Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أين الدول الأفريقية من الديمقراطية والحكم الرشيد؟

"اندبندنت عربية" تستطلع آراء عدد من الاختصاصيين في العلوم السياسية

نائب رئيس جمهورية مالاوي سولوس شيليما وزوجته اثناء الاحتفال بتنصيب الرئيس الجديد لازاروس شاكويرا في 6 يوليو الحالي (غيتي) 

عانت أفريقيا كثيراً من معوّقات تحوّل دولها نحو الديمقراطية، والنمو الاقتصادي، والتنمية الاجتماعية. فقد وقعت بلدان عدة منها لعقود تحت حكم أنظمة ديكتاتوريّة أسهمت في سلب الثروات، وتدمير الاقتصادات، وقمع المجتمعات، واحتكار السلطات، والغرق في الحروب والاقتتال والعنف.

ومنذ سنوات بدأت تبرز تجارب تسير بسرعات متفاوتة نحو الديمقراطية، والحرية، والتنمية الاقتصادية، والاجتماعية.

فما الذي يجري، على مستوى الحكم في البلدان الأفريقية؟ "اندبندنت عربية" تسأل عدداً من الاختصاصيين.

ديكتاتورية متجبرة

يعتبر أستاذ العلوم السياسية في جامعة "أفريقيا العالمية" في الخرطوم كمارا عباس "أن الحكم الرشيد يقوم على معايير سياسية، واقتصادية، واجتماعية، على أن تحافظ السلطة على رفاهية المواطنين. وشهدت أفريقيا مطلع التسعينيات من القرن العشرين، في نهاية الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد السوفياتي، موجة من التحولات قضت على كثير من أنظمة الحزب الواحد، وبدأت تطبق الديمقراطية الغربية بصورة حقيقية، بعد عهود من الديكتاتورية المتجبرة، وهي جاءت بضغوط أميركية خلال فترة حكم الرئيس الأميركي جورج بوش، الذي ربط تقديم المساعدات لأي دولة في القارة الأفريقية بإقامة حكم رشيد. لذلك، حصلت تغيرات وتحولات سريعة، خصوصاً في دول غرب أفريقيا، التي شهدت استقراراً سياسياً واجتماعياً. ومن هذه الدول غانا التي تعتبر مثالاً يحتذى بالديمقراطية، والسنغال التي لم يحدث فيها انقلاب عسكري منذ استقلالها".

يضيف عباس "هناك دول أفريقية شهدت ممارسات ديمقراطية، لكنها شهدت انتكاسات، وهُدر ما حققته من إيجابيات في مسار الحكم الديمقراطي، ومن تلك الدول ساحل العاج التي كان يطلق عليها باريس أفريقيا الغربية. لكن العنف السياسي جعلها تتراجع عن تقدمها في التحول الديمقراطي. والحال نفسها بالنسبة إلى كينيا، التي تقع في شرق أفريقيا. وكان يطلق على عاصمتها نيروبي "لندن أفريقيا" لما شهدته من استقرار وحكم رشيد. لكن انقلابات عسكرية أدت إلى تأخرها عن ركب دول القارة التي طبقت الديمقراطية بشفافية تامة".

تصحيح مسار

وفيما يعتقد عباس أن "هناك عوامل عديدة جعلت دولاً في القارة الأفريقية تنتهج سياسة الحكم الرشيد في إدارة شؤون حكمها"، يتوقف عند أهمها، وهي "القرارات التي أصدرها الاتحاد الأفريقي في السنوات الماضية التي تمنع التعامل مع الحكومات ذات الطابع الديكتاتوري، ما دفع كثيراً من الدول إلى تصحيح مسارها ليتماشى مع التوجه الديمقراطي من طريق تنظيم انتخابات عامة، فضلاً عن زيادة الوعي مع ظهور الثورة المعلوماتية، وما صاحب ذلك من تقدم وسائل الإعلام والاتصال، خصوصاً الإذاعات المستقلة داخل القارة وخارجها، حتى باتت للمواطن قدرة مستقلة على المعرفة تتجاوز ما تفرضه الدولة عليه، فأصبح أكثر وعياً بما يدور حوله إقليمياً ودولياً".

ويؤكد عباس أن "التداول السلمي للسلطة في بعض الدول الأفريقية، شجع الدول المجاورة لها على اتباع النهج ذاته الذي اتبعته تلك الدول، لا سيما أن هناك تشابهاً في الظروف والتحديات التي تواجهها الدول تلك. وقد وفّرت التنمية في العديد من دول أفريقيا فرص عمل، وأسهمت في وقف النزاعات التي كانت تندلع من حين إلى آخر، بسبب المظالم السياسية والاقتصادية".

