Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ذكرى مذبحة القيادة... لحظة استعادة الثورة في شرق السودان

مناسبة لتجديد مهمة إعادة التعريف الثوري للسودانيين

الذكرى الأولى لمذبحة الاعتصام تأتي اليوم لنفض الغبار ولتذكر بالمعنى الثوري للحراك (أ.ف.ب)

فيما تتهيأ لجنة التحقيق في مذبحة فض اعتصام القيادة، برئاسة المحامي السوداني نبيل أديب لطي هذا الملف نهائيا خلال ثلاثة أسابيع، مرت قبل يومين الذكرى الأولى للمذبحة في يوم 28 رمضان الماضي الموافق 3 يونيو (حزيران) 2019 التي استشهد خلالها أكثر من 250 شهيداً من خيرة شباب الثورة السودانية؛ سيكون من المهم ونحن نستعيد ذكرى هذا اليوم، أن نفكر في الجانب الآخر من الصورة، أي في كيفية تأسيس شرعية وطنية جديدة للسودانيين يمكن القول إنها بمثابة افتتاح فصل عظيم في حياة السودانيين؛ فصل لن يكون تذكره مجرد استعادة تاريخ عظيم لحياة في مكان وزمان فريدين، بل كذلك فصل من شأنه أن يكون النموذج التفسيري للحظة تأسيسية من شأنها أن تكون اللحظة الحاكمة للكثير من اللحظات الوطنية والتاريخية للسودانيين.

وبهذا المعنى، فإن الاحتفال بذكرى مذبحة فض اعتصام القيادة سيتجاوز النمط الاحتفالي التقليدي إلى مصاف حدث تأسيسي تكون ذكراه مناسبة كبيرة لتجديد مهمة إعادة التعريف الثوري للسودانيين منذ تلك اللحظة بكونهم أمة حققت أكبر انتصار لمعنى السودانوية في تاريخها الحديث.

لقد كانت ثورة ديسمبر 2018 (كانون الأول) الخلاصة التي توهجت عبرها لحظة الحرية كما لم تتوهج من قبل في تاريخ السودانيين الحافل مع الحريات. وإذا كانت لحظات الحرية في تاريخ السودانيين هي مفتاح فهم شخصيتهم التاريخية فإن لحظة اعتصام القيادة هي مفتاح شرعية تأسيسية لشخصية وطنية جديدة، أخرجت السودانيين إلى وعي جديد لحياة شكلت فيها الحرية مبرراً أساسياً لإدارة المستقبل.

بمعنى آخر؛ إن لحظة الوعي بالحريات التي فجرتها ثورة 19 ديسمبر 2018 في نفوس السودانيين لن تكون لحظة عابرة، كلحظة الربيع العربي الذي أخفق في معظم بلدان ذلك الربيع، بل ستكون لحظة اكتشاف أسباب استدامة الحرية والقبض على جوهرها الثمين. مما يعني أن الوعي هنا تحول من إحساس تاريخي إلى إدراك واعٍ بالتاريخ في أهم تجلياته المتصلة بوعي الحريات.

كأي حدث تأسيسي، كان لمذبحة فض اعتصام القيادة العامة في الخرطوم آلامه العظيمة وأحزانه الكبيرة التي لا تزال مطبوعة في نفوس السودانيين عامة، وفي نفوس سودانية عزيزة شاركت في ذلك الحدث ولم تفق بعد من هول ما جرى، وعلى الرغم من ذلك فإن ثمة صورة أخرى لم يكن ليتصورها أحد، فيما إذا جرت الأحداث في السودان بمعزل عن ذلك الحدث التأسيسي. فالعلاقة الجدلية بين الإحساس بالحرية كضريبة يدفعها دم الشهداء الغالي، وبين ما يمكن أن تكون عليه الأمور بغير ذلك؛ هي التي ستضيء لنا قيمة ذلك الحدث التأسيسي المؤلم والضروري جداً لعبور ثورتنا إلى ما أصبحت فيه اليوم، على الرغم من العثرات التي تعيق مسارها، وهي عثرات ضرورية كذلك.

