Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كورونا يغير عادات العزاء في الأردن

تعتبر الولائم والتبذير في تقديم الطعام من أبرز المظاهر المرهقة لذوي المتوفى

تقتصر صلاة الجنازة على المقربين فقط في زمن كورونا (أ ف ب)

يضطر الأردنيون منذ نحو ثلاثة أشهر، وبسبب جائحة كورونا، إلى توديع أحبتهم الذين خطفهم الموت، من دون مراسم عزاء وبعدد محدود من المقربين، بحيث أضحت الجنازات بلا مشيعين والتعازي من بعد.

ووفقاً لقانون الدفاع الذي فرضته الحكومة الأردنية في 17 مارس (آذار) الماضي للحد من تفشي كورونا، يُحظر على الأردنيين إقامة بيوت العزاء أو المشاركة في تشييع الموتى ودفنهم إلا بأعداد قليلة تقتصر على أقرب المقربين خلافاً للعادات والتقاليد المعمول بها سابقاً.

رب ضارة نافعة

يقول مواطنون أردنيون إن كورونا غيّر كثيراً من العادات والطباع الأردنية، التي كان ينظر إليها على أنها مقدسة ولا يجوز العبث بها، بخاصة في القرى والأرياف خارج العاصمة عمّان، ومن بينها تلك المتعلقة بمراسم الدفن والعزاء.

ويرى هؤلاء أنهم بدأوا يعتادون على فكرة التباعد الاجتماعي لما لها من فوائد صحية، خصوصاً أن كثيراً من التقاليد الخاصة بمراسم تقبل العزاء خاطئة وغير صحية وتنطوي على أضرار كثيرة من قبيل التناوب على تناول القهوة بالفناجين نفسها، عدا عن التقبيل والمصافحة، والإرهاق البدني والمالي لثلاثة أيام متواصلة بما يتخللها من مجاملات وتكاليف ناجمة عن تقديم طعام الغداء لآلاف المعزين.

واضطر كثير من ذوي المتوفين خلال الجائحة إلى نقل ذويهم بأنفسهم من المستشفيات، كما وجدوا أنفسهم للمرة الأولى أمام سلسلة جديدة من الإجراءات، كإجراء فحص الكورونا لذويهم المتوفين ونقلهم إلى المقبرة بحضور 15 شخصاً فقط، قبل التوقيع على قائمة طويلة من الأوراق اللازمة كتقرير الطب الشرعي والمدعي العام.

ويتداول الأردنيون في هذا السياق نصائح للداعية الإسلامي محمد راتب النابلسي والمقيم في الأردن حالياً، حول ضرورة الالتزام واقتصار مراسم دفن الموتى على صلاة الجنازة وتقبل العزاء في المقبرة من دون مصافحة أو تقبيل وبأقل عدد ممكن من المشاركين.

ويقول النابلسي إنَّ الإسلام دعا إلى حفظ الضروريات ومنها حياة الإنسان بقوله تعالى "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"، وأمر بتجنب كلَّ ما يضُرُّ بالنفس البشرية أو يُلحق الضَّرر بغيرها.

بينما أكدت دائرة الإفتاء العام إن صلاة الجنازة فرض كفاية، وتصحّ بواحد، وتسقط عن الباقين ومن باب أولى التخلي عن حضور مراسم العزاء في مثل هذه الأيام خشية انتقال المرض.

ودعت دائرة الإفتاء العامة إلى أداء صلاة الجنازة في المقابر أو مساجد الحي واقتصار الحضور على أهل الميت من المقرّبين فقط وتقبل العزاء عبر الهاتف أو الرسائل النصيّة أو وسائل التواصل الاجتماعي.

عادات مرهقة غابت

وبينما بدأت العاصمة عمّان بالتحلّل شيئاً فشيئاً من سطوة بعض المظاهر المرهقة، كاقتصار العزاء على يوم واحد بدلاً من ثلاثة أيام والتوقف عن تقديم الطعام والولائم، لا تزال بعض هذه المظاهر السلبية حاضرة في مدن أخرى كاستمرار التوافد على أهل الميت يومي الإثنين والخميس من كل أسبوع، وتقديم أهل الميت ما يسمى الونيسة، وهي وليمة يشترط فيها ذبح حيوان ليؤنس الميت في قبره بحسب اعتقادهم، بينما تقوم بعض العائلات بتقديم الحلويات للحاضرين عن روح الميت.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتبقى ظاهرة الولائم والتبذير في تقديم الطعام أبرز المظاهر المرهقة لذوي المتوفى، إذ يجدون أنفسهم أسرى العادات والتقاليد التي تحتم عليهم تقديم "المنسف"- وهو الغداء التقليدي لدى الأردنيين في المناسبات- لآلاف الحاضرين حتى لو كانوا غير مقتدرين مالياً، ما يدفع كثير منهم إلى الاقتراض تلبية لسلوك اجتماعي متوارث.

ولا تخلو الكثير من مراسم العزاء في الأردن قبل كورونا من التفاخر والتباهي الاجتماعي. إذ يعمد البعض إلى نصب خيم فاخرة مجهزة بالتدفئة شتاءً والتبريد صيفاً ومفروشة بالسجاد، على الرغم من توفر قاعات مخصصة لهذه المناسبات الاجتماعية، والتنافس في استضافة الدعاة والمشايخ.

التفاخر يمكن لمسه أيضاً عبر نشر إعلانات النعي في الصحف الورقية اليومية، وتخصيص عشرات الصفحات لاحقاً لتوجيه الشكر إلى من حضر المراسم، بخاصة من رجالات الدولة وأصحاب المعالي والعطوفة.

ويفضل كثيرون إحياء ما يسمى "أربعينة المتوفى"، وهي إعادة لا معنى لها لمراسم العزاء بعد 40 يوماً على الوفاة، ومن ثم بعد مرور سنة على الرغم من أن الحداد الشرعي في الإسلام هو لثلاثة أيام فقط.

استغلال كورونا للتغيير

يدعو أستاذ علم الاجتماع حسين الخزاعي الأردنيين إلى استغلال جائحة كورونا لتغيير الكثير من عاداتهم وتقاليدهم الخاطئة، مشيراً إلى بعض المبادرات الإيجابية في بعض مناطق المملكة كمبادرة "ارحمونا" للتخلص من التبذير والمغالاة في بيوت العزاء داخل مدينة الكرك جنوب البلاد، التي أطلقها عدد من شيوخ العشائر والناشطين.

ويقول الناطق باسم المبادرة زياد المدادحة إن الفكرة تشمل مراسم الدفن ومناسبات الأفراح أيضاً، وإنها تلقى رواجاً وقبولاً لدى كثيرين في مدينته على أمل انتشارها في كل المدن الأردنية. وكانت جمعية حماية المستهلك أصدرت بياناً يطالب الفعاليات الشعبية والبرلمانية والحزبية بإقرار ميثاق شرف وطني من أجل التوقف عن البذخ والإسراف في المناسبات.

كما أصدرت إحدى أبرز العشائر الأردنية، وهي عشيرة النعيمات، وثيقة شرف لتغيير العادات والمظاهر الاجتماعية المتعلقة بمراسم العزاء بهدف توفير النفقات المبالغ بها والتي تثقل كاهل أهالي المتوفى، بخاصة ولائم الغداء والعشاء. ونصّت الوثيقة على ضرورة التخلص مما سمّته "النفاق الاجتماعي"، وتقليص عدد أيام العزاء وساعاته.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير