حكم الإسلاميين في المغرب... تباين بين من يقرّ بفشله ومن يؤكد نجاحه

بعد حوالي ثمانية أعوام من وجود الإسلاميين في السلطة، تثير حصيلة تلك التجربة جدلاً في المغرب

مجموعة نسائية تطلب رئيس الحكومة المغربية السابق عبد الإله بنكيران بالاستقالة في العام 2014 (أ.ف.ب)

يترأس حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الاسلامي الحكومة المغربية منذ عام 2012 على إثر تيار الربيع العربي الذي جاء بالإسلاميين إلى الحكم في بعض الدول العربية، ويبقى المغرب البلد العربي الوحيد الذي لم يزل الإسلاميون على رأس الحكومة فيه.

أول حزب إسلامي في المغرب

بعد التحاق العديد من أعضاء الحركة الاسلامية، خصوصاً "حركة التوحيد والإصلاح"، بحزب الحركة الشعبية الدستورية الديموقراطية عام 1996، جرى تغيير الاسم إلى حزب العدالة والتنمية عام 1998، وشارك الحزب في الانتخابات التشريعية منذ عام 1997 وحصل خلالها على تسعة مقاعد في مجلس النواب، وظل في المعارضة حتى ترؤسه الحكومة عام 2012.

وصل الحزب إلى السلطة بعد فوزه بالمرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية التي أجريت قبل موعدها عام 2011 (التي كان من المفترض أن تجري عام 2012)، وذلك بعد حراك 20 فبراير (شباط)، وعرف بعدها المغرب إصلاحات قانونية وتعديلاً دستورياً.

واستمر الحزب في رئاسة الحكومة بعد انتخابات 2016 بحصوله على المرتبة الأولى بـ 125 مقعداً، وحلّ حزب الأصالة والمعاصرة في المرتبة الثانية بإحرازه 100 ومقعدين.

صراعات حزبية

يعيش حزب العدالة والتنمية صراعات سياسية مع بعض الأحزاب، أهمها حزب الاتحاد الاشتراكي الذي يتهم الحركة الإسلامية بالوقوف وراء اغتيال عضوه عمر بنجلون عام 1975، كما يعرف الحزب الإسلامي تنافراً حاداً مع حزب الأصالة والمعاصرة الذي أنشأه عام 2008 فؤاد عالي الهمة، الذي يشغل الآن منصب مستشار العاهل المغربي، وأدت خلافات حزب العدالة والتنمية مع حزب الاستقلال إلى انسحاب هذا الأخير من الحكومة عام 2013 وانضمامه إلى المعارضة.

يعيش الائتلاف الحكومي حالياً صراعاً بين الحزب ذي المرجعية الإسلامية وحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقوده رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي يحظى بنفوذ اقتصادي وإعلامي وسياسي، واتُهم حزب الأحرار بالوقوف وراء إفشال تشكيل الحكومة عقب انتخابات 2016، وهذا ما حدا العاهل المغربي على اختيار سعد الدين العثماني رئيساً للحكومة بدلاً من عبد الإله بنكيران الذي شغل المنصب منذ عام 2012.

ضرورة التغيير

قال أخنوش إن هدف حزبه هو رئاسة الحكومة بعد الانتخابات التشريعية المقبلة عام 2021، وإنه يسعى إلى استقطاب مناصري الأحزاب الأخرى بما فيها حزب العدالة والتنمية، وإنه يجب عدم ترك البلاد للذين يريدون جرها إلى وجهة معيّنة، وهو ما قد يوحي بوجود اقتناع بالدفع إلى ضرورة التغيير.

لكن بلال التليدي، الباحث المتخصص في الجماعات الإسلامية، اعتبر أن "تلك التصريحات لا تعدو أن تكون موجهة للاستهلاك الإعلامي فقط، وأن حزب الأحرار، المعروف في تركيبته السوسيولوجية بحزب الأعيان ورجال الأعمال، لا يملك أدوات استقطابية ما عدا علاقات المال والأعمال، وهي أدوات غير جذابة للقاعدة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية".

تقويم التجربة

تختلف التحليلات لحصيلة تجربة الإسلاميين في الحكم في المغرب بين من يقر بفشلها ومن يؤكد نجاحها. يقول علي لطفي الأمين العام للمنظمة المغربية للشغل "أعتقد أن تجربة حكومة حزب العدالة والتنمية هي الأكثر فشلاً في تاريخ المغرب، بدليل أن المغرب يعيش أضعف نسبة نمو، إذ وصل معدل البطالة إلى 10 في المئة، بعدما كان 8 في المئة قبل تولي الحزب رئاسة الحكومة، ووصلت تلك النسبة إلى 40 في المئة لدى الشباب ذوي الشهادات الجامعية العليا حسب احصاءات المندوبية السامية للتخطيط التابعة للحكومة".