إن الذكرى الأولى لمذبحة الاعتصام تأتي اليوم لنفض الغبار ولتذكر بالمعنى الثوري للحراك الذي بدأ في يوم 19 ديسمبر 2018 في نفوس شباب الثورة ولجان المقاومة الذين مر عليهم عام الثورة في بعض مناطق السودان الملتهبة بظاهر أحداث اقتتال أهلي (كما حدث في شرق السودان) لتصرفهم دلالة تلك الأحداث عن علاقتها العضوية بالثورة ذاتها ولتحيِّد طاقاتهم العظيمة في الحراك من أجل أخذ زمام المبادرة التي يتعين عليها أخذها لاستئناف مهمتهم الثورية الثانية.

فاليوم ينبغي على السودانيين، وبخاصة لجان المقاومة وأنصار الثورة، استئناف مهام الفصل الثاني من الثورة السودانية، وهذا الفصل طبيعته ليست عامة كمهمة الشعب في إسقاط البشير في يوم 11 أبريل (نيسان) 2019، بل هي مهمة تتعلق بكل إقليم من أقاليم السودان على حدة، في معالجة القضايا والتحديات التي تواجه الثورة في ذلك الإقليم. عبر استلهام روح الثورة كما تجلت في استئناف الحراك الثوري يوم 30 يونيو / (حزيران) 2019 الذي أرعب جميع من كان يحلم بخطف حلم السودانيين في الداخل والخارج؛ حين خرج السودانيون بالملايين من دون خوف في تأكيد للطبيعة الثورية الحرة التي جسدتها في وعيهم أيام اعتصام القيادة العامة.

وبطبيعة الحال لكل إقليم مشكلاته التي تتعلق به. على تفاوت في هذه المشكلات بين إقليم وآخر. أي أن الأمر هذه المرة يتعلق بطريقة إسقاط بقايا الرموز الخفية للنظام السابق وحلفائه في الأقاليم.

سأتحدث هنا عن تحديات الثورة التي تواجه الثوار ولجان المقاومة في مدينة بورتسودان، وفي شرق السودان بصورة عامة، لأنني بطبيعة الحال من أبناء هذه المدينة، ولأنها شهدت أحداث اقتتال أهلي لعبت دوراً في تبريد زخم الثورة، وهي كذلك أحداث بدأت فيها الفتنة تزامناً مع ذلك الحدث التأسيسي لمذبحة فض اعتصام القيادة.

إن لجان المقاومة والناشطين الثوريين كأجسام مدنية عادة ما يخفت صوتها حين يغلب العنف القبلي والاقتتال الأهلي على الفضاء العام؛ بتدبير قوى الثورة المضادة استهدافاً لتعطيل حراكهم الثوري الجامع بينهم كسودانيين والمذكر لهم ًبقوة الآصرة الوطنية لثورتهم. وهذا تحديداً ما حدث في مدينة بورتسودان حيث برز نتيجة للاقتتال الأهلي؛ انقسام عمودي في مكونات المدينة؛ أراد منه صانعو سياسات الفتنة أن يصب في الاستقطابات القبائلية التي تتولد عن أحداث العنف، لا سيما حينما تم دفع بعض مكونات البجا في المدينة لنقل مربع الزخم الثوري إلى مربع صراع لا علاقة له بالمناخ الذي كان ينبغي أن يستمر به المد الثوري إلى غاياته في التغيير، وذلك حين بعث أنصار النظام السابق بتدبير خبيث؛ قضايا مفتعلة حول تاريخ وممالك وأرض البجا، ما أدى في النهاية (بجانب الاقتتال الأهلي) إلى محاولات إعادة فرز ضربت المكون الثوري للحراك الشبابي المدني ولجان المقاومة في صميم طاقتهم الثورية والوطنية، ومن ثم لعب تسبب في انكماش أدوارهم وانحسار موجة الزخم الثوري بينهم بوصفهم سودانيين فقط لا قبائليين!

