Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حوف جنَّة اليمن في زمن كورونا

الحكومة أعلنتها محمية طبيعية باعتبارها من أكبر الغابات في شبه الجزيرة العربية

الحوف غابة طبيعية باليمن (اندبندنت عربية)

في أقصى الشرق اليمني على بُعد بضع كيلو مترات من الحدود اليمنية العُمانية، تمتدُّ محمية حوف الطبيعية بمحافظة المهرة، كواحدة من أجمل صور الطبيعة الساحرة في اليمن، التي تجذب آلافاً من السياح سنوياً من اليمن والدول الخليجية المُجاورة. 

وبحسب مسؤولين محليين تفتقر المحمية لمزيد من عوامل التشجيع السياحي في ظل غياب الاهتمام الحكومي، في حين شهد موسم الخريف لهذا العام تراجعاً ملحوظاً في إقبال السياح، نظراً لانتشار جائحة كورونا، وبعد اتخاذ السلطات المحلية حزمة من الإجراءات الاحترازية لمواجهة الوباء في المديرية. 

الطريق إلى حوف 

مختار بامرحول، من أبناء محافظة شبوة بجنوب اليمن، يقيم في السعودية منذ سنوات، سمع كثيراً عن محمية حوف الطبيعية في أقصى شرق اليمن، وقرَّر الاستفادة من وقت الإجازة في مسقط رأسه بمحافظة شبوة، والتوجُّه إلى محمية حوف شرقاً، مع مجموعة من رفاقه. ستكون الرحلة شاقّة بعض الشيء، ليس في قطع ألف كيلو متر من قرية لهية إلى حوف، لكن بالإضافة إلى بُعد المسافة، هناك مشكلة تآكُل الطريق الأسفلتي القديم الذي يكاد يكون خارج الجاهزية الفنية، وكثرة حواجز التفتيش الأمنية وأسلوبها المُعقّد، في بلد تسوده الحرب والانفلات الأمني، غير أن الشوق كان دافعاً له ومن معه لتحمُّل مشاق الطريق. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يقول مختار "بصراحة، رحلتنا لمحمية حوف أتت بالصدفة، حيث قرَّرنا ذات يوم أنا ومجموعة من رفاقي التوجُّه لزيارة محمية حوف، وهكذا انطلقنا والشوق يتملّكني لزيارة جنّة اليمن الشرقية، نحو ألف كيلو متر كانت المسافة التي علينا أن نقطعها، وصلنا الجمعة إلى المكلا – مركز محافظة حضرموت - وقضينا ليلتنا فيها، ثم تحركنا صباح اليوم التالي باتجاه البوابة الشرقية لليمن ومررنا بعدَّة مناطق جميلة لأول مرة نشاهدها، وهي الشحر والحامي والديس الشرقية والمسيلة وعتاب وقشن وسيحوت، وشاهدنا ميناء نشطون المهري، وأخيراً وليس آخراً وصلنا إلى مدينة الغيضة عاصمة محافظة المهرة، ومن ثم وصلنا إلى الحوف".

يُضيف مختار واصفاً حوف المحمية المكسوّة بالبساط الأخضر "شاهدنا جمال طبيعتها الخلاب، وجبالها الشاهقة التي يغطيها الضباب بين لحظة وأخرى، وكهوف في أعماق الجبال... جمال طبيعي ساحر يُزيل عن النفس ضغوط الحياة اليومية، إنه الإحساس بجمال الطبيعة بوجود الكائنات الحية وغزارة النبات الطبيعي في مشاهدة خيالية تأسر الناظرين".

