Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"حضيض غوركي" الذي مهّد لاندلاع ثورة 1905 في روسيا

مرآة على ضفاف الفولغا لشعب يعيش بؤسه في انتظار أيّ تغيير

ماكسيم غوركي (من موقع ruverses.com)

غريب بعض الشيء أمر تلك المسرحية التي تعتبر من أشهر ما ظهر في روسيا عند بدايات القرن العشرين، وربما أقوى أعمال كاتبها ماكسيم غوركي على الإطلاق: "الحضيض". فهي تختفي عن خشبات العالم تماماً حين يكون العالم في حاجة إليها، لكنها تظهر من حيث لا يتوقع أحد وتُلعب في مدن عديدة حول العالم في وقت واحد، في أزمنة يبدو العالم فيها من الرخاء إلى درجة يكاد لا أحد يحتاجها. ولعل دليلنا على هذا غيابها في هذه الأيام التي تعرف فيها قطاعات عريضة من البشر أسوأ أيامها بسبب الوباء ولكن أيضاً بسبب الضائقة المالية المعمّمة وأكثر من هذا بسبب غياب القيم ولا سيما الأخلاقية والفكرية منها في عالم يتخبط. ومن هنا قد لا تكون العودة إلى مسرحية غوركي هذه ترفاً، بل حاجة... ولو في مثل مجالنا هنا.

أية حياة على الخشبة؟

في المقام الأول تكتسي "الحضيض" التي قدمها قسطنطين ستانيسلافسكي على خشبة مسرح الفن في موسكو، من تمثيله وإخراجه للمرة الأولى في ديسمبر (كانون أول) 1902، أهميتها من كونها أتت في ذلك الحين لتطرح تحديداً أسئلة الحياة على المسرح وأسئلة المسرح على الحياة، من دون أن تكون أول مسرحية واقعية، ولكن حتى من دون أن تكون لافتة في أحداثها.

فالمهم في هذه المسرحية كانت الأجواء التي رسمها الكاتب الغاضب في ذلك الحين والذي كان كل ما يعتمل في مجتمعات بلاده يضعه أمام طريق مسدودة. بالنسبة إليه، وكما سيقول الفيلسوف الألماني هربرت ماركوزه بعد ذلك بثلاثة أرباع القرن، بات الأمل الوحيد في الفن. وفي الفن الشعبي الذي يخاطب أصحاب المصلحة في أي تغيير مطلوب. و"الحضيض" لكي تدعم تلك الفكرة لجأت إلى تصوير حثالة الحثالة في المجتمع الروسي البائس. وذلك في قبو تعيش فيه طائفة متنوعة من قعر المجتمع قعراً مزدوجاً: مكانياً واجتماعياً. سكيرون، شحاذون، لصوص، هامشيون، مقامرون بالملاليم وفلاسفة على سجيتهم، ثم أشرار حين تدعو الحاجة ومتعاونون في لحظات نادرة. يتشاركون العيش مع صاحب المكان الذي يحتاج إلى التهديد والترهيب وربما الترغيب أحياناً، حين يطالبهم بالإيجار متوعداً معظمهم بإعادتهم إلى سجون أتوا منها والبعض الآخر بتذويقهم عذاب تلك السجون، فيما تكمل زوجته الحسناء فاسيليسا المهمة مغوية البعض الآخر ولا سيما فاسكا اللص الشاب الذي سبق له أن كان عشيقها في ما مضى وها هو الآن مزمع على سلوك الصراط المستقيم تحت تأثير وافد جديد إلى المكان هو لوقا، المهرّج السابق والوازع الأخلاقي الذي لا يلين، والذي يبدو أنه راغب في أن ينشر شيئاً من الاستقامة بينهم.

انقلاب في بيئة بائسة

مجيء لوقا إذا يحدث نوعاً من الانقلاب في تلك البيئة البائسة التي تعيش على ضفة الفولغا في بلدة بالغة البؤس، ولكن أي انقلاب يمكن توخّي الخير منه في مجتمع بالكاد يجد المرء فيه طعاماً أو دقيقة من راحة البال، أو أي نوع من العلاقات السليمة بين الأفراد؟ وهكذا تبدأ مشاكل من نوع جديد بالتراكم وتشتد ضراوة الصراعات، ولا سيما من حول تلك الأنثى الحسناء الثانية، ناتاشا شقيقة فاسيليسا التي يزمع الآن فاسكا على الأرتباط بها كخطوة على طريق سلوكه القويم. بيد أن فاسيليسا إذ تكتشف تدبير فاسكا يجن جنونها بدفع من زوجها الملاّك الجشع وتهاجم ناتاشا التي ينبري معظم الحضور للدفاع عنها ما يؤدي إلى قتل فاسكا للزوج واختفاء لوقا.

من الواضح هنا أن هذه الأحداث الميلودرامية ليست أهم ما في المسرحية التي تكمن أهميتها في الصورة التي ترسمها لمجتمع الحضيض الروسي، بشكل جعل منها أشبه بمرآة تعكس للمجتمع صورته وتنبهه إلى أحواله التي اعتاد أن يعيشها غير مدرك هشاشتها. ومن هنا ترتدي نهاية المسرحية دلالتها حيث لاحقاً بعدما تنتهي الأحداث التي وصفناها وإذ يجتمع الحضور للاحتفال بانتصارهم على الغاشم، يكتشفون اختفاء ناتاشا وغموض مصير فاسكا. وإذ يقف ساتان خطيباً فيهم معلناً إيمانه على الرغم من كل شيء بمسقبل الإنسان ومصيره سرعان ما يتبين لنا أن الممثل قد شنق نفسه يأساً.

