Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تونس تتبنى مقاربة تشاركية لمواجهة الإرهاب

وضعت البلاد استراتيجيّة شاملة لمحاربته والسؤال هل نجحت في ذلك؟

عمليات عسكرية ناجحة استهدفت الارهابيين المتحصنين في الجبال الغربية لتونس (موقع وزارة الدفاع التونسية)

عرفت تونس ظاهرة الإرهاب، في فترة حكم الرئيس زين العابدين بن علي (1987-2011)، وبلغت ذروتها في الفترة التي تلت الثورة (2011)، فما هي أسباب ظهور الإرهاب في تونس؟ وهل نجحت البلاد فعلاً في مواجهته؟

على الرغم من القبضة الأمنية، التي ميزت فترة حكم بن علي، شهدت البلاد عمليتين إرهابيتين: الأولى في جزيرة جربة (جنوب تونس)، والتي استهدفت معبد الغريبة اليهودي في 11 أبريل (نيسان) 2002، والثانية في منطقة سليمان (30 كيلومتراً عن العاصمة تونس) في 23 و24 ديسمبر (كانون الأول) 2006.

ولئن نجح بن علي، في البقاء على عرش الحكم، لمدة تناهز ربع قرن، فإن الاحتقان الاجتماعي، والشعور بالغبن، عصفا بحكمه، عام 2011، لتدخل تونس مرحلة من الإرباك السياسي، الذي تخلخلت فيه أجهزة الدولة، وتعالت الأصوات المطالبة بالعدالة الاجتماعية، في مناخ غير مسبوق من الحرية في التظاهر والاحتجاج.

مرحلة الدعوة والتمكن من المجتمع التونسي

ونشأت حينها بين مفاصل هذه التحركات الاجتماعية، مجموعات جديدة، تنشط باسم الدين، تستثمر في حالة الحَنق على الدولة، لدى فئات كبيرة من الشباب، واستغلت حالة الفراغ الأمني، الذي أعقب فترة سقوط نظام بن علي، وتفكك أجهزة الدولة، من خلال نصب الخيام الدعوية، والمناداة بدولة الخلافة الإسلامية، وسيطرت ظواهر جديدة، وغريبة، على الشارع التونسي، في عهد حكومة الترويكا (النهضة والمؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات 2012 – 2014)  واتخذت من الأحياء الشعبية والمناطق المفقرة فضاء ملائماً لأنشطتها.

التوحش والمواجهة المسلحة

ولئن خلت الفترة التي تلت الثورة مباشرة، من المواجهة الدموية، فان تاريخ 18 مايو (أيار) 2011 مثل منعرجاً في مسار نشاط هذه المجموعات، وشهدت تونس أول عملية إرهابية، في منطقة الروحية (شمال غربي تونس) تمثلت في مواجهة مسلحة بين مجموعة إرهابية وعناصر من الجيش الوطني ذهب ضحيتها عسكريان اثنان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ودخلت المجموعات الإرهابية في تونس (أنصار الشريعة، جند الخلافة، كتيبة عقبة بن نافع) وغيرها، مرحلة التوحش، وبدأت عمليات نوعية استهدفت من خلالها الوحدات الأمنية والعسكرية، في شكل كمائن ومواجهات مباشرة في الجبال التي تحصنت بها (جبل الشعانبي، قبلاط، سيدي علي بن عون) راح ضحيتها عشرات الجنود والأمنيين.

الاغتيالات السياسية

ومثلت الاغتيالات السياسية منعرجاً، في نشاط هذه المجموعات، واستُهدِف المناضل اليساري شكري بلعيد أمام منزله في العاصمة في السادس من فبراير (شباط) 2013، واعتبرت العملية حدثاً مفصلياً في تاريخ تونس، لتعقبها عملية اغتيال سياسي ثانية بعد ستة أشهر، 25 يونيو (حزيران) 2013، واستهدفت هذه المرة الناشط السياسي القومي محمد البراهمي، لتدخل تونس بعدها مرحلة من الارتباك والفوضى، كادت تعصف بالمسار السياسي برمته.