أضاف لطفي "في الوقت الذي اعتمد فيه الحزب شعار محاربة الفساد وخلق عدالة اجتماعية، عرف المغرب إرتفاعاً في مستوى الفروق الاجتماعية، إذ ازداد الأغنياء غنىً في موازاة ازدياد بؤس الفقراء حسب تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المغربي، في الوقت الذي تضيّع فيه البلاد ثلاث نقاط في نسبة النمو بسبب تفشي الفساد الذي ازدادت حدته عوض أن تتراجع، ونأمل أن يبتعد الحزب عن الحكم لأن المغرب سيتجه نحو الهاوية إذا ظل الإسلاميون في السلطة".

لكن التليدي يرى عكس ذلك، قائلاً "ينبغي التمييز ضمن تجربة الإسلاميين في التدبير الحكومي بين مرحلتين، الأولى مرحلة عبد الإله بنكيران، التي قدمت المؤشرات الديمقراطية كل الدلائل على نجاحها من خلال الانتخابات، وكذلك من خلال عملية تعطيل تشكيل الحكومة الذي يعتبر دليلاً إضافياً على نجاح التجربة، إذ لم تستطع مراكز القوى ولوبيات المصالح أن تهزم التجربة الإصلاحية بوسائل السياسة، فراحت تضغط على المؤسسة الدستورية لتفعيل الفصل 47 من الدستور لإعفاء بنكيران".

يضيف التليدي "مؤشرات هذه المرحلة السياسية والاقتصادية والمالية تؤكد هذا النجاح، فالمؤسسات المالية والائتمانية الدولية شهدت بالحصيلة الإيجابية التي قدمتها حكومة بنكيران لجهة استعادة التوازنات المالية الكبرى وأيضاً على مستوى الإصلاحات الهيكلية التي أنجزتها متمثلة في إصلاح صندوق المقاصة، وإصلاح صندوق التقاعد، فضلاً عن تحرير المالية العامة وغيرها من الإصلاحات التي أقرتها بعض المؤسسات الدستورية مثل المجلس الأعلى للحسابات. وإذا انتقلنا إلى حكومة سعد الدين العثماني، ينبغي أن نأخذ في الاعتبار تغير الشروط السياسية، وقبول العثماني الاشتغال مع تحالف موسع رفض بنكيران قبوله انتصاراً منه للإرادة الشعبية، وما تقتضيه من صنع الخريطة السياسية".

أزمة كفايات؟

يعزو لطفي فشل الحزب في التدبير السياسي إلى اعتماده على المنطق الحزبي الضيق عبر إسناد المسؤولية إلى المنتسبين من عديمي الخبرة، والتجربة بخلاف الأحزاب التي سبقتهم إلى الحكم واعتمدت على عامل الخبرة بدل الانتماء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يتفق إدريس قصوري، المحلل السياسي، مع هذا الطرح قائلاً "لا تتوفر للحزب كفايات على مستوى تدبير السياسات وتطبيق البرامج على أرض الواقع. وجود مشروع نضالي ومناضلين ولو كانوا يؤمنون بمبادئ الديمقراطية والشفافية أمر غير كاف في خصوص تدبير الشأن العام، في مرحلة شهدت مشاكل اقتصادية واجتماعية كثيرة، من السهل أن ينجح حزب في الانتخابات بعد قيام حراك شعبي، لكن من الصعب أن يمتلك كفايات قادرة على تدبير الملفات الكبرى على الصعيدين الداخلي والخارجي".

لكن التليدي يعتبر أن "حزب العدالة والتنمية بأطره وكفاياته هو من تحمل مسؤولية القيام بالإصلاحات الهيكلية المكلفة شعبياً وسياسياً، والتزم تطبيقها وتحمل تكلفة التواصل للإقناع بها. إن هذا الادعاء هو مجرد محاولة لتكريس صورة نمطية قدحية عن حزب العدالة والتنمية".

احتجاجات وإضرابات

يعرف المغرب منذ أشهر حراكاً شعبياً ضد ارتفاع الأسعار والسياسة الضريبة والبطالة، وتردي مستوى ما بعد الخدمات، وتُرفع خلال بعض الاحتجاجات شعارات ضد حزب العدالة والتنمية.

يعتبر التليدي الحراك جزءاً من ظاهرة الحركات الاجتماعية الاحتجاجية التي تعمقت وتوسعت بفعل وجود خلل في السياسة، وليس في مخرجات سياسية حكومية، وأن ما يجري من استهداف العدالة والتنمية بوصفه يقود التجربة الحكومية والمسؤول عن السياسات التي أنتجت هذه الوضعية الاجتماعية، هو في الحقيقة جزء من معركة سياسية يجري توجيهها من قبل مراكز النفوذ لإسقاط تجربة العدالة والتنمية.

لا يعدّ قصوري الحراك الشعبي مؤشراً إلى السخط ضدّ حزب العدالة والتنمية قائلاً "عرف المغرب احتجاجات مشابهة قبيل انتخابات عام 2016 ومع ذلك فاز الحزب بتلك الانتخابات وبنسبة أكبر من الانتخابات التي سبقتها. لا يزال المد الانتخابي يميل لصالح التيار الإسلامي، ليس تعاطفاً مع مبادئ الحزب أو اقتناعاً ببرنامجه، أو عدم وجود بديل، إن الأمر يتعلق بموجة جاء بها الربيع العربي، كموجة اليسار التي عرفها المغرب في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته".

المزيد من