عندما كتب غوركي هذه المسرحية كان بالكاد تجاوز الثلاثين من عمره وكان لا يزال مناضلاً ثورياً سيلعب دوراً في ثورة عام 1905، تماماً كما سيعود للعب دور في النضالات الفكرية التي ساهمت في إشعال ثورة 1917، التي ارتبط بها ثم خالفها ثم عاد إليها وخالفها من جديد فيما يكتب روايات وقصصاً ومسرحيات جعلت منه كاتب الثورة بامتياز. ومع هذا حين رحل عن عالمنا في عام 1936 بدت أمور كثيرة غامضة من حول ذلك الموت وتاريخه بما في ذلك حين وصل الشاعر الفرنسي لويس أراغون وزوجته إلسا تريوليه إلى موسكو قادمين من باريس عن طريق لندن، حيث كان من المفروض، مبدئياً، أنهما توجها إلى العاصمة السوفييتية، تحديداً للقاء غوركي استجابة لطلبه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اللقاء الممنوع

فالحال أن غوركي كان قبل ذلك بأسابيع، وبخاصة حين رأى المرض يشتد عليه، قد بعث لآراغون وإلسا، وكذلك لأندريه جيد، طالباً منهم أن يوافوه في موسكو، لأنه يريد أن يراهم قبل موته. والغريب أن أراغون وإلسا وصلا موسكو بالتحديد يوم 16 يونيو (حزيران) لكنهما لم يتوجها لمقابلة غوركي. فهل كان هذا لأنه قيل لهما أن الكاتب الكبير، وصديق لينين، والمؤلف الذي كان يعتبر ضمير الثورة الروسية، قد مات بالفعل يوم وصولهما؟ أم لأن ستالين نفسه عمل كل ما في وسعه لكي يحول دون لقاء غوركي بآراغون ورفيقته، وكذلك بأندريه جيد؟

هذا السؤال يدفعنا في الواقع إلى إعادة طرح سؤال قديم، هو، بكل بساطة، هل أن غوركي مات بشكل طبيعي أم أنه صُفّي بأمر من ستالين؟

إننا لو قرأنا موت غوركي على ضوء وضعه الصحي وصلنا إلى استنتاج بسيط وهو أن الرجل مات بشكل طبيعي، غير أننا لو قرأنا تلك الحادثة على ضوء الظروف المحيطة بها، وتساءلنا حقاً عن السبب الذي جعل آراغون يقطع ألوف الكيلومترات ليصل إلى موسكو بغية مقابلة زميله الروسي الكبير، ثم يستنكف عن ذلك في اللحظة الأخيرة، باستهتار لم يعهد عنه، سوف نصل إلى الاستنتاج الذي وصل إليه الباحثان الأميركيان ن. ليتس وإي. برنوت، اللذان وضعا في 1954 كتاباً حول قضية غوركي، قالا فيه إن ثمة ما يؤكد أن إلحاح غوركي في أيامه الأخيرة على لقاء آراغون وأندريه جيد كان هو الذي عجل في نهايته.

فالباحثان يفترضان أن ستالين، الذي عُهد عنه إفراطه المرضي في الحذر، قد جنّ جنونه حين أعلمته أجهزة المخابرات بإلحاح غوركي على لقاء الكاتبين الفرنسيين. وكان باغودا مسؤول المخابرات هو الذي أعلمه بذلك، فإذا بسيد الكرملين يأمر بمنع أي اتصال بين غوركي المحتضر وأي كاتب أجنبي. وهكذا شهد 16 يونيو (حزيران) ذلك الباليه العجيب في موسكو: آراغون وإلسا هناك، وربما جيد أيضاً، يحاولون الوصول إلى غوركي، وستالين وباغودا يحولان دون ذلك.

والحقيقة أن روايات أخرى كثيرة راجت حول ذلك الموضوع ولكن في النهاية عاد التأرجح بين الروايتين الأخريين: رواية الموت الطبيعي، والرواية الأخرى التي تقول إن غوركي قد صُفّي بأمر من ستالين. والحقيقة أن ثمة مؤشرات عديدة تؤكد هذه النظرية، ومنها أنه على الرغم من أن غوركي مرض مرات قبل ذلك، فإن الأطباء لم يفكروا أبداً في إصدار نشرات يومية حول صحته، فلماذا راحت تصدر مثل تلك النشرات اعتباراً من يوم سقوطه مريضاً من جديد، ثم لماذا كانت تلك النشرات مليئة بالمغالطات والتناقضات؟ فإذا كان هذا صحيحاً، كان من الواضح أن غوركي صُفّي بالفعل، فهل تراه صُفّي عن طريق التسميم بحبات البونبون كما روى البروفسور بلينيوف للشيوعية الألمانية ب. غرلاند، حين التقى الاثنان في معسكر اعتقال في سيبيريا؟

المزيد من ثقافة