شبكات التسفير إلى بؤر التوتر

وتزامن ذلك مع موجة تسفير للشباب التونسي إلى بؤر التوتر خصوصاً إلى سوريا عبر تركيا وليبيا، وتقدر المصادر الحكومية عدد التونسيين الذين التحقوا بالتنظيمات الإرهابية بحوالى ثلاثة آلاف عنصر، 70 في المئة منهم، سافروا إلى سوريا، غير أن منظمات حقوقية ومراكز دراسات مختصة، تؤكد أن عددهم يتجاوز الخمسة آلاف مقاتل، وتنكِر حركة النهضة الإسلامية كل الاتهامات الموجهة إليها، بضلوعها في شبكات تسفير الشباب التونسي، إلى سوريا، كما تنكر ضلوعها في عملية اغتيال شكري بالعيد، من خلال الجهاز السري للحركة، الذي ما زال القضاء لم يفكك شيفرته بعد.

الإرهاب يضرب السياحة في مقتل

وتنوعت العمليات الإرهابية لتنال من السياحة وتضرب العصَب الحيوي للاقتصاد التونسي، فكانت عملية باردو في مارس (آذار) 2015 (22 قتيلاً من السياح) وبعدها بأشهر قليلة وقعت عملية نزل سوسة في 26 يونيو 2015 (40 قتيلاً) معظمهم من السياح ايضاً.

ولما تأكدت تونس أن "تنظيم أنصار الشريعة" ضالع في عدد من العمليات الارهابية تم تصنيف التنظيم من قبل وزير الداخلية حينها علي العريض تنظيماً إرهابياً، لتبدأ الوحدات الأمنية والعسكرية، مواجهة مباشرة، مع تلك العناصر، بعد أن توفرت الإرادة السياسية، التي كانت غائبة في مواجهة هذه العناصر، التي استفادت من وجود حركة النهضة ذات الخلفية الإسلامية في الحكم، والتي تعتبرهم خزاناً انتخابياً ورصيداً سياسياً لا يمكن التفريط فيه إلا أن رفض الشارع التونسي لهذه التنظيمات دفع الحركة إلى التبرؤ منهم ومن ممارساتهم.

واستفادت الوحدات الأمنية والعسكرية، من التجهيزات الحديثة، والتكوين والتدريب، لمواجهة الإرهابيين المتحصنين في الجبال الغربية لتونس، (الشعانبي في القصرين، ورغة في الكاف، وعرباطة في قفصة) ونجحت هذه الوحدات في ضرب القيادات الكبرى لهذه التنظيمات وتجفيف منابع الدعم اللوجيستي وحواضنها الاجتماعية.

التهميش ينعش الإرهاب

وتيقنت تونس إلى أن المقاربة الأمنية، وحدها لا تكفي، فبدأت الإعداد لاستراتيجية شاملة تشاركية، مع مختلف مؤسسات الدولة لمواجهة الظاهرة، التي حصدت عشرات الأرواح من العسكريين والمدنيين والسياح، وأصبحت تشكل خطراً على كيان الدولة.

وتشير أبرز دراسة أُعدت في تونس حول التطرف الديني بعنوان "السلفية الجهادية، الواقع والمآلات" إلى أن الشباب المتطرف في تونس هو "شباب مهمش في مجال حضري مهمش"، لا يرى في الدولة والمجتمع إلا وجههما التسلطي الإقصائي، ولا يجد من سبيل إلى رد العنف المادي والرمزي للدولة والمجتمع إلا بعنف آخر يوازيه في القوة ويهزه في العمق"، ولا تختلف مقاربة أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية الدكتور محمد الجويلي عن هذه القراءة، إذ يعتبر في تصريح لـ "اندبندنت عربية" أن غياب الدولة عن الأحياء الفقيرة والمهمشة سيفتح المجال للتنظيمات المتطرفة، لتلعب دور الدولة الراعية لهذه الفئات.

واعتبر أن الحل هو في التوجه مباشرة إلى الأحياء الشعبية الفقيرة الموجودة في أحزمة المدن الكبرى، والإصغاء إليها، وإيجاد الحلول المناسبة لأوضاع ساكنيها، حتى لا يشعروا بالعزلة وبالضيم، ويزداد منسوب النقمة على الدولة، ويكونوا مؤهلين للذهاب إلى السلوك المحفوف بالمخاطر، مثل المخدرات والجريمة المنظمة وأيضاً الانخراط في شبكات الإرهاب، ولفت الجويلي إلى أن الوقاية من مخاطر الإرهاب، تعتمد على الحضور الايجابي للدولة، من خلال برامج تنموية وترفيهية، تثبت حسن نية أجهزة الدولة تجاه تلك المناطق.

