هجرة الشباب من سوريا تدفع "الختايرة" إلى ميدان العمل

تتزايد شيخوخة القوة العاملة في سوريا بسبب عوامل عدة أبرزها هجرة اليد الشابة ومطالبة إنسانية بدعم كبار السن ممن لا يملكون رواتب تقاعدية

عامل مسنّ من الذين يعملون بالأجرة ليوم واحد (اندبندنت عربية)

تَرتسِمُ على وجوه عددٍ من العمال الكبارِ السن والبائعين المتجولين، ملامح البؤس والتعب، لتجدهم في شوارع سوريا التي خلت في شكل واضح على غير عادتها من الشباب أثناء الحرب وبعدها.

وفي ظل تناقص القوة العاملة الشابة من المهنيين، يتزايد معها في شكل ملحوظ وواسع دخول العمال في خريف عمرهم إلى أسواق العمل من جديد، وحتى عملهم بحرفٍ ومهن مجهدة تتطلب طاقات فتية لممارستها.

يرفضون التقاعد

يرفض العمال السوريون الكبار ومن وصل منهم إلى عمر يزيد عن 60 سنة التقاعد، وهي السن الرسمية للتقاعد في الدوائر الرسمية والقطاع العام، ليستمر العامل المتقاعد من هذه الوظائف بالعمل في أعمال خاصة، أو يواصل عمال القطاعات والمهن الخاصة عملهم حتى ما بعد وصولهم إلى سن التقاعد.

وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن معدلات العمل تناقصت وسط الفئة العمرية 65 سنة فأكثر على نحو بطيء بين العامين 2000 و2015 باستثناء الأردن وسوريا اللتين شهدتا تناقصاً حاداً، ويفسر ذلك التناقص بالتوسع في نظم المعاشات وتزايد معدلات البطالة إضافة إلى زيادة الوصول إلى العمالة.

هجرة الشباب والتقاعد

وتعزو أسباب هذه الظاهرة إلى هجرة الشباب خارج البلاد، وعزوفهم عن العمل والتخفّي هرباً من الملاحقة، لأداء الخدمة الإلزامية أو الاحتياطية، إذ تجاوزت مدة "خدمة العلم"، وهي التسمية التي تطلق على الخدمة الإلزامية في سوريا مدة الثماني سنوات منذ العام 2011 بداية الأحداث السورية العسكرية، إذ يؤدي الشاب في عمر 18 سنة، وهو عمر التكليف بالخدمة الالزامية مدة تقارب عاماً ونصف العام، وبعدها يدخل مباشرة إلى الخدمة الاحتياطية التي يطلق عليها خدمة "الاحتفاظ" للمجندين، الأمر الذي قلّل فرص العمل لدى الشباب، وجعلت نسبة فرص الشابات تستحوذ على الوظائف الحكومية والرسمية، فيما كبار السن، من أصحاب المهن والحرف، يتجهون إلى العمل في القطاع الخاص.

في هذا السياق، تُعتمد سياسات لتمديد العمل من قبيل اتخاذ ترتيبات جديدة تتيح التقاعد المرن، وتهيئة بيئة عمل متكيفة والتأهيل المهني لكبار السن المعوقين. ووفق تقارير منظمة حقوقية، فإنه لا بد من تمكين كبار السن من الجمع بين العمل المدفوع الأجر وأنشطة أخرى.

غياب قوة العمل الشابة

واقع الحال في سوق العمل السوري مغاير، إذ غابت قوة العمل الشابة في شكل ملحوظ، لتعمل في ورشات العمل شريحتان، إما كبار السن أو الأطفال. وفي هذا السياق، شكا الصناعي رضا بصمجي أوضاعه، وهو صاحب ورشة حياكة إذ يعتمد على 40 عاملاً.