 

طبيعة ساحرة ولكن

كل ذلك الجمال لم يحظ باهتمام وتشجيع الحكومة اليمنية ولا رأس المال المحلي، بحسب مختار، ويقول "رغم التنوع النباتي الكبير في حوف، فإنني لم أشاهد بعض الأشجار المُثمرة كأشجار اللبان التي تُعد إحدى الأشجار التي ارتبطت بتاريخ اليمن الحضاري في عصور ما قبل الميلاد، وكان من الأحرى غرس أشجار اللبان بكثرة لكي تُعطي نكهة وبخوراً طبيعياً للمحمية، وغرس أشجار مُثمرة أخرى تتناسب وطبيعة المحمية، كما أن المحمية تفتقر لكثير من مقومات السياحة، فهناك نقص في الخدمات الفندقية، حيث لم نشاهد إلا ثلاثة فنادق فقط متفرقة في أنحاء المحمية، ما يُسبِّب حرجاً للزوار الذين لا يجدون مكاناً للمبيت في المحمية، ويجعل البعض منهم يُغادر على عجل لعدم وجود المأوى، وكذلك الحال بالنسبة للمطاعم والبقالات؛ فهي نادرة، وهناك كثير من الخدمات التي ينتظر السائح توفيرها، ونتمنى من الجهات المسؤولة توفيرها والاستفادة من هذه الطبيعة بشكل أفضل".

لهذا حوف محمية طبيعية

بحسب مدير عام محمية حوف، سالم رعفيت، تُعد محمية حوف الطبيعية القبلة الأولى للسياحة المحلية، كونها تتمتع بمناظر طبيعية خلابة من النباتات والغابات والأشجار والطيور والسلاحف والحيوانات البرية، كالنمر العربي الذي يُعد الرمز الوطني للجمهورية اليمنية. 

ويشير رعفيت إلى أن الحكومة اليمنية أعلنت غابة حوف محمية طبيعية في شهر أغسطس (آب) عام 2005م باعتبارها من أكبر الغابات في شبه الجزيرة العربية، حيث تسودها النباتات الاستوائية الموسمية منذ مئات السنين، كما تُعد غابة موسمية مُحاطة بنظام بيئي جاف بعد موسم سقوط الأمطار وموطن لعديد من النباتات والحيوانات والطيور النادرة.

تضم المديرية ثلاثة تجمُّعات حضرية وهي (رهن وجاذب وحوف)، وتشتمل عدَّة تجمُّعات قبلية مُتناثرة، ويعتمد سكانها على الصيد والزراعة وتربية المواشي، أما الجزء الجبلي منها عبارة عن سلسلة جبلية.

 

تنوُّع نباتي وحيواني

يستعرض رعفيت محتويات ومميزات المحمية قائلاً "يُوجد في حوف 45 نوعاً من الأشجار و49 نوعاً من الشجيرات و88 نوعاً من الأعشاب العطرية، و10 أنواع من النباتات المُتسلقة و7 أنواع من أعشاب ونباتات البردي، و12 نوعاً من النباتات الزراعية، و9 أنواع من النباتات المائية الطحلبية، كما أن نباتات المحمية تُشكِّل 7 في المئة من مجموع نباتات اليمن التي تُقدَّر بنحو 300 نوع نباتات، فهناك عدَّة أنواع من الأشجار والشجيرات والنباتات العطرية، ومن أهمها السدر والمشط والحومر والخدش والعضد والأسفد والكيليت والفيطام، ويعتمد سكان القرى الريفية على هذه الأشجار والشجيرات البرية لمدهم بالغذاء والدواء، حيث يتم استخلاص بعض العلاجات المضادة لعدد من الأمراض".

يوجد في المحمية أيضاً عدد من الحيوانات البرية مثل النمر العربي الضباع والقنفذ والذئب العربي والثعلب الأحمر والوعول والغزلان والوبر والغزال، وغيرها، وتربَّى فيها عديد من الأبقار والجمال والضان والماعز، وتُعد كذلك مأوى لعديد من الزواحف والحشرات المختلفة، كما تحتوي على أكثر من 65 نوعاً من الطيور، منها 6 أنواع من الطيور النادرة. 

