Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فنانو الكاريكاتير العرب يواجهون كورونا بالسخرية والابتسامة

"معاً نواصل الحياة" مبادرة فنية شارك فيها 100 فنان لتأريخ وتوثيق أيام الوباء

ربط الفنانون العرب الجائحة بالهم الإنساني والمجتمعي والسياسي والاقتصادي في بانوراما فنية (اندبندنت عربية)

يشهد العالم لحظة فارقة، إذ إنها من المرات القلائل التي يجتمع فيها سكان كوكب الأرض جميعهم على مواجهة عدو واحد، هو فيروس كورونا، وقد كان الظرف الحالي دافعاً لفناني الكاريكاتير لمواجهة الوباء بسخريتهم المعهودة من خلال الريشة التي تحمل الفن ممزوجاً بأوضاع اجتماعية وسياسية واقتصادية محيطة بالفنان، تدفعه إلى التعبير عن الأزمة، بوجوه مختلفة وصور متعددة للمشهد نفسه.

ودشّن الملتقى العربي لرواد الكاريكاتير مبادرة، لإقامة معرض جماعي، وإصدار كتاب خاص، يضم أعمالاً كاريكاتورية، يقدّمها فنانون من كل أقطار الوطن العربي، متعلقة بفيروس كورونا، ولاقت المبادرة صدى وتجاوباً كبيرين عند الفنانين، إذ شارك 100 فنان عربي، وقدّموا نحو 1500 عمل كاريكاتيري، لتمثل ليس فقط قيمة فنية لمن يهتم بهذا النوع من الفن، إنما أحد أشكال التوثيق والتأريخ لتعامل البشر مع الأزمة، وتعاطي الفنانين من كل أقطار الوطن العربي معها.

تفاعل فني

يقول عماد جمعة، مؤسس ومدير الملتقى العربي لرواد الكاريكاتير، لـ"اندبندنت عربية"، "بعدما تأثر العالم بفيروس كورونا، وتوقفت النشاطات الفنية والثقافية كان لزاماً علينا أن نبحث عن البدائل. فكرت أن يكون للملتقى إسهام وتفاعل مع جائحة كورونا، خصوصاً بعدما شاهدت تفاعل فناني الكاريكاتير على صفحات التواصل الاجتماعي مع الكارثة، وتوصّلنا إلى تدشين معرض للأعمال المشاركة، وكتاب توثيقي تأريخي للحدث يُجرى إخراجه وتوزيعه إلكترونيّاً كخطوة أولى على كل المشاركين، وعلى من يرغب في الاطلاع عليه، ثم طباعته كإحدى مطبوعات الملتقى لتوثيق هذه الرسوم الكاريكاتيرية، ورصد تفاعل فناني الكاريكاتير العرب مع هذه الأحداث غير المسبوقة للتاريخ وللأجيال القادمة عبر الرسوم".

دور الكاريكاتير في الأزمات

وعن طبيعة العلاقة التناقضية بين فن الكاريكاتير الذي يهدُف إلى رسم الابتسامة والظرف الحالي المتمثل في انتشار الجائحة بكل أرجاء العالم، أضاف جمعة "الكاريكاتير من أقوى الفنون التي تلتصق بالشعوب، وتنتصر لها. هو خبز يومي نتناوله عبر المواقع الإلكترونية والصحف والمطبوعات الورقية ومواقع التواصل الاجتماعي، يتفاعل دائماً مع قضايا الشعوب وحياتهم اليومية، خصوصاً أوقات الأزمات التي تفجّر طاقات الرسامين، فيحملون هموم الناس ومعاناتهم، ويعبّرون عن ذلك برسوماتهم، التي تصل إلى فكر وعقل الجماهير بسلاسة ويسر".

 

 

وتابع، "هذا ما حدث مع جائحة كورونا، لم يكن لينفصل فنان الكاريكاتير عن شعوب العالم، وليس شعبه وبني وطنه فقط فراح يعبِّر بشكل يومي عن تطورات الحدث والمستجدات، متفاعلاً مع كل التفاصيل والإجراءات التي اتخذتها الدول لمحاصرة انتشار الوباء، فكانت ريشته هي التعبير الصادق والساخر عن مخاوف البشر وكيفية الخلاص من هذا الخوف، ومواجهة الفيروس بالالتزام، مع التركيز على دعوات مثل (خليك في البيت) و(دعم الجيش الأبيض)".

