Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما هدف أردوغان في ليبيا وماذا يستفيد من مواصلة الحرب هناك؟

أهداف الرئيس التركي لا تتوافق مع المصالح الاستراتيجية لأنقرة ولا تخدمها

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع صهره ووزير المالية الحالي بيرات آلبيرق (أ ف ب)

أصبح الوضع في ليبيا معقداً لدرجة أن جميع الأطراف هناك في حيرة من أمرهم ولا يدرون- بالضبط- ماذا يفعلون.

القصة طويلة ومتشعّبة، ونظرتُ إلى ملاحظاتي التي سجّلتها حول الموضوع، فإذا بي أمام موضوع تضيق عنه المساحةُ المتاحة لمقال صحافي، وأحتاج إلى صفحات عدة لاختصار المشهد هناك.

ولذلك سأحاول اختصار الموضوع قدر المستطاع، وسأسعى لأن أتجرّد عن التصورات الخيالية والرؤية العاطفية.

لقد أصبحت الساحة الليبية مسرحاً لحرب أهلية تدور بين حكومتين تتعارض أهدافهما وطموحاتهما، في خضم أزمات أمنية وسياسية واقتصادية تضرب بجذورها إلى عقود طويلة. وبالأخص عندما انتهجت الولايات المتحدة في ليبيا سياسة البقاء في وضع المتفرّج، تحوَّل البلد إلى مستنقع آسن، تُدعى له الأمم كما تتداعى الأَكَلة إلى قصعتها.

وبالمقابل، تُحاول روسيا توسيع مساحة نفوذها من خلال دعم بعض الفئات المحلية، ولكنها لا تتمتع بقوتها السابقة.

ولا تزال الحرب سجالاً بين حكومة السراج الضعيفة وبين قوات خليفة حفتر، الذي لا تزال صورته قاتمة لدى الرأي العام الدولي. ومما يزيد من صعوبة المعادلة وجود "المرتزقة" الروس (مجموعة فاغنر) على الساحة الليبية.

كما أن فرنسا تريد أن يكون لها وجود في الميدان من دون أن تثير حفيظة إيطاليا وألمانيا، ولذلك لا تتخذ موقفاً حازماً حيال الوضع المتأزّم. وبالتالي يعجز الاتّحاد الأوروبي عن اتخاذ موقف موحّد في السياسة الخارجية.

وأما بالنسبة إلى العالم العربي، فهناك شروخ عميقة بين اللاعبين الأساسيين في صنع القرار. ولا تستطيع الأمم المتحدة الوصول إلى حل وسط بين الأطراف.

كل هذه المعطيات أصبحت تصبّ في صالح الرئيس رجب طيب أردوغان وتتيح له فرصة المناورة في المشهد الليبي.

أجل، إن حكومة حزب "العدالة والتنمية" الحاكم لا تزال تحاول أن تستغل في سياستها الخارجية ما تتمتع به تركيا من موقعها الجغرافي وعلاقاتها التاريخية ومقوماتها الاقتصادية والعسكرية، وتوظّف هذه الفرصة السانحة كأداة في السياسة الداخلية أيضاً.

وفي سياق ذلك لا تتردد في تطبيق النموذج الإيراني الذي ينتهج سياسة التوسع في السياسة الخارجية وعمقها الإقليمي. فلم تتردد في الضلوع في حرب فعلية على الساحة السورية والليبية، كما أنها أسست قاعدتين عسكريتين في قطر والصومال.

وتسعى من خلال حزب "الإصلاح" اليمني، المقرّب من جماعة الإخوان المسلمين، لتأسيس موطئ قدم لها على الأراضي اليمنية.

شأنها في كل ذلك شأن النظام الإيراني، الذي يتوّسع خارج بلاده، عن طريق تأسيس أذرع تخدمها في تمرير سياساتها التوسعية ونشر فكرها وأيديولوجيتها.

وينبغي أن لا ننسى أن هناك نظامين يعملان من خلال شركائهما في الشرق الأوسط على تقويض أركان الدول العربية، هما: النظام الإيراني وحكومة حزب "العدالة والتنمية".

وأتعمّد في أن أنسب هذه السياسة الهوجاء إلى "الحكومة" وليست "الدولة" التركية، فقد كانت الدولة قبل حكومة حزب "العدالة والتنمية" تنأى بنفسها عن الخوض في غمار مثل هذه المغامرات الجنونية.

فلا النظام الإيراني ولا التركي يكافحان من أجل سواد عيون الشعب السوري أو الليبي، بل أودّ التأكيد على أنهما لا يكافحان إلا من أجل تمرير أيديولوجياتهما ومصالحهما التجارية.

هذا ما جعلني أطرح في عنوان مقالي سؤال: ما هدف أردوغان في ليبيا، ومن المستفيد من ذلك؟ فمن الطبيعي أن يتساءل الرأي العام الدولي: لماذا تُسخِّر حكومة حزب "العدالة والتنمية" طاقات هائلة في ليبيا على الرغم من معاناتها العميقة في علاقاتها الدولية وأدائها الاقتصادي في الداخل.

وللجواب عن هذا السؤال تعالوا بنا ننبش عما إذا كان لأردوغان أهداف ملموسة حقيقية في ليبيا.

بالطبع، هناك العديد من الأسباب الجيوسياسية والاقتصادية وراء ذلك. فمن أهم الأسباب المعروفة دولياً تلك المستحقات التي كانت تركيا تطالب بها ليبيا منذ أيام حكم معمر القذافي.