وهكذا عاد الخطاب القبائلي والعنصري والاقصائي للفضاء العام ليلعب بذلك على مهمة تضييع خيط الثورة من شباب المقاومة في خضم تلك الفتن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لهذا لا يمكن اليوم استعادة الزخم الثوري للجان المقاومة بمدينة بورتسودان في الذكرى الأولى لمذبحة فض الاعتصام؛ من دون التفكير الجاد في أن ما يحدث من فتن قبلية وفرز عنصري في المدينة له علاقة مباشرة باختبار وعيهم الثوري ذاته وأن تلك الفتنة التي تسهر عليها قوى الثورة المضادة سببها الأساس هو ضرب حراكهم الثوري العظيم. مما يوجب عليهم بالضرورة؛ استعادة مبادرة الزخم الثوري، من خلال الربط في وعيهم؛ بين مظاهر النعرات القبلية المفتعلة، وبين الغرض الأساسي من إحيائها في المجال العام؛ وهو: تحييد وشل طاقاتهم الوطنية عن الفعل الثوري.

إن ما يريده رموز النظام القديم وحلفاؤهم هو إلهاء الثوار ولجان المقاومة والنخب الواعية في مدينة بورتسودان وإعاقتهم عن رؤية العلاقة العضوية بين حراك العنصريين والقبائليين عبر تهييج العوام، وبين إرادة فلول نظام البشير وحلفائهم الفاسدين للإبقاء على مكاسبهم القديمة عبر استخدام تلك الدعاوى الانصرافية المضللة حول قضايا التاريخ والأرض والقبائل. لذا على قوى الثورة ولجان المقاومة أن تعيد استلام زمام المبادرة وتعي تماماً في الذكرى الأولى لمذبحة فض اعتصام القيادة؛ أن رهان بقائها واستعادتها لعافيتها هو تجاوز حالة الإحباط والإنزواء الذي أرادته لها قوى الثورة المضادة.

إن عدم الربط بين هذه الخيوط في نمط تفكير ووعي لجان المقاومة وشباب الثورة بمدينة بورتسودان هو الذي سيعيق رؤيتهم عن مبررات وأسباب تجديد الحراك الثوري وإعادة فاعليته إلى الصدارة بين كل المكونات الأهلية لمدينة بورتسودان، في الذكرى الأولى لمذبحة فض اعتصام القيادة؛ أي أن عليهم الوصول في تفكيرهم إلى نتيجة ضرورية تربط بين: أن ما تم من فتنة واقتتال أهلي في مدينتهم (بين بني عامر والنوية) تزامناً مع ليلة مذبحة فض اعتصام القيادة، هو جزء لا يتجزأ من مخطط له علاقة عضوية بالذين فضوا اعتصام القيادة العامة، بالتالي سيكون هذا الربط في التفكير بين الجريمتين هو دافعهم القوي لاستعادة زخمهم الثوري والأخذ بزمام المبادرة في الفضاء العام. فما حدث من فتنة كان هدفه الأساسي هو: شل إرادة نشاطهم كقوى حية للثورة في المدينة.

 وفي تقديرنا؛ أن الالتفاف حول شعار المطالبة بالمحاكمة الفورية لمثيري الفتنة الأهلية ومخططي الصراع القبلي، دعماً للجنة إزالة التمكين الذي التف حولها الشعب السوداني بحماسة، في الذكرى الأولى لمذبحة فض الاعتصام؛ سيكون هو المناسبة الوطنية الأقوى لاستعادة الزخم الثوري للجان مقاومة الأحياء في المدينة لتصدر المجال العام. فلجان المقاومة وشباب الثورة هم ملح هذه المدينة وهم أهلها وأحق الناس بها في تجديد الفعل الوطني للثورة بعيداً من قبائلهم ومكوناتهم الأهلية الضيقة؛ وذلك هو الفصل الإقليمي الثاني من استكمال مهام الثورة السودانية.

المزيد من آراء