توجهات مختلفة

كيف تناول الفنانون فيروس كورونا؟ وما أوجه الاختلاف بين الأعمال؟ أجاب "ربطت الرسومات الجائحة بالهم الإنساني والمجتمعي والسياسي والاقتصادي في بانوراما إبداعية فنية، أقرب إلى معزوفة إنسانية، يتضامن فيها البشر، ويتحدون لمواجهة هذا الخطر، فجاءت الأعمال تنويرية إرشادية تعتمد على التوجيه بشكل فني غير مباشر، مثل ظهور كثير من الناس داخل البيوت أو أمامهم قضبان حديدية كأنهم في سجن، متبعين الإجراءات الاحترازية، بينما الفيروس ينتظر لحظة تخليهم عن البيت لمهاجمتهم".

ويضيف "كثير من الرسوم عملت على إظهار خطورة الفيروس، فيصبح ديناصوراً يلتهم من أمامه، كما حذّرت من الجشع واستغلال التجار الأزمة، والإسراع في تخزين المواد التموينية، وإن كانت فكرة الجيش الأبيض هي الأكثر حضوراً في كثير من الأعمال، للانتصار في معركة الوعي ومحاربة الإشاعات والجهل بالتثقيف العلمي وكيفية الوقاية من الفيروس، تليها فكرة خليك بالبيت والتنويعات المترتبة على ذلك من مفارقات كوميدية بين الأزواج والزوجات والأولاد، تدفعنا دفعاً إلى الضحك رغم المأساة التي نعيشها".

الفن في مواجهة الوباء

تبدو فكرة المعرض والكتاب وكأنها عمل توثيقي وتأريخي للظرف الراهن سيبقى بعد انتهاء الأزمة شاهداً على ما حدث، وعن هذا يقول جمعة، "الفنون بشكل عام هي القوى الناعمة ذات التأثير الكبير والقوي بعيداً عن المباشرة والسطحية والخطابية والتوعية الفجّة المنفرة التي ربما تدفع البعض إلى اتخاذ سلوكيات مغايرة ومضادة لغياب القيمة الجمالية فيها، فتكون النتائج عكسية وسلبية، ومن هنا يأتي دور الفنون بما تتضمنه من قيم جمالية محببة إلى النفس، فتقوم بالتوعية والإرشاد والتوجيه بشكل جمالي، بما يحافظ على المجتمعات، خصوصاً في أوقات الأزمات، مثل الأزمة الحالية".

 

 

ويضيف، "المعرض التوثيقي لأزمة كورونا والكتاب التأريخي يتضمنان أعمالاً فنية وإبداعية بريشة عشرات المبدعين العرب من دول مختلفة، عبر كاريكاتيرات توثق الأزمة في تتابعها وتنوعها واختلافها، وربما لا نشعر بها كثيراً في جيلنا الحالي، باعتبارنا معاصرين الحدث، ومواكبين كل تطوراته، لكن الأجيال القادمة حينما تشاهد هذا العمل الإبداعي تستطيع أن تلمّ بكل تفاصيل الحدث، علاوة على القيمة الجمالية التي تقدمها الرسوم".

رؤى فنية مختلفة

وأوضح، "كل فنان عربي شارك في المبادرة له رؤيته الخاصة وأسلوبه التعبيري وفكره المختلف، والزاوية التي يتناول منها الحدث حسب ثقافة كل فنان وبيئته، ومدى قناعاته بفكرة التفاؤل والتشاؤم، وإن كان الجميع يتعاملون مع الكارثة الوبائية ذاتها، لكن كلّ بطريقته، فجاءت تنويعات كثيرة على الفكرة نفسها برؤى ووجهات نظر مختلفة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واستكمل، "مثلاً ظهرت الكرة الأرضية في كثير من الرسوم تحت سيطرة فيروس كورونا بأشكال متباينة وتعبيرات مختلفة، فتارة نرى الفيروس يغطي أجزاءً كبيرة من الكرة الأرضية، وتارة أخرى نرى طبيباً يقف أمامها وتبدو خلفه فارداً ذراعيه عليها متصدياً للفيروس، وفي عمل آخر يقف الوباء فوقها مصافحاً فيروساً آخر، وهما في حالة سعادة، وبينما في عمل آخر نرى الفيروس رافعاً الكرة الأرضية، بعد أن تحوّلت إلى شكل وباء، وأصيب كل من فيها في نظرة شديدة التشاؤم، تقابلها أخرى متفائلة، حيث تبدو الأرض واضعة الكمامة ولها عيون يقظة ومحاطة بسرنجة تحمي جسم الأرض، وسنها مغروس في قلب الفيروس الذي يئن".