يؤكد هذا الواقع أن الشباب يسعون إلى الهجرة في شكل لافت للنظر، بينما يوضح أن أصحاب الورشات والمعامل يسعون إلى خلق فرص عمل للطاعنين بالسن أو النساء في هذه الورشات ضماناً لاستمرار العمل.

ويقول رضا بصمجي "ليس من المعقول أن يقوم صاحب العمل بتدريب الكوادر الشابة وتأهيلها في شكل جيد لتهاجر بعد مدة عمل بسيطة، أو تلتحق بالتجنيد الإجباري، ما يشكل لصاحب العمل خسارة للموارد البشرية وإضاعة للوقت الذي قضاه في تدريب هذه الكوادر في شكل جيد".

العمال المسنّون ولو كانوا فئة بسيطة يعملون لكسب رزقهم، إلا أن الدافع الأخلاقي والإنساني يدفع المجتمع إلى الوقوف إلى جانبهم ومساعدتهم، خصوصاً الذين لا يملكون معيلاً، أو لا أحد يساعدهم. ومن هذه الإجراءات تمكينهم في سوق العمل أو تخصيصهم برواتب كحد أدنى تكفيهم للعيش في هذه الظروف الصعبة.

صبرهم على العمل الشاق هو دافعهم لعدم مدّ يدهم لطلب المساعدة، وهو دليل كرامة العامل السوريّ المسنّ الذي فضل العمل، على أن يطرق أبواب الجمعيات الخيرية أو أبواب فاعلي الخير، وهنا تلعب الجمعيات الإغاثية والأهلية دوراً في دعم كبار السن، إذ تعمل في سوريا وفق القانون 93 العائد للعام 1958، وعلى الرغم من كل جهود تلك المنظمات بالاعتناء بكبار السن ممن يعملون ولا يملكون رواتب تقاعدية، إلا أن الواقع يتطلب منها المزيد.

تبرز هنا مطالب خجولة من منظمات إنسانية مناشدة من أجل إنشاء صندوق دعم لكبار السن تقدم لهم رواتب تقاعدية تسهم فيها ولو بجزء بسيط من أجل سدّ رمقهم. ويقول موظف إغاثة يدعى سامر منجونة "تسعى الجمعيات الإغاثية إلى تقديم المساعدات، ومن المشاريع التي تقيمها، تقديم دعم للمسنين، وبلا شك، هذا الدعم ليس شاملاً وليس كافياً، وحقيقة الأمر لا بد من لفت النظر إلى هذه القضية الإنسانية والأخلاقية بالدرجة الأولى حول وجود أناس كبار عاطلين من العمل، ولا يجدون من يعيلهم، ولا بد من ضرورة إنشاء صندوق، فالعامل المتقاعد يحصل على راتبه التقاعدي، بينما العمال خارج الإطار الحكومي لا أحد يعيلهم ويشردون على الطرقات".

ارتفاع نسبة المسنين

ووفق تقرير أعده المكتب الإقليمي لصندوق الأمم المتحدة للسكان للمنطقة العربية في العام 2017 يتضاعف سكان المنطقة العربية بما يقرب من ضعف ونصف الضعف بحلول العام 2050، من 281 مليون نسمة في العام 2000 إلى رقم مذهل يقدر بـ 659 مليوناً أي بزيادة قدرها 60 في المئة خلال الخمسة والثلاثين عاماً المقبلة.

وترتفع نسبة المسنين العاملين في المناطق الريفية، ويرجع هذا في المقام الأول إلى أن نظم المعاشات لا تغطي العاملين في القطاع الزراعي، وترتفع معدلات البطالة لمن يتجاوزون الستين سنة، وسط الرجال من دون النساء، كما يُرجح حصول المتعلمين على معاشٍ، وبالتالي عدم العمل في سن أكبر، ما يعني أن مشاركة المسنين في قوة العمل ليست كماً مهملاً، خصوصاً أنهم لا يحتاجون إلى العمل فحسب، بل يستطيعون الإسهام بخبرتهم في تنمية أوطانهم.