Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"وباء المعلومات" يضرب الأطباء العرب في زمن كورونا

لم تكتمل بعد الصورة الوبائية لـ"كوفيد 19"

أطباء في أحد المستشفيات المصرية (أ.ف.ب)

الأرجح أن لا وباء فيروسياً ترافق مع "وباء معلومات" Infodemic، مثلما حدث مع كورونا. ولطالما رافقت الأوبئة مخاوف وإشاعات وأوهام مقيتة، لكن "وباء المعلومات" الذي نشرته شبكات التواصل الاجتماعي له شأن آخر.

وقد واجه أطباء العرب [وذلك مصطلح عام ومائع وغير واضح، وحتى إشكالي] الوباءين معاً، على غرار ما حدث في أنحاء كثيرة من العالم. وربما "تفرد" الوضع العربي بانكشاف ضعف الثقافة العلمية عموماً، لدى شرائح واسعة من الجمهور في المنطقة العربية. وبديهي أن الشأن الثقافي يتصل بمسارات اجتماعية وحضارية أعمق من أن تصل إليها أيدي الأطباء. لكن، إلى أي مدى بذل أطباء العرب أصلاً جهوداً لنشر ثقافة العلم؟ ما مدى انخراطهم في الابتعاد عن الثقافة أيضاً؟ وربما يكون الابتعاد عن العلم جزءاً من وضع عالمي واسع في زمن ما بعد الحداثة. ربما يستطيع مجتمع متقدم كالولايات المتحدة أن يتحمل ذلك الابتعاد ما بعد الحداثي عن العلم، بل وصولاً إلى وجود رئيس له علاقة صعبة مع العلم والعلماء. ولكن، تستطيع المجتمعات المتقدمة أن تبتلع كل تلك السلبيات، نظراً لرسوخ الآليات والمؤسسات والأبعاد العلمية فيها، ولا ينطبق ذلك على مجتمعات عالمثالثية، كتلك المنتشرة في المنطقة العربية، تعاني إرباكات عميقة شتى.

ويستطيع الرئيس دونالد ترمب أن يتقلب مزاجياً في علاقته مع المؤسسات الطبية في بلاده، وأن يتلاعب بالكمامة التي يصر على عدم ارتدائها، ثم يخرجها من جيبه أثناء زيارته مصنعاً للسيارات. في المقابل، يثب ترمب فرحاً أمام عودة بلاده إلى الرحلات المأهولة في مغامرة العقل الإنساني في استكشاف الكون، ويتبنى تأسيس قوات فضائية. ويصعب العثور على ما يوازي ذلك عربياً. باختصار، واجه أطباء العرب أوضاعاً عسيرة متشابكة في ظل وباء كورونا، لكنهم ليسوا خلواً من المسؤولية عنها، حتى عندما يكونون هدفاً "غرائبياً" لها.

عن أي جينات يتحدثون في "أرخبيل الهجائن"!

ضمن "وباء المعلومات"، راج مقال يتحدث عن مناعة العرب جينياً حيال كورونا. وينسب المقال مقولاته إلى "جمعية المهندسين الوراثيين في الأردن"، وتحديداً إلى رئيسها الذي لم يكلف المقال نفسه عناء ذكر اسمه! ولا يذكر المقال في أي مجلة علمية محكمة نُشِر ذلك البحث المفترض أنه "برهن" بأساليب علمية في الجينات والهندسة الوراثية، على أن خلايا الرئة لدى عرب الشرق الأوسط تغيب عنها تركيبة جينية تسمى "إيه سي إي 2"  ACE2، وهي تشكّل منطقة يستعملها الفيروس للدخول إلى خلايا الرئة. ويستطرد للإشارة إلى أن الـ"إيه سي إي 2" لدى عرب الشرق الأوسط أقل بنسبة واحد إلى ألف مما لدى الناس في شرق آسيا وأوروبا. ولا يشير المقال إلى الجهة العلمية العالمية التي قُدِّم إليها البحث كي تجري مراجعة نظراء متخصّصين عليه. ويغيب عنه ذكر المرجعية العلمية التي قدمت إلى الجهة المنسوب إليها البحث، المعلومات المتعلقة بـالـ"إيه سي إي 2" في دول تضم مئات ملايين البشر، بل مليارات منهم، في شرق آسيا وأوروبا. وكذلك ليس مؤكداً أن الجهة المنسوب إليها البحث تمتلك أساليب وأدوات متقدمة في بحوث الجينوم تتيح لها التوصل إلى الخلاصات المنسوبة إليها.