دور التكنولوجيا

وعن دور التكنولوجيا في الأزمة الأخيرة انتشرت فكرة المعارض الافتراضية، باعتبارها إحدى أدوات نشر الفنون بين الناس في ظل غياب إمكانية إقامة معارض حقيقية مع دعوات العزل والتباعد الاجتماعي، يقول جمعة "التكنولوجيا تلعب دوراً حيوياً في عصرنا الحالي، فكل تطوّر يكون له تأثيره في حياة الناس، خصوصاً المبدعين، وما انتشر أخيراً من معارض افتراضية هو أمر طبيعي بعد توقف المعارض الاعتيادية، وعدم اختلاط الناس خوفاً من انتشار الوباء، إلى جانب تراجع دور الصحافة الورقية المطبوعة والكتاب المطبوع أمام طوفان المواقع الإلكترونية، وهي صحافة المستقبل شئنا أم أبينا، فهذا هو الواقع".

 

 

ويضيف، "الإنسان حاليّاً يستطيع أن يشاهد المعارض، ويقرأ الكتب، ويكتب المقالات والخواطر والأشعار والقصص عبر الوسائل التكنولوجية ومنصات التواصل الاجتماعي، فالتكنولوجيا والمواقع آليات العصر المقبل، للتثقيف والتعليم وتذوق الفنون وغير ذلك، وستسود تدريجياً، وتكون هي الأساس".

معاً نواصل الحياة

الاسم المقترح للمبادرة "معاً نواصل الحياة" يحمل قدراً كبيراً من التفاؤل وسط ظرف دقيق، فكيف جاء اختياره من بين أسماء متعددة؟ وما أبرز جنسيات فناني الكاريكاتير الأكثر مشاركة؟ يقول "كثير من الناس ربما يصيبهم الإحباط سريعاً، بسبب التطورات السريعة المتلاحقة، وازدياد أعداد الوفيات يوميّاً، خصوصاً مع توقف النشاطات والحراك اليومي المعتاد، فالحياة شبه متوقفة، فمن خلال هذه الأعمال الفنية نقول نستطيع معاً أن نواصل الحياة، ولو عن بعد، نتواصل عبر منصات التواصل الاجتماعي، ونعمل من داخل منازلنا حتى تستمر الحياة، ولا تتوقف، فالإنسان بإرادته يستطيع أن يتكيّف مع كل الظروف، ويواصل حياته مهما كانت الصعوبات التي تواجهه".

ويضيف، "شارك في المبادرة فنانون من معظم الدول العربية، وتفاعلوا معها، على رأسها مصر، إضافة إلى مشاركات من دول الخليج العربي والسودان وموريتانيا وفلسطين والعراق وليبيا والأردن ودول المغرب العربي".

فنانون مشاركون

نخبة كبيرة من الفنانين من كل أقطار الوطن العربي جمعتهم هذه المبادرة الفنية، ومن بينهم الفنان العراقي قاسم قبلان، الذي يقول لـ"اندبندنت عربية"، "الفن بشكل عام له دور فعّال في مواجهة أي أزمة تهدد المجتمعات، لما له من تأثير نفسي مباشر في المجتمع والفرد، باعتبار العلاج النفسي نصف العلاج، كما يقال، فالفن خصوصاً الكاريكاتير (الفن الساخر)، له تأثير فعّال ومؤثر مثل العلاج الطبي لفيروس كورونا، لما يقدّمه من توعيه للناس في مواجهة الأزمة، وكيفية التزام التعليمات الصحية والإرشادات".

ويضيف، "أرى أن أي تجمّع لفناني الوطن العربي، وإن اختلفت الرؤى في ما بينهم في مواجهة أزمة مثل كورونا هو عمل رائع ومميز في جمع وتوحيد فناني الكاريكاتير العرب في إطار واحد، وخطوة كبيرة لإثراء الحركة الفنية في الوطن العربي من الناحية الفكرية بشكل عام وبأساليب مختلفة".

