Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التخلص من "التفاحة العفنة" لن يوقف المؤسسات العنصرية عند حدها

كثيراً ما تُسلط أدوات التواصل الاجتماعي والأخبار الضوء على أحداث عنصرية فردية لكن قلما تخضع جذور هذه الأحداث للمعاينة أو تُناقش

خفتت الضجة التي أثارتها حادثة "سنترال بارك" في نيويورك عندما هددت امرأة غير اجتماعية تُنزه كلبها، أحد مراقبي الطيور الأميركيين من أصولٍ أفريقية، بالاتصال بالشرطة بعدما طلب منها بكل أدبٍ الامتثال إلى القانون الذي يفرض على المتنزهين "إبقاء الكلاب مربوطة" في كل الأوقات. هكذا كفّ الناس عن التراشق بالألفاظ حول الحادثة التي تحوّلت إلى مجرد حاشية بسيطة في صفحات الأخبار، نظراً إلى ما أعقبها من تطورات. وهذا أمر مؤسف، لأن العبر التي يُمكن استخلاصها من الواقعة ومن ردود الفعل عليها، كثيرة.

دفعت آيمي كوبر، مديرة محافظ التأمين في شركة "فرانكلين تامبلتون" للخدمات المالية، غالياً ثمن تصرفها البغيض ومحاولتها استغلال خوف مراقب الطيور كريستيان كوبر الحقيقي من الشرطة، ومن احتمال تدخلها، كونه أميركياً من أصول أفريقية. وكانت النتيجة أن وجدت نفسها سريعاً خارج أسوار واحد من أروع أسواق الأعمال التي عرفتها أميركا منذ الكساد العظيم.

فقد أعلنت الشركة أنه "في أعقاب مراجعتنا الداخلية للحادثة التي وقعت في منتزه (سنترال بارك) أمس، اتخذنا قرار إنهاء عقد عمل الموظفة المتورطة فيها، اعتباراً من هذه اللحظة. فنحن في (فرانكلين تامبلتون) لا نسمح بأي شكلٍ من أشكال العنصرية والتمييز العنصري".

وبهذه العملية، تكون "فرانكلين تامبلتون" قد غسلت يديها من المسألة، وتنحّت جانباً بعدما تخلّصت من التفاحة العفنة. لكنها لن تجني ثمار فعلتها هذه قبل استحقاق بيان أرباحها الربع سنوية التالي.

فهل ما فعلته مقبول حقاً؟ كلاً. ولو ألقيت نظرة سريعة على "فرانكلين تامبلتون"، سترى بأم عينيك جانباً من جوانب السبب الذي حوّل الحلم الأميركي إلى كابوس بنظر كل من لا يعتبر نفسه جزءاً منه بسبب اللون.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فبين المديرين والمسؤولين السبعة عشر المُدرجين على موقع الشركة الإلكتروني، 15 هم من أصحاب البشرة البيضاء، ولا أحد بينهم من أصول أفريقية، والشعار الذي يرفعه هؤلاء ويُنادون به: اعمل بجد وجهد تنجح.

وما يوحي به موقع الشركة الإلكتروني هو أن الانتماء إلى عائلة جونسون، العائلة المؤسِسة، يبدو الطريقة المثالية لارتقاء سلم النجاح في شركة "فرانكلين تامبلتون" العامة والمدرجة في "بورصة نيويورك".

لكن، ثمة شركات أخرى لا تقيم وزناً للعلاقات العائلية، بالتالي لا يكفي فيها الاسم لتأهيل صاحبه للفوز بمنصب رفيع.

لذا لو أردت أن تتقدم وتعتلي منصباً كبيراً في الشركات الأميركية، فإنّ أفضل طريقة لبلوغ هذه الغاية تتمثل في تحصيل شهادة من جامعة مرموقة وباهظة، ثم عرض خدماتك في شارع وول ستريت أو بإحدى شركات الخدمات الاحترافية الكبرى، والتواصل مع الأشخاص المناسبين.