تقليدية سياسية

يعتقد أستاذ العلاقات العامة في الجامعات السودانية النور جادين أن "أسس مفهوم الحكم الرشيد هي العدالة، وحكم القانون، والديمقراطية في الممارسة السياسية، والشفافية، والمحاسبة، وحرية تداول المعلومات، وحرية وسائل الإعلام. وبهذا الفهم يحتاج تطبيق الحكم الرشيد إلى قوانين يتساوى المواطنون أمامها"، لافتاً إلى أن "كثيراً من هذه العوامل غير متوافرة في أنظمة الحكم الأفريقية. ما يسبغ على أغلبية التجارب في هذه القارة بطابع التقليدية السياسية، فمثلاً نجد أن التكوينات الاجتماعية، والثقافية، والتقليدية تقوم على السلطة الأبوية، وطاعة الكبير، والشيخ، والملك، وزعيم القبيلة، والعشيرة، والناظر، والعمدة. فهي سلطة اجتماعية، وسياسية، وتحكمية لا توجد فيها مساحة للديمقراطية، والحرية، والنقد، والمحاسبة. وهذه من أسس النظم الحديثة والراشدة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويروي جادين أن "الانقلابات العسكرية، والأنظمة الديكتاتورية، وقمع الصحافة عوامل لعبت دوراً رئيساً في غياب الحكم الرشيد في أفريقيا. فقد أدى غياب الرقابة على المال العام إلى فتح الباب للسرقة، ونهب ثروات الشعوب من دون محاسبة. والعلاقات غير الطبيعية بين بعض الدول الكبرى، وبعض قيادات الحكم في دول أفريقيا جعلت هذه القيادات تتمتع بحماية أمنية وعسكرية واستخباراتية. ما حال دون الإصلاح، وتحقيق الحكم الرشيد. وسيطرة بعض النخب السياسية، والعسكرية، والقبلية، والطائفية، والعائلية، والدينية على مفاصل الحكم وثروات أغلبية البلدان الأفريقية غيّبت الحكم الرشيد. ضف إلى ذلك، الأمية، والنمط التقليدي في الاقتصاد، لا سيما الزراعة".

ويلاحظ جادين أن تجربة الحكم الرشيد نجحت في بعض البلدان الأفريقية التي تخلصت من مجمل هذه العوامل مثل جنوب أفريقيا".

ويصف قرار الاتحاد الافريقي بعدم الاعتراف بأي انقلاب عسكري في البلدان الأفريقية بـ"الخطوة الأولى في مسيرة الحكم الرشيد في القارة الأفريقية. ودعمت "العقوبات الدولية على أي نظام متطرف عسكري، أو ذي صبغة دينية هذا الخيار، خصوصاً أنه أُرفق بمساعدة المجتمع الدولي للدول الفقيرة للخروج من ظروف المجاعة والنزوح والهجرة والأمية والفقر والصراعات المناطقية والعرقية والدينية والجهوية والطائفية والقبلية". فهذه العوامل، في رأي جادين، "لعبت دوراً كبيراً في ترسيخ مفهوم الحكم الرشيد، وأسهمت في نمو نخب ثقافية وعلمية، ومنظمات المجتمع المدني، ونشر الوعي".

ويدعو جادين "إلى تشجيع قيام تكتلات اقتصادية بين دول أفريقيا، وربط القارة بالطرق والسكك الحديدية، ونشر ثقافة التعاون، والتعايش السلمي، فضلاً عن محاربة كل أشكال الحركات الإرهابية، والدينية المتطرفة التي تعطل حركة الوعي والتنمية، إضافة إلى تشجيع الاستثمار واستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية، والعمل باستمرار على إصلاح الاقتصاد، وتشجيع ثقافة الديمقراطية، والتعددية، والتنافس السياسي، والوصول إلى السلطة من طريق التفويض عبر الانتخابات المراقبة دولياً".

فساد وجهل

يُدرج أستاذ العلوم السياسية عبد المنعم عبد الله "الفساد، وغياب حقوق الإنسان، واستغلال النفوذ العسكري للوصول إلى السلطة، وتزوير الانتخابات"، تحت عنوان "موروثات عهد الاستعمار"، ويعتبر أن النخب الحاكمة لم تحقق التنمية، على الرغم مما تمتلكه أفريقيا من موارد لا حدود لها". ويرى عبد الله أن "ما عطل النهوض الأفريقي هو التكالب الدولي، على الثروات الطبيعية، خصوصاً من جهة الصين، والولايات المتحدة الأميركية. فعلى الرغم من تشدد واشنطن بالديمقراطية، وحقوق الإنسان إلا أن مصالحها جعلتها تسعى إلى الوصول إلى مصادر الثروة والموارد الطبيعية في أفريقيا، لا سيما النفط والغاز الطبيعي".

ويلفت إلى أن المشكلة الأساسية التي تواجه أفريقيا هي تفشي الفساد، والاستيلاء على المال العام. ما حرم الأفارقة من الاستفادة من ثروات بلادهم، في وقت تفقد ملايين الدولارات سنوياً نتيجة الممارسات الخاطئة. فقد أصبح "همّ النخبة الحاكمة نهب الخزانة العامة، واستثمار الغنائم وموارد بلدانهم في البنوك الأجنبية. وهو ما أدى إلى استخدامهم السياسة مجرد سلعة تباع وتشترى، فقد أصبح الاغتناء من موارد الدولة بالطرق غير الشرعية هو معيار التعامل مع الدولة بعد رحيل الاستعمار. وقد باتت السياسة مدخلاً لتحقيق الثروات الطائلة من دون وجه حق، وهو ما أدى إلى التنافس الشرس والعنيف على السلطة".

ويؤكد عبد الله أن تحدي الحكم الرشيد، وتمكين أفريقيا من اللحاق بدول العالم الناهضة يتمثلان في إعطاء الفرصة للجيل الجديد من الشباب المتعلم لتولي المسؤولية بدلاً من النخب الحاكمة الفاسدة، خصوصاً أنه جيل يتمتع بقدر كبير من الوعي والطموح، ويعمل في العديد من المجالات الحيوية، منها الزراعة، وتكنولوجيا المعلومات، والصناعة، والتجارة، لكن عليهم العمل على صقل مهاراتهم، وزيادة التراكم المعرفي كي يكونوا الأمل الذي تتطلع إليه أفريقيا الجديدة.

المزيد من تقارير