Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الغزل الديمقراطي والخوف الإيراني

تبقى الخيارات بين الطرفين مفتوحة في انتظار ما ستسفر عنه المعركة الانتخابية التي لم تدخل مرحلة السخونة بعد

يبدو أن إيران ترغب بفوز الحزب الديمقراطي في الانتخابات الأميركية القادمة ( أ ف ب )

قد يكون النظام الإيراني من أكثر الأنظمة في العالم انتظاراً لنتائج الانتخابات الأميركية، والأكثر ترقباً وتوجساً من المئة يوم المتبقية على انطلاق هذا السباق. وعلى العكس من التجارب التاريخية في العلاقة بين السلطة في إيران والإدارة الأميركية- إن كان في زمن العهد الملكي السابق أم في عهد الثورة الإسلامية ونظامها- يبدو أن قيادة النظام الإيراني لا تخفي رغبتها وتمنياتها في عودة الحزب الديمقراطي الأميركي إلى البيت الأبيض مع جو بايدن، على حساب الرئيس الحالي دونالد ترمب وحزبه الجمهوري.

والرهان على عودة التفاهمات التي بلورها الاتفاق النووي في عهد الرئيس السابق باراك أوباما- الذي شكلت إدارته الملف الإيراني والتعامل مع النظام تغييراً لافتاً- قد يكون جوهرياً خلافاً للسائد تاريخياً في العلاقة بين واشنطن وطهران التي كانت تشهد توتراً دائماً في ظل الإدارات الديمقراطية وتعاوناً إيجابياً (زمن الشاه) وبراغماتياً (زمن النظام الإسلامي) في ظل الإدارات الجمهورية.

حالة الانتظار التي يعيشها النظامان الأميركي والإيراني، التي قد تمتد إلى العاشر من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، أي إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية رسمياً، تترافق مع مساعي كل من الطرفين إلى ترسيم حدود المواجهة والسير على حافة المواجهة والانفجار، إذ إن إدارة ترمب لن تتردد في اللجوء إلى ممارسة أي نوع من الضغوط لإجبار النظام الإيراني على القبول بالجلوس إلى طاولة المفاوضات من دون شروط مسبقة وتحت وطأة العقوبات التي أُعيد فرضها بعد إعلان الانسحاب من الاتفاق النووي، سواء كان عبر عمليات عسكرية جراحية موضعية لكن مؤذية لطهران كاغتيال الجنرال قاسم سليماني، أم من خلال تضييق الخناق اقتصادياً عليها وعلى حلفائها في الإقليم.

من ضمن هذه الإجراءات عرقلة انطلاق العملية السياسية للحل في سوريا، وليس آخرها التحرش بطائرة خطوط ماهان التابعة لحرس الثورة. في حين أن النظام الإيراني وحلفاءه وبالتزامن مع انشغالهم في التصدي للحصار والضغط الأميركي ومحاولة التقليل من آثاره السلبية، فضّلا الذهاب إلى خيار الرد الاقتصادي من دون إسقاط إمكانية اللجوء إلى العمل العسكري الذي رفع سقفه المرشد الأعلى للنظام رداً على اغتيال سليماني وحدد له هدفاً استراتيجياً، وهو إخراج القوات الأميركية من العراق ومنطقة غرب آسيا.

بالتزامن، إن وصول طهران إلى المراحل النهائية في بحثها عن آلية عقد اتفاقية استراتيجية اقتصادية مع الصين وتمديد معاهدة التعاون مع روسيا لمدة خمس سنوات وبدء بحث عقد اتفاقية مماثلة معها على غرار الصين، مواضيع شكلت ورقة ضغط إيرانية اقتصادية على الدول الأوروبية الأعضاء في مجموعة دول 5+1 الراعية للاتفاق النووي، بإمكانية خسارة فرص الاستثمار داخل إيران نتيجة عدم التزامها بتطبيق تعهداتها الاقتصادية والمالية في الاتفاق ولاحقاً في تفعيل آلية التعامل المالي "انستكس" بعد الانسحاب الأميركي.