وقبل الاستغراق غير المجدي في نقد هذا الموّال، يلفت إلى أنها صادرة عن موقع تلفزيوني (وشبكي) متصل بسلطات روسيا. وعندما راج ذلك المقال، كان الاتحاد الأوروبي يتقدم بشكوى رسمية عن تضليل ممنهج تنهض به جهات روسية، بل ذكّر بالتدخل الإلكتروني الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية، ومجموعة من الانتخابات الأوروبية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويلفت في المقال مثلاً سهولة حديثه عن "عرب الشرق الأوسط" باعتبارهم يملكون تراكيب جينية منسجمة. كيف يكون ذلك في هذه المنطقة التي يصعب العثور على شبيه لها في شدة تخالط الأجناس والأعراق والأمم فيها؟ إنها "أرخبيل الهجائن" [باقتباس عنوان رواية ألكسندر سولجنيتسين "أرخبيل الغولاغ"]، أي "التراكيب الجينية المتخالطة". ويورد المؤرخ البريطاني جون كاي في كتاب "زرع الريح" أن غالبية عظمى من الإمبراطوريات المعروفة تاريخياً، حاولت الانتشار والسيطرة على هذه المنطقة، بما في ذلك تلك التي جاءت من داخلها بداية من الإمبراطورية الفرعونية وليس انتهاءً بالإسلامية. في مئة متر وصفها غير مؤرخ بأنها فائقة الفرادة عالمياً عند مصب نهر الكلب، ثمة لوحة عليها نقوش لجيوش 17 مشروعاً إمبراطورياً عبرها، بل يضاف إليها تلك التي مرت ولم تترك نقشاً هناك! تذكيراً، ثمة عالِم لبناني متخصص في الجينات، هو الدكتور بيار زلوعة، أجرى بحوثاً مطولة عن التراكيب الجينية في لبنان وحده، وتوصل إلى نتائج أذهلت كثيرين عن مدى التخالط في التراكيب الجينية لبلاد الأرز. كيف لو امتد الأمر إلى "عرب الشرق الأوسط"؟ أين هي البحوث التي أجريت عن التراكيب الجينية لتلك الشعوب الفائقة التخالط؟  

ويلفت إلى أن الأطباء العرب لم يحاولوا دحض تلك المقولات، بل ولا حتى تأييدها. ويعطي ذلك مثلاً عن عدم نهوضهم بمسؤولياتهم في التنوير العلمي، وبالتالي ليس ممكناً إعفاؤهم من المسؤولية عندما يضربهم غياب تلك الاستنارة. لقد استند رواج إشاعات كثيرة إلى عدم وضوح سبب التفاوت في انتشار فيروس كورونا، بل إن كثيرين سمّوه تهكماً "فيروس الأغنياء"، لأنه تمدد في دول غنية ومتقدمة أكثر مما فعل في دول متخلفة وفقيرة. وهناك أشياء كثيرة لم تتضح بعد في الصورة الوبائية لـ"كوفيد 19". ويصعب تفسير انتقائية انتشاره، بل إن منطقة كقطاع غزة تضم أعلى تركيز لكثافة سكانية في العالم تعيش في ظل ظروف فائقة الشظف، ولم ينتشر فيها كورونا وبائياً على نحو ما يتوقع تقليدياً في الأوبئة.

ألم يكن ذلك الغموض فرصة أمام أطباء العرب للشرح بأن العلم سيّال ويتبدل ويتغيّر، بل لا يتقدم إلا بأن ينتقد نفسه ومقولاته، وذلك ما لخصته مقولة فيلسوف العلم كارل بوبر "العلم قابل للنقض. ما لا يُنقَضُ ليس علماً"؟ سبق لطه حسين أن توصل إلى استنتاج مماثل استناداً إلى منهجية ديكارتية، فحذر من استسهال البعض (وتلك ظاهرة استفحلت بعد ذلك) إسناد مقولات دينية إلى العلم، لأن الأخير بطبيعته يتبدل ويتغيّر، فيما الدين مداره اليقين المطلق الثابت الذي لا يتغيّر.

ألم يكن ممكناً ببساطة القول لجمهور عربي واسع أن "لا ندري"، وليس واضحاً حتى الآن سبب التفاوت في الانتشار، على الرغم من فرضيات وبحوث شتى؟ الأرجح إن ما سبق مجرد نموذج عن فرص يمكن التقاطها لزرع ثقافة علمية مستنيرة وواقعية في أذهان الناس.

الجبن أمام التنجيم والسقوط في شعبوية الـ"شلولو"!