 

 

بينما يشير الفنان اليمني حميد عقبي إلى أن "الفن التشكيلي بشكل عام والكاريكاتير خصوصاً له دور كبير في الأزمات. الفنان في هذه الحالة تكون أعماله من العمق، ففي ظل ظروف مثل الأوبئة تكون الإنسانية كلها مهددة، ويصبح الفنان، وكأنه يدافع عن ذاته والكون كله، والأعمال تصبح كأنها وصية مقدسة، وليست مجرد نشاط فني، فهي نابعة من القلق والاضطراب، فالإنسان في مواجهة مع الموت، والناس يشعرون بالتهديد من ناحية الخوف على أنفسهم وأحبائهم".

ويتابع، "الفنان في مثل هذا الوضع يحمل الأمل للبشرية، ويعطي إشارة لها أهمية ومغزى عند الناس، وسعدت كثيراً بالمشاركة في هذه المبادرة، التي تمزج بين تجارب مختلفة من كل الأقطار العربية، وتجمع أجيالاً مختلفة، فقليل من المؤسسات والفعاليات تهتم بهذه النقطة تحديداً، رغم أنها تعطي تنوعاً كبيراً، وتجعل المتلقي كمن يدخل إلى حديقة، ويجد بها من البذرة الصغيرة وحتى الأشجار العملاقة، وهذا بالطبع شيء ذو قيمة كبيرة".

في حين يقول الفنان التونسي رشيد الرحموني، "الكاريكاتير فن يعكس الواقع المعاش في كل اتجاهاته بعين لاقطة، ترصد كل ما هو اجتماعي أو سياسي أو مجانب الصواب، ويترجم الحدث أو الصورة في شكل رسم كاريكاتوري هادف ناقد أو ساخر أو إيحائي لتوصيل الفكرة، مختزلة بأقل كتابة أو تعليق، خصوصاً في الأزمات، مثل كورونا، لتوعية المجتمع من مخاطر الوباء، ونتناول الموضوع بشكل هزلي أو جدي، لأن هذه الأزمة أثرت في الاقتصاد والمعيشة، وأرّقت المواطن".

ويستكمل، "حرصت من خلال الأعمال على توصيل الأفكار التي تحدّ من انتشار الوباء المستجد، مثل عدم التقبيل والمصافحة، والابتعاد مسافة متر، وارتداء الكمامة الواقية والابتعاد عن التجمعات، وغلاء المعيشة والاحتكار. ومن خلال هذه المبادرة أطلق فنانو الكاريكاتير العنان لريشتهم للتعبير عن المآسي التي خلفها هذا الوباء، كل بطريقته، فهم يمثلون مدارس فنية مختلفة، ما أثرى المعرض بكم كبير من اللوحات والأفكار المختلفة".

 

 

بينما تقول فنانة الكاريكاتير المصرية مروة إبراهيم، "دور فن الكاريكاتير توعوي بشكل بسيط، كي يستطيع أي شخص استيعابه بسهولة. هو فن جاذب للكثيرين، فبرسمة صغيرة يمكن التعبير عن موضوع كامل، ومن هنا ورغم أن فن الكاريكاتير ساخر بالأساس فإننا عبّرنا عن كل مخاوفنا، وكل ما سببه الفيروس من مآسٍ بالعالم كله، فليست كل الرسومات ساخرة أو كوميدية، بل بعض الفنانين رسوماتهم تمسّنا وتعبر عن ذعرنا وذعر العالم".

وتضيف، "الفيروس غيّر نمط حياتنا، ليس فقط في الوطن العربي، لكن بالعالم كله، وغيّر مفاهيم كثيرة في حياتنا اليومية، فبعد أن كنا نُظهر محبتنا لبعضنا من خلال التقارب والزيارات أصبح التباعد أسلوب حياة، ففي إطار كل ذلك تجمّعنا كفنانين على موضوع واحد، وعبرنا بكل الأساليب المختلفة، مثلاً عن غلق صحن الطواف، وتغيُّر عاداتنا في مناسباتنا الاجتماعية، مثل رمضان والأعياد في ظل حظر التجول والغلق. نحن نمر بوضع غريب للمرة الأولى نختبره، وهو ما أثارنا للرسم بكل الطرق الممكنة للتعبير عنه".