استراتيجية وطنية

واعتبر العميد المتقاعد من الجيش التونسي، والرئيس السابق للجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب مختار بن نصر لـ "اندبندنت عربية" أن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي، في مقاومة الإرهاب، لذلك اعتمدت تونس مقاربة تشاركية تشمل البعد الثقافي والتربوي والديني والاجتماعي، وهي استراتيجية متميزة في شموليتها ترتكز أساساً على احترام حقوق الإنسان.

وأضاف أن الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب، صدرت عام 2015، وبدأت القوات الأمنية والعسكرية في العمليات الاستباقية، التي استهدفت عدداً من قيادات التنظيمات الإرهابية، وأيضاً من خلال تفكيك الخلايا الناشطة، والنائمة، ومحاصرتها، ثم العمل على خلق رأي عام وطني ضد هذه الظاهرة، واعتبر بن نصر أن عملية بنقردان (2016) هي الصخرة التي تحطمت عليها أحلام تنظيم "داعش" في إقامة إمارة إسلامية جنوب تونس، منوهاً بالروح الوطنية العالية، واللحمة بين الأمن والجيش والمواطنين، في مواجهة الإرهاب.

تجميد أرصدة الإرهابيين

تجدر الإشارة، إلى أن تونس وضعت القانون عدد 26 لعام 2015 لمكافحة الإرهاب وتبييض الأموال، الذي ساعد في تطويق الظاهرة الإرهابية، ووفر الأرضية القانونية للقيام بعمليات تجميد لعدد من الأرصدة البنكية التابعة للإرهابيين، أو المشتبه بهم، في عمليات إرهابية بالتعاون مع البنك المركزي ولجنة التحاليل المالية.

وأضاف بن نصر أن تونس سيطرت على هذه الظاهرة، إلا أن العمل لا بد أن يتواصل، محذراً من حالة عدم الاستقرار السياسي في تونس، التي تهدد مؤسسات الدولة، معتبراً أن الإرهاب ينتعش في ظروف الإرباك والتجاذبات السياسية، ومندداً بحالة التردي السياسي الذي غرقت فيه البلاد، وعجز السياسيين عن إدارة الشأن العام، وعن تقديم الحلول للتونسيين، معتبراً أن فقدان الأمل هو من أكبر المخاطر التي تحدق بمؤسسات الدولة.

ترشيد الخطاب الديني والإعلامي

وكانت المجموعات المتطرفة قد تغلغلت في الجهات الداخلية، وسيطرت على أكثر من 400 مسجد في تلك الربوع، وبعد أن استعادت الدولة السيطرة على كل المساجد وتلاشى خطر تلك المجموعات تم التعويل على الخطاب الديني المعتدل، من خلال التوعية بمخاطر التطرف والإرهاب، على الدولة والمجتمع، كما عملت هياكل الإعلام في تونس على صياغة مواثيق تحريرية للتعاطي المهني مع العمليات الإرهابية، من دون السقوط في الدعاية المجانية للتنظيمات الإرهابية ولمنفذي تلك العمليات، وتم تنظيم عدد من الندوات العلمية والمؤتمرات الدولية والتظاهرات الثقافية من أجل إنارة الناشئة حول هذه الظاهرة وخطورتها.

وأكدت دراسة أنجزها مركز الدراسات والتوثيق حول المرأة، أن عدداً من الأسر التونسية يعيش حالات عنف، وأن هذه العائلات لم تحمِ أبناءها الذين انقادوا إلى الإرهاب والتطرف، وأكدت الدراسة أن التنشئة الأسرية المتوازنة عامل أساسي في توازن المجتمع.

مكافحة الإرهاب عمل تشاركي يومي قوامه الاستقرار السياسي، والرؤية الواضحة للمستقبل، من خلال تنقية المناخ الاجتماعي، من الاحتقان والحيف، وتونس التي نجحت إلى حد ما في السيطرة على الإرهاب، ليست بمنأى عن مخاطر الانزلاق في العنف، بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي، وتزايد منسوب الاحتقان الاجتماعي، جراء غياب الحلول لمطالب اجتماعية عالقة منذ عام 2011 في الشغل والعدالة الاجتماعية، إضافة إلى تدهور الأوضاع الأمنية في الجارة ليبيا، وما يتهدد الأمن القومي التونسي من مخاطر نتيجة الوضع الأمني هناك.