فلربما تخشى الحكومة التركية من أنه إذا ما استولت القوات التي يقودها خليفة حفتر على طرابلس بدعم إماراتي وفرنسي ومصري، فستُحْرَم من استعادة تلك المستحقات التي ظلّت تطالب بها منذ حقبة القذافي، بالإضافة إلى الاستبعاد من العطاءات المتعلقة بإعادة إعمار البلاد.

وهذه نقطة يتنبأ بها أيُّ محلل سياسي يقرأ الأحداث من منظور الصراعات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية على أساسِ تَضارُب المصالح ومحاولاتِ الاستحواذ على الموارد الاقتصادية والمواقع الاستراتيجية.

ولكني أودّ أن أضيف نقطة مهمة لم تلقَ الاهتمام الكافي في الإعلام العربي، ربما تلقي الضوء على هذا الاهتمام البالغ من الرئيس أردوغان بالشأن الليبي.

من المعلوم أن أردوغان له صهران، أحدهما هو وزير المالية الحالي (بيرات آلبيرق)، والآخر هو (سلجوق بيرقدار)، صاحب الشركة التي تصنّع طائرات من دون طيار وتصدّرها إلى ليبيا.

ولا ننسى أن صهره (بيرات آلبيرق) كان وزيراً للطاقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 ومن الغريب أنه بينما يعيش الشعب الليبي والعائلات أسوأ حالات التمزّق والمعاناة، وينزح عشرات الآلاف من مساكنهم وبلادهم، ولا يزال آلاف الناس يَلقون حتفهم، إذا بهذا الوزير الصهر يصرّح -من دون استحياء أو خجل- بأنهم سينقّبون عن النفط في ليبيا.

وأما الصهر الآخر فتبدو فتجارته رابحة وسلعته رائجة. فزبونه الرئيس هو القوات المسلحة التركية. فكلما سقطت طائرة منها في ليبيا باعوا غيرها لها، مما يعني مزيداً من "الدخل الدموي".

ولذلك أقول: إن كل تاجر أسلحة سيكون محظوظاً إذا كان مدعوماً من شخص مثل أردوغان في هذه الحرب.

وهناك نقطة أخرى تتعلق بحزبه المُشْرف على الانتخابات. حيث يدور النقاش في هذه الأيام حول إجراء انتخابات مبكرة في البلاد. وفي هذه الحالة يحتاج حزب "العدالة والتنمية" إلى أمرين: الحرب وقمع الشعب.

وقد علَّمتْنا التجارب أنه كلما دار الحديث حول الانتخابات اصطنع الرئيس أردوغان لنفسه قصة بطوليّة يوظفها في حملته الانتخابية ويستغلها ضد معارضيه.

وأفضلُ طريقة لجلب أصوات القوميين والإسلاميين هو إشعال حرب تؤجّج المشاعر القومية والدينية. وربما يشعر بالحاجة إلى خلق أزمة على المستوى الدولي، مثل التصريح بالسماح بالصلاة في متحف/مسجد (آيا صوفيا)، الذي من شأنه أن يثير دوياً في الرأي العالمي، وقد يحتاج لإكمال اللعبة إلى استفزاز المعارضين الذين سيعارضون هذا الأمر، مما يجعل أردوغان يردّ عليهم ويَصِمهم بتعبيرات مثل "خائن، وإرهابي، وعدو للإسلام والأمة".

وإذا استعرضنا سياسة أردوغان التي اتّبعها في السنوات العشر الأخيرة، فسنرى أن استراتيجيته الداخلية والخارجية متوافقتان تماماً من هذه الناحية.

فكلما اتّبع في الداخل سياسة رفع مستوى التوتر والصراع الداخلي نجح في استجماع قوته ورصِّ صفوف مؤيديه، وألجأ - حتى المعارضة الهزيلة- إلى تأييده بطريقة ما، (مثل ما حصل بعد الانقلاب المزعوم).

وبالنسبة إلى الساحة الدبلوماسية، فإنه بدلا عن كونه صانعاً للعبة، لم يزل يرتضي لنفسه أن يلعب دور المعرقل في وجه الآخرين للحصول على ورقة أو مقعد على الطاولة. وبطبيعة الحال يستطيع أن يلعب على خطوط التوازن ويقفز من طرف إلى آخر ليظلّ الناس يتحدثون عنه على الدوام.

 لكن هذه الاستراتيجية لم تعُد مجدية في نهاية المطاف، بل أقحمت تركيا في الداخل والخارج في مأزق يصعب عليها التخلّص منه.

والنتيجة هي: أن أهداف الرئيس أردوغان لا تتوافق مع المصالح الاستراتيجية لتركيا ولا تخدمها، ولا تصبّ تحركاته هناك إلا في مصالحه الفردية والعائلية، بالإضافة إلى محاولاته اليائسة تصدير أيديولوجيته الفاشلة إلى الدول العربية والإسلامية، على غرار النظام الإيراني.

وهناك نقطة تجمع بين اللاوعي الإيراني الذي لم يزل ينظر إلى العرب بعين الريبة والمنافسة استراتيجياً وعقدياً، وبين منظري الإسلام السياسي التركي الذين ينظرون إلى العرب على أنهم أسهموا في القضاء على الدولة العثمانية. وأكثرُ من يستفيد من هذه المشاعر في نهاية المطاف هي إيران المتمتعة بتأثير لا يستهان به في محافل صنع القرار التركي.

المزيد من آراء