 

تنوُّع بحري

البيئة البحرية في "حوف" غنية بالثروة السمكية، فهي تمتد بمُحاذاة السواحل الجنوبية لبحر العرب، ويتناسق موقعها الجبلي بشكل طبيعي مع ذلك الامتداد البحري، وصولاً إلى نقطة التقاء طبيعية في منطقة رأس فرتك الذي تطل عليه، والبيئة البحرية غنية بالأسماك كالثمد والديرك والشروخ والربيان والقرش، ويتم اصطياده بكميات كبيرة وتجفيفه على امتداد طول الساحل، ثم يتم بيعها كأعلاف للحيوانات وسماد للحقول الزراعية، كما توجد فيها أنواع من الدلافين، وتُعد حوف من المواقع الهامة لتعشيش السلاحف النادرة التي تم إدراجها ضمن قوائم الاتفاقية الدولية.

تراجع الإقبال بسبب كورونا 

عن موسم الخريف السياحي الذي يحلُّ هذه الأيام في حوف، يقول رعفيت إن السياح يتوافدون إلى المحمية في مثل هذه الأيام من كل عام، فهناك السياحة المحلية، حيث يأتي إليها السياح من عدَّة محافظات يمنية، وفي مقدمتها المهرة وحضرموت وشبوة، أما السياحة الخارجية فأغلبها من الدول الخليجية، وعلى رأسها سلطنة عمان المجاورة لمحافظة المهرة، إذ لا تبعد حوف عن الحدود العمانية إلا ببضعة كيلو مترات.

 يستدرك "موسم الخريف لهذا العام شهد تراجعاً ملحوظاً في أعداد السياحة نتيجة انتشار جائحة كورونا عالمياً، وفي ظل الإجراءات الاحترازية التي أعلنتها السلطات اليمنية". 

وكانت السلطات في محافظة المهرة قد أقرَّت آلية لمنع ازدحام الزائرين في محمية حوف الطبيعية الواقعة على الحدود اليمنية العُمانية تزامناً مع اقتراب موسمها السياحي لهذا العام.

 وبحسب الإعلام الحكومي ناقش محافظ المهرة محمد ياسر قبل عدَّة أيام احتياجات محمية حوف من الدعم الصحي في ظل جائحة كورنا، وضرورة مد مستشفى حوف بالأجهزة والمعدات اللازمة، إلى جانب صيانة خطوط نقل المياه الرئيسة المتضررة من السيول والأمطار جرَّاء الحالة المدارية التي تأثرت بها المديرية. 

 

ضعف الاهتمام 

يأسف مدير محمية حوف من ضعف اهتمام الحكومة اليمنية بالمحمية، ويوضح ذلك بالقول "هناك عدم اهتمام من الحكومة المركزية والسلطة المحلية تجاه هذا الكنز العظيم محمية حوف الطبيعية الساحرة. نحن في إدارة المحمية نُعاني ذلك وبكل أسف. الدعم لا يوجد، ليس لدينا في إدارة المحمية موظفون أو متعاقدون أو مُوازنة تشغيلية للاهتمام بالمحمية، لدينا أفكار تطويرية للارتقاء بالخدمات لكن شُح الإمكانيات يقف عائقاً أمامنا، وهناك جهود تطوعية من جمعيات خيرية ومتطوعين ومنتديات شبابية، تقوم بين الحين والآخر بحملات التوعية وتنظيف المحمية من الأكياس البلاستيكية والمخلفات التي يخلفها الزوار".

تطلُّعات وآمال 

عن تطلُّعات إدارة المحمية ومطالبها للحفاظ على المحمية يقول رعفيت "نطالب الحكومة والمنظمات الدولية المهتمة بالتنوع الحيوي، ودعم المحمية بالمتطلبات الضرورية كإيجاد شباك للمزارعين من سكان المحمية بدلاً من الإضرار بالبيئة عن طريق قطع الأشجار، ووضع دفاعات أسمنتية وحواجز لصد السيول والفيضانات التي تُهدّد المديرية، واعتماد موازنة تشغيلية لتفعيل دور المحمية وتنظيم حملات التوعية المجتمعية للحفاظ على التنوع الحيوي، وحملات أخرى للنظافة العامة لحماية البيئة في موسم الخريف، كما لا بدَّ من إطلاق حملة إعلامية كبرى للترويج لهذه المحمية محلياً ودولياً، وتشجيع الاستثمار في إقامة مشاريع سياحية تُساعد على جذب مزيد من السياحة المحلية والخارجية".