الحياة والموت: "كما يتبع الظلّ النور، يلاحق الموت اتّقاد الحياة"؟

الأكيد هو أن هذا النشيد يشخص في جميع هذه المواضيع وغيرها من دون أن يقتصر خطابه على أيٍّ منها، مبحراً أبداً بين "الأنا" و"الأنت"، مغيّراً إيقاع نثره باستمرار، متقدّماً تارةً، ومتراجعاً تارةً أخرى، قبل أن ينتهي مكوّراً على نفسه بصمتٍ بليغ. نشيد تنزلق مدوّنته الموسيقية الحميمة تحت جلدنا وتهزّ كياننا بطرحها وسبرها بلا هوادة سؤال ماهيّته. وإذ لا مجال هنا لاستحضار كل ما تقوله أردوغان فيه، نكتفي بجملة واحدة تحدّد فيها بكلمات بسيطة لكن صائبة حافزها الأول إلى الكتابة والمكان الذي تمارس فيه هذا الفعل: "نكتب لمطاردة العالم الذي يفرّ بسرعة رهيبة (...). أما أنا، فعالقة هنا، في دهشة الليل، خلف حدود العالم والحلم".

المزيد من ثقافة