بعد هنيهة من انفلات وباء كورونا، هبّت إحدى "المنجمات"، لتزف بشرى تراءت لها بأن طبيباً عربيّاً سيكتشف علاجاً لكورونا. [شخصيّاً، لا أعرف معنى علمياً للتنجيم سوى الإشارة إلى ممارسة قديمة لم تعد علماً، وكانت رائجة قبل عهود النهضة والتنوير والحداثة]. لم يحاول طبيب عربي التصدي لذلك الهرج، أقله من باب شرح مدى التعقيد المذهل المتضمن في صنع دواء لفيروس، خصوصاً في خضم انتشاره وقبل اكتمال صورته وبائياً.

وتذكيراً، قدمت الصين التركيبة الجينية لفيروس كورونا بعد أيام قليلة من إقرارها رسمياً بوجوده وانتشاره. وقد نال الأمر ثناء علمياً عالمياً، حتى من قبل المتخصصين الذين طالما ظهروا قرب الرئيس ترمب، خصوصاً البروفيسور أنطوني فاوتشي الشهير. ثمة أكثر من 110 مختبرات علمية متقدمة تعمل على مسألة الدواء واللقاح، وهما متداخلان كثيراً في حالات الفيروسات من منظور علوم الهندسة الوراثية. ليس عيباً أن لا مختبرَ منها في الشرق الأوسط، لأن وجوده له مقتضيات علمية واجتماعية وسياسية وحتى استخباراتية، فائقة التعقيد والتقدم والتشابك. ولم تظهر محاولات جدية وعلى مستوى الحدث من قِبَل أطباء العرب، لشرح تلك الأمور للناس. واقتصر الأمر على استضافات إعلامية، خصوصاً على شاشات الإعلام المرئي- المسموع. ليس القصور خللاً علمياً بحد ذاته، بل التخلي عن شجاعة الاعتراف به، لأن ذلك أدى إلى عدم إدراك الناس مدى الجهد العلمي الذي بذله أطباء العرب في تبني أساليب وبروتوكولات العلاج التي لا تتوقف عن التبدل أيضاً، بسبب الطبيعة المتغيّرة باستمرار للعلم.

برزت إحدى نتائج ذلك التخلي، عندما وصل الأمر بجمهور بلد عربي كبير أن يشمت بارتفاع نسبة الوفيات بين الأطباء فيه، بدل الاعتزاز بهم وبتضحياتهم. وفي تغطية من إذاعة "مونت كارلو" عن تفاعل الجمهور مع تلك الوفيات، جاء أن شرائح من ذلك الجمهور طالبت بإلغاء الأطباء وصرفهم إلى منازلهم، لأن "كل شيء موجود على "ويكيبيديا"! ولاحظت تلك التغطية أن الأمر حدث عندما كانت بلدان العالم المتقدم تفتح أبوابها مشرعة أمام الأطباء والممرضات والممرضين. لكن، ألا يتحمل أطباء العرب مسؤولية تلك المقولات الغرائبية التي ضربتهم؟ ألم تأتِ بعد أن ظهر طبيب متخصص في التغذية ليبشر بقدرة أكلة "الشلولو" على درء كورونا، بل لم ينأَ بنفسه عن نبرة شعبوية في اعتبار صنّاع أكلة "الشلولو"، طلائع الطب في التاريخ!

كيف نلوم الجمهور إذا انبهر بعد تلك "السقطة" بموسوعة أولى من نوعها في التاريخ [= "ويكيبيديا"]؟ هل تكلف أطباء العرب عناء شرح كيفية التعامل مع المعلومات التي تنشر على مواقع كـ"ويكيبيديا"، والفارق بينها وبين المسارات العلمية الفعلية؟ ربما يكون مفهوماً أن يكون جمهور غرق طويلاً في غياب المعلومات، قد انبهر بوجود "ويكيبيديا" وما تتيحه من معلومات، فظنها أنها العلم كاملاً. لكن، أين هو صوت أطباء العرب في ذلك الأمر وما يشبهه؟ أين هي جهودهم الواسعة والمؤثرة في نشر الثقافة العلمية، اللـهم سوى بعض جهود متناثرة؟ بديهي القول إن مسحة من العدمية غير الواقعية ربما رانَتْ على الكلمات السابقة، وذلك نقد صحيح. ولقد جاء جزء كبير من تلك المسحة العدمية بسبب التعميم في مصطلح "أطباء العرب"، فيما الواقع العربي مملوء بالتفاوت، وهناك جهود تبذل وهناك دول كثيرة تهتم، لكن محاولة تَرَسُّم صورة عامة عن واقع متشابك، يوقع الكلام في مآزق كثيرة.

المزيد من صحة