ولعل المستهدف من التحرك الإيراني "شرقاً" هو الطموحات الاقتصادية لإدارة الرئيس ترمب بدخول السوق الإيرانية، التي عبر عنها عام 2017 عندما تحدث عن الفوائد الاقتصادية التي حصلت عليها الدول المشاركة في الاتفاق فيما لم تحصل الولايات المتحدة من الاتفاق على أي امتياز اقتصادي. فالهدف غير المعلن للعقوبات هو إرباك التعاون بين طهران والعواصم الأخرى التي سارعت إلى الاستثمار واقتناص الفرص الاقتصادية الواسعة. لذلك، من غير المستهجن أن تصف كبريات الصحف الأميركية الاتفاق الاستراتيجي بين طهران وبكين بأنه ضربة قاسية لسياسة العقوبات التي طبقها ترمب ضد إيران.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المعركة المفتوحة تحت سقف منضبط بين واشنطن وطهران، لم تدفع النظام الإيراني إلى حسم خياراته في التعامل السلبي مع إدارة البيت الأبيض الجمهورية والرهان على عودة الديمقراطيين. وعلى الرغم من الإشارات الإيجابية التي وردت في البرنامج الانتخابي للحزب الديمقراطي في شأن إيران والتي لا تخفي نية العودة إلى الاتفاق النووي والتخلي عن عقيدة تغيير النظام الإيراني في حال نجاح مرشحهم بايدن في الانتخابات. إلا أن أوساطاً إيرانية دبلوماسية على ارتباط بالمفاوضات النووية تعتقد بصعوبة التزام الديمقراطيين بالعودة إلى الاتفاق النووي نتيجة الوضع الذي نشأ عن سلسلة العقوبات القاسية التي فرضتها إدارة ترمب. وتتوقع أن تكون العودة ضمن شروط معقدة قد تفرض على الجانب الإيراني الدخول في مفاوضات جديدة من أجل التوصل إلى تعديل الاتفاق أو عقد اتفاق جديد يأخذ في الاعتبار المستجدات والحقائق التي كشفت عنها سياسة العقوبات الجمهورية في السنوات الثلاث الماضية. من هنا، فإن توجهاً داخل النظام والإدارة الدبلوماسية في إيران يعتقد بحاجة طهران إلى الإبقاء على قنوات التواصل مع إدارة ترمب مع إمكانية التحول إلى منصة سياسية لمفاوضات مباشرة أو أكثر عمقاً ما بعد الانتخابات في حال عودة ترمب أو خصمه بايدن.

وترى هذه الأوساط الدبلوماسية أن عودة الديمقراطيين للتلويح باعتماد سياسة التخلي عن تغيير النظام الإيراني يدخل في باب الابتزاز السياسي للقيادة الإيرانية التي تعتقد أن الإدارة الأميركية مهما كانت طبيعتها لن تتخلى عن مطلب تغيير السلوك الإيراني في الإقليم بدلاً من مطلب تغيير النظام.

وتعتقد تلك الأوساط أن عودة الديمقراطيين تعني عودة النهج السياسي للرئيس باراك أوباما، أي الفصل بين مساري النفوذ الإيراني الإقليمي الذي وجدت طهران يدها مطلقة فيه، والتهديد الوجودي للدولة الإسرائيلية الذي لن تتساهل أميركا في التعامل الحاسم معه وبوجه أي خطر حقيقي يتهدد تل أبيب. ويبقى الخلاف أو الصراع بين الطرفين (إيران وأميركا) محصوراً تحت سقف قدرة كل منهما على تحسين شروط الشراكة في الإقليم والمنطقة.

ما بين دعوات ترمب النظام الإيراني إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، وبين ما كشفه البرنامج الانتخابي للديمقراطيين عن نيتهم العودة إلى الاتفاق، لن تكون الأمور سهلة لا على بايدن المتحفز للفوز، ولا على الجانب الإيراني الذي لم يذهب إلى خيار رفض التفاوض والوقوع تحت سيف العقوبات.

فيبدو أن بايدن والديمقراطيين غير مستعدين للجلوس إلى طاولة المفاوضات من دون شروط جديدة، لكن هل يرضى النظام في طهران بتغيير ترمب كمدخل للتفاوض وحتى التنازل؟

مع هذا تبقى الخيارات بين الطرفين مفتوحة في انتظار ما ستسفر عنه المعركة الانتخابية التي لم تدخل مرحلة السخونة بعد وما زال أمام الجميع مهلة 100 يوم لمعرفة الصورة التي ستكون عليها الأوضاع.

المزيد من تحلیل