صدق أو لا تصدق، هذا هو المسار الأفضل بالنسبة إليك رغم استثنائه للكثيرين، خصوصاً أبناء الأقليات. وتخدم الضجة الكبيرة المفتعلة حول الاستثناءات، أو الأشخاص الذين يشذون عن هذه القاعدة، ممن صار بعضهم مادة خصبة لأفلام سينمائية، فقط في تسليط الضوء على مدى غرابتهم.

وما علاقة هذا الأمر بالنيران التي أُضرمت في أنحاء أكبر المدن الأميركية بعد تعرض جورج فلويد غير المسلح والمكبل اليدين للقتل على يد أحد ضباط شرطة مينيابوليس الذي ضغط على عنقه بينما كان يختنق؟ لقد أججتها العنصرية المؤسسية أيضاً.

كثيراً ما تُسلط أدوات التواصل الاجتماعي الضوء على أحداث عنصرية فردية تتناقلها الأخبار، لكن قلما تخضع جذور هذه الأحداث للمعاينة أو تُناقش.

وهذا ينطبق على الشركات الكبرى في أميركا ومؤسساتها السياسية وأجهزة الشرطة لديها. ويتسم ذلك بدهاء أكبر في الشركات والمؤسسات السياسية، كونها تُعين عناصر من الأقليات أو تغض الطرف عنهم بدل أن تقتلهم. لكن أميركا برمتها تتغذى على خليطٍ سام.

يتجلى أكثر الأمثلة الصارخة على ذلك في "الدوري الوطني لكرة القدم الأميركية"، وهو الدوري الرياضي الأول في البلاد، إذ 70 في المئة من اللاعبين من أصول أفريقية ممن اُختيروا غالباً بفضل جدارتهم، ولديه أربعة مدربين فقط من أبناء الأقليات، لكنه رفض توظيف لاعب وسط جيد تماماً بسبب مشاركته في احتجاجات مناهضة العنف الذي تمارسه الشرطة. لعلك سمعت به، فهو يُدعى كولين كايبرنيك. 

العنصرية المؤسسية هي ظاهرة خفية ومتفشية على نحوٍ خبيث. لا تراها في الأفلام. وما لم تكن واحداً من ضحاياها، فالأرجح أن لا تراها بادية بالفعل عبر الإحصاءات أو في الطبيعة الأحادية اللون للصور التي تُزين مطلع السير الذاتية القصيرة لأباطرة الشركات الذين يقولون إنهم لا يتسامحون مع العنصرية في تقاريرهم السنوية.

التصدي للعنصرية المؤسسية أمرٌ صعب، في الأقل لأنه غير معترف بها على هذا النحو، ولأن مجرد استخدام الكلمة سيُعرضك لكلام متعجرف من قبيل "كيف تجرؤ؟" يوجهه إليك مسؤول العلاقات العامة المعين أصلاً من قبل منظمة أقل ما يُقال فيها إنها عنصرية.

"نحن نكره العنصرية"، هذا ما يقوله الجميع. نعم، نعم. التصدي للعنصرية مهمة قاسية ومن غير المرجّح أن تفضي إلى نتائج من النوع الذي يُحب السياسيون تسليط الضوء عليه في سياق محاولاتهم لإقناع الناس بإعادة انتخابهم، إنها لن تؤدي إلى نتائج كهذه بسرعة في الأقل. فمعالجة العنصرية لا تترك انطباعاً طيباً لدى الجهات المانحة التي تمولهم، لأن هذه الأخيرة في أغلب الأحيان جزءٌ من مشكلة العنصرية نفسها.

من هذا المنطلق، يُمكن القول إن المشاهد التي فاضت بها شاشات قنوات الأخبار الأميركية في الأيام الماضية، ربما ستتكرر في دولة لا تزال تحب أن تسمّي نفسها "قائدة العالم الحر".

© The Independent

المزيد من تقارير