Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

زيارة الكاظمي إلى طهران شروط أم رسائل؟

مراقبون يرون أنها تكرر مهام رؤساء الوزراء السابقين الذين دأبوا على الاكتفاء بدور "ساعي البريد"

الكاظمي خلال اللقاء مع روحاني في طهران (أ ف ب)

مع انتهاء زيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى طهران ولقائه المرشد الإيراني علي الخامنئي، تتزايد التساؤلات بشأن إمكانية أن تكون تلك الزيارة منطلقاً لخلق واقع جديد في العلاقة بين الطرفين، من خلال جملة تفاهمات يكون عنوانها ضبط المليشيات الموالية لطهران مقابل تعاون اقتصادي أكبر من جانب العراق. 

ويبدو أن خامنئي الذي لم يلتق أحداً منذ أشهر مع تفشي وباء كورونا سوى الرئيس الإيراني حسن روحاني، حرص على استقبال الكاظمي، الأمر الذي يعطي انطباعاً بأن لهذه الزيارة أبعاداً مهمة بالنسبة لصانع القرار في طهران. 

بوابة للتسويات 

وعلى الرغم من تحذير الخامنئي من نتائج الوجود الأميركي على الحدود الإيرانية العراقية، والذي قال إنه "يتسبب بانفلات أمني"، شدد في الوقت نفسه على أن "بلاده لن تتدخل في علاقة بغداد بواشنطن"، ما يعزز الفرضية التي تقول إن إيران قد تحاول صياغة تفاهم أشمل لا يقتصر على العراق بل يوفر بوابة تسوية مستقبلية مع الولايات المتحدة. 

وقال خامنئي بحسب موقعه الرسمي إن بلاده "تتوقع الالتزام بقرار البرلمان العراقي طرد القوات الأميركية حيث أن تواجدها سبب لانفلات الأمن".

وتستمر طهران بالتأكيد على ضرورة إنهاء الوجود الأميركي في العراق، إلا أن حديث الكاظمي في المؤتمر الصحافي مع الرئيس الإيراني حسن روحاني، والمتعلق بضرورة احترام مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، بدا وكأنه محاولة لتقديم جملة من القضايا على طاولة صانع القرار الإيراني للتوصل إلى تفاهمات متبادلة، على عكس ما كان يجري في ظل حكومات سابقة من تفاهمات لا يحصل العراق من خلالها على شيء يذكر.

ويرى مراقبون أن الزيارة ليست سوى تكراراً لمهام رؤساء الوزراء السابقين الذين دأبوا على الاكتفاء بدور "ساعي البريد" بين القوى الرئيسية المختلفة في المنطقة مثل طهران والرياض وواشنطن.

ويأتي سعي الكاظمي المستمر لضبط وتحييد الفصائل المسلحة الموالية لإيران، بالتوازي مع رغبة طهران في رفع معدل تبادلها التجاري شبه الأحادي مع العراق إلى حدود 20 مليار دولار سنوياً، ما قد يتيح للكاظمي مساحة المناورة في إيصال رسالة لصانعي القرار في إيران بأن حسم تلك الملفات يفترض حواراً شاملاً بشأن ما يمكن لطهران تقديمه بالمقابل. 

شروط عراقية أمام مرشد طهران

في هذا السياق، يقول الكاتب والصحافي سرمد الطائي لـ"اندبندنت عربية"، إن "المرشد الإيراني بات يدرك المتغيرات الحاصلة، ابتداءً من الرأي العام العراقي المضاد، وصولاً إلى اضطراره القبول بسيناريو عراقي في تعيين رئيس وزراء على خلاف العادة، وهو الأمر الذي دفعه للإنصات إلى فريق الإصلاحيين لتقليل الخسائر"، مبيناً أنه "برغم انحياز الخامنئي لفريق حرس الثورة مقابل الإصلاحيين في الصراع الإيراني الداخلي، إلا أنه في لحظات صعبة يمنح الإصلاحيين تخويلاً بالعمل، في محاولة لامتصاص الغضب الغربي".

وبشأن ما حملته زيارة الكاظمي من رسائل، يشير الطائي إلى شروط عراقية جديدة لبناء شكل مغاير للعلاقة بين بغداد وطهران، تتلخص في "كون العراق غير مستعد للغرق مع إيران على غرار اليمن وسوريا ولبنان"، مردفاً أن "تقديم التسهيلات لإيران مرهون بتقديمها تنازلات في ملفات عدة أبرزها؛ ما يتعلق بضبط المليشيات والحدود".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي سياق حديث الكاظمي عن أن العراق لن يكون منطلقاً لهجمات على إيران، يبين الطائي أن "هذا الأمر مرهون بالتزام طهران في ضبط انفلات مليشياتها"، لافتاً إلى أن "صانع القرار في طهران بات يدرك عواقب تأخر حسم تلك الملفات".

ويشير إلى أن "دول الخليج الباحثة عن فرص ممكنة للعمل العربي المشترك ومحاولة البدء بشراكة موثوقة مع بغداد لبناء اقتصاد وأمن المنطقة، تشكّل مصدر قلق إضافي لطهران الساعية إلى عرقلة محاولات العراق للعب دور فعال في المنطقة".

