Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انعكاسات مؤتمر برلين

أهميته لا تتمثل في الدعم الاقتصادي بقدر حرص المجتمع الدولي على الانتقال الديمقراطي بالسودان

سلمية الثورة السودانية حظيت بإجماع المجتمع الدولي (رويترز)

مؤتمر "شركاء السودان" الذي عقد في برلين، برعاية من ألمانيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، إلى جانب السودان، والنجاح الكبير الذي لقيه، وما وفره من دعم مالي للسودان قدر بحوالى مليار و800 مليون دولار، يعتبر دعماً معنوياً كبيراً لحكومة الثورة للمرحلة الانتقالية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك.

أهمية مؤتمر برلين، لا تعكس الجوانب الاقتصادية، فحسب، على الرغم من الأهمية القصوى لها، وإنما تعكس السبب الأساس الذي جعل من ألمانيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة إلى جانب الولايات المتحدة حريصة كل الحرص على دعم الانتقال الديمقراطي في السودان، من خلال قرار تم الإجماع عليه، تقريباً، بين تلك القوى الدولية.

وذلك يعود في تقديرنا إلى طبيعة الثورة السلمية التي استبسل فيها السودانيون بسلميّتهم من أجل إنجاح أهدافها السياسية وضربوا أروع مثل في القدرة على الصبر على الإمساك بالمصير الوطني للثورة، بعيداً من الأهداف الأخرى التي يمكن أن تصرف الثورة عن مسارها.

واليوم، حين تلقى حكومة الثورة بقيادة حمدوك كل هذا الدعم الذي تمثّل في نجاح ملحوظ لمؤتمر برلين، عبر إشادات شخصيات سياسية دولية مرموقة خلال المؤتمر، فإنما يدل ذلك على أن ثمة جهداً ملحوظاً أنجزته الثورة من خلال تجربة الشراكة بين العسكر والمدنيين في السودان، في سنتها الأولى، وهي شراكة ابتدعتها صيغة سودانية أصيلة وجديدة للاجتماع السياسي من خلال الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي اللذين تم التوقيع عليهما في 17 أغسطس (آب) 2019، وتعتبر إنجازاً ثورياً عكس تلبيةً واضحةً لأهداف الثورة، على الرغم من العثرات التي تعترض مسارها حتى اليوم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لقد كان وزير الخارجية الألماني هايكو ماس واضحاً حين قال أثناء المؤتمر "هذا المؤتمر يفتح فصلاً جديداً من التعاون بين السودان والمجتمع الدولي لإعادة بناء هذه الدولة"، بينما قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش "المنطقة بحاجة لسودان مستقر وديمقراطي"، فإعادة بناء السودان، وجدوى سودان ديمقراطي مستقر في المنطقة، عززتا ثقة المجتمع الدولي ومؤسساته الكبرى بالسودان، حين عرف ذلك المجتمع تماماً إصرار الشعب السوداني وحرصه على شعارات ثورته في الحرية والسلام والعدالة.

لقد لعب مؤتمر برلين دوراً كبيراً في تعزيز الثقة بحكومة الثورة في المرحلة الانتقالية، في الوقت الذي سيشهد السودان بعد يومين تجديداً لذكرى مليونية قيامة الشعب بعد مضي شهر على مذبحة القيادة العامة العام الماضي، التي تم بموجبها فضّ اعتصام جموع الثوار. وكانت هذه المليونية قد أكدت للعالم أجمع بأن قدرة الشعب السوداني على الثورة وعلى أهدافها السياسية بعيداً من العنف، هي إحدى الرسائل الواضحة التي أرسلها الشعب السوداني إلى بريد العالم الحر، الذي استجاب من خلال رموز القوى الناعمة (الشخصيات الفنية والأدبية في أميركا والغرب) أولاً في تضامنها مع مذبحة فض اعتصام القيادة، وكذلك في الجهود العظيمة التي بذلتها صحافة الغرب عبر تغطيتها لأكثر من شهرين أحداث الثورة متعرفةً على سلميتها الصافية إبان شهري الاعتصام، ما أدى في النهاية إلى تحرك الغرب السياسي والمنظمات الدولية.

بكل تأكيد، سيصب هذا الدعم المالي لمؤتمر برلين في تحقيق انفراج مهم للضائقة التي تعاني منها حكومة الثورة، وهي حكومة ورثت خراباً عظيماً للنظام السابق؛ ما سيعطي مزيداً من الأمل في تجديد قوى الثورة لزخمها وتماسكها من خلال الحاضنة السياسية للحكومة ممثلةً في تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير.

ففي هذه الأيام، تتسارع في السودان أحوال ضاغطة لا سيما مع وجود فيروس كورونا وتفاقم الضائقة الاقتصادية على نحو خطير وتدهور الخدمات نتيجة أسباب كثيرة، لكن في جملة هذه الأسباب، أخطاء ارتكبتها حكومة الثورة من خلال تعثرها في بعض الملفات ما سيعني أن سباق التصحيح السريع لأخطاء وإخفاقات الحكومة الانتقالية وقوى الحرية والتغيير هو الذي سيكون حاسماً، خصوصاً بعد توقع إعلان قرارات جديدة خلال هذين اليومين لتصب في صالح التحسين الذي ينبغي أن تتسارع خطاه، لا سيما مع المخرجات الناجحة لمؤتمر شركاء السودان في برلين الخميس الماضي.

وإذا ما بدا البعض متهكماً من مخرجات مؤتمر برلين ووعوده الاقتصادية، كما زعم رئيس تحرير صحيفة معروفة في السودان، فذلك فقط لمجرد قياسه الفاسد على تجارب المجتمع الدولي مع نظام الإنقاذ الخرب.

ذلك أن المجتمع الدولي حين يقرر منح دولة ما دعماً مالياً، فمن المعروف أن الدعم لا يتم إلا وفق تقييم وجدولة مراحل الدعم وخططه في الدولة المعنية، ونزعم أن سودان اليوم ليس كسودان نظام عمر البشير، لأن في قيادة الحكومة شخصيات حريصة على إنجاح مسار المرحلة الانتقالية من أجل تسهيل عملية الانتقال الديمقراطي التي عقد مؤتمر "شركاء السودان" في برلين من أجلها.  

المزيد من آراء