ووفقاً للطائي، فإن التيارات الموالية إلى إيران، باتت عاجزة عن مواجهة خطوات الكاظمي، الأمر الذي يدفعها إلى محاولة "الإستثمار" في الكاظمي، وهو ما قد يصب في النهاية في مصلحته الكاظمي نفسه.

ويشير إلى أن "عدة مراحل مرت بها علاقة التيار الموالي لطهران بالكاظمي، بدأت بالتخوين ثم الصدام، إلا أنها باتت تتحرك مؤخراً في سياق محاولة التعايش مع الوضع الجديد الذي يشتمل على صراع مع التيار الوطني على امتلاك مفاتيح الكاظمي"، مبيناً أن "المرحلة الرابعة لتلك العلاقة هي محاولة تبني الكاظمي التي بدأت على إثر لقائه الأخير مع الخامنئي"، وهذا الأمر يعطي انطباعاً بأن التيارات الموالية لإيران عاجزة عن مواجهة تلك الخطوات، وتحاول تصوير حراك الكاظمي على أنه يقترب منها حتى لا تبدو خاسرة في هذا الصراع أمام مؤيديها، الأمر الذي يزيد زخم حراك الكاظمي.

"ناقل الرسائل" 

ويقلل مراقبون من إمكانية أن يدير الكاظمي ملفاً شائكاً كهذا، حيث أشاروا إلى أن مهمته تتلخص بكونه "ناقل الرسائل بين طهران وواشنطن"، ما يعني أن رئيس الحكومة سيترقب إمكانية أن تشتمل تسويات محتملة بين تلك الأطراف على حلول للملف العراقي.

من جانبه، يستبعد الباحث في الشأن السياسي أحمد الشريفي أن تكون زيارة طهران منطلقاً لخلق واقع جديد في العلاقة بين الطرفين، مشيراً إلى أن "الدول التي تعاني من ازمات مركبة في الداخل تحتاج لقرارات حاسمة وجريئة وليس جولات غير مجدية".

ويضيف لـ"اندبندنت عربية"، "الكاظمي يلعب دور ناقل الرسائل بين طهران وواشنطن وليس الضغط على الأخيرة"، مبيناً أن "هذا تقزيم لدور العراق في مجرد محاولة تقريب وجهات النظر بين إيران وأعدائها، على أمل أن تشتمل أي تسوية بين تلك الأطراف على حسم ملفات داخلية عراقية دون أن يكون له دور فيها".

ويتابع، "لا نستطيع اخفاء رغبة العراق في لعب دور الوسيط لتقريب وجهات النظر بين ايران والسعودية، لكنها يجب ألا تمثل الأولوية بالنسبة لرأس الهرم التنفيذي في بغداد".

توقيت مفصلي

وعلى الرغم من تشابه تلك الزيارة مع زيارات متكررة لرؤساء الوزراء السابقين، إلا أن الاهتمام الاعلامي والسياسي الكبيرين، يعطيان انطباعاً بأنها تجري في توقيت مفصلي سواء بالنسبة لبغداد أم طهران. 

وتأتي تلك الزيارة بعد تصعيد مستمر ومتبادل بين الكاظمي وحلفاء طهران في العراق، كان أبرزها حملة على المنافذ الحدودية التي يُعتقد أنها باتت ممراً استراتيجياً ومالياً بالنسبة للقوى الموالية لطهران، بعد تقارير تحدثت عن ضعف تمويل إيران للجماعات المسلحة المرتبطة بها مؤخراً، فضلاً عن قضية ربط الطاقة مع الخليج والتي قد تدفع طهران لمحاولة التسوية مع العراق خوفاً من أن يتجه العراق بشكل أكبر نحو المحور المضاد لها، والذي يرى مراقبون أن أدواته باتت شبه متوفرة.

في غضون ذلك، أشارت مصادر مقربة من أجواء الحكومة العراقية إلى أن "الكاظمي مستمر بعزمه ضبط المنافذ وتفعيل تفاهمات ربط الطاقة، مهما كانت نتائج الزيارة إلى طهران"، مبينة أن "تلك القضايا تتعلق بفرض هيبة الدولة ولا يمكن أن يشتمل أي تفاهم مع إيران على العدول عنها".

وأضافت المصادر لـ"اندبندنت عربية"، "العراق يحاور إيران من منطلق الندية، وطهران مهتمة في هذه المرحلة بصناعة نوع من التسوية في العراق قد توفر لها مدخلاً لفتح حوار مع المجتمع الدولي يخفف من القيود المفروضة عليها".

وبإغلاق ملف زيارة طهران، يكون الكاظمي قد قطع ثلث الطريق في رحلته بين العواصم الثلاث طهران والرياض وواشنطن، والتي ينتظر كثيرون في أن تسفر عن خلق واقع جديد، إلا أن عقبات كثيرة قد تقف في هذا المسار في ظل الإشكالات المركبة التي يعاني منها العراق في الآونة الأخيرة.

المزيد من تحلیل