Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لعبة أدوار وأبطال

في أي نظام عالمي تعيش البشرية حالياً؟

بعد الغزو الأميركي للعراق تحدث الرئيس جورج بوش الابن والمحافظون الجدد عن "شرق اوسط جديد" نواته النموذج العراقي (أ.ب)

عشية حرب "عاصفة الصحراء" قال مستشار الأمن القومي للرئيس جورج بوش الأب الجنرال برنت سكوكروفت للمسؤولين الذين سألوه عما يقولونه للإعلام "قولوا هذا نظام عالمي جديد، ولن نقبل غزو صدام حسين للكويت"، وهو بالطبع نظام تصنعه القوة الأميركية التي جعلت بوش "ملك العالم" ثم أدارت النظام العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي بغطرسة "الأحادية الأميركية".

ففي يومياته، في 20 ديسمبر (كانون الأول) عام 1991 كتب بوش "إذا فشلت الحملة لإخراج العراق من الكويت، فما يحدث ليس فقط أن أتحمل اللوم ولكن من الممكن المطالبة بعملية عزل لي"، بعد إخراج القوات العراقية من الكويت أعاد صديق عربي تذكير صدام حسين بما أجابه عن سؤال قبل الغزو، وهو "أنت يا سيادة الرئيس في وضع جندي تسمح له القوى الكبرى بالتسلح والتدرب في الثكنة، فماذا يحدث إذا خرجت من الثكنة؟"، وكان الجواب "يقطعون رأسي"، ثم سأله "لماذا إذاً ذهبت بعسكرك إلى الكويت؟ كان الجواب، هناك تغيير يلوح في النظام العالمي، وأردت أن آخذ دوري وحصتي فيه بدل ترك الأمر للآخرين".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعد الغزو الأميركي للعراق وإسقاط دولته ونظامه عام 2003 تحدث الرئيس جورج بوش الابن ومستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس والمحافظون الجدد عن "شرق أوسط جديد" نواته النموذج العراقي في عالم تمارس خلاله أميركا "الحرب الوقائية"، وتستخدم قوتها العسكرية لتغيير الأنظمة و"بناء الأمم"، لكن ذلك فشل، والأحادية الأميركية لم تعش طويلاً، موسكو بدأت مع الرئيس فلاديمير بوتين إستراتيجية "التخلص من نتائج الحرب الباردة" وسياسة الثأر لروسيا التي حاول الغرب إذلالها بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، والصين مشت على طريق الصعود السريع اقتصادياً وعسكرياً وديبلوماسياً.

وعلى قمة العالم اليوم شغور: دور يبحث عن أبطال لقيادة نظام عالمي جديد، أميركا لم تعد راغبة في الدور الذي مارسته بقوة، إذ بدأ التخلي عنه أيام الرئيس باراك أوباما واكتمل مع الرئيس دونالد ترمب وشعار "أميركا أولاً"، ومن هنا قول ألكسندر دوغين ملهم بوتين "ترمب هو يلتسن النظام الأميركي بعدما كان أوباما غورباتشوف النظام"، بوتين راغب، وهو استعاد باستخدام القوة في جورجيا وأوكرانيا وسوريا دور القوة العالمية لروسيا بعدما وصفها أوباما بأنها "قوة إقليمية"، لكن إمكانات روسيا الاقتصادية وحتى العسكرية أصغر من طموحات بوتين، والصين ليست مستعجلة، فالرئيس شي جينبينغ قاد بلاده إلى مرتبة الاقتصاد العالمي الثاني بعد أميركا، وبدأ بتطوير الجيش، ورصد تريليون دولار لخطة "الحزم والطريق" في استعادة لطريق الحرير، لا بل إن الصين تمارس حالياً ما سماه الخبير الفرنسي فرنسوا غودمان "ديبلوماسية الذئب المقاتل" عبر جيل جديد من الديبلوماسيين المستعدين للتهجم على البلدان التي يخدمون فيها إذا قالت شيئاً سلبياً عن الصين، لكن الرئيس الصيني يردد أن ليس لبلاده "جينة" الهيمنة، وهو يعرف أن لغتها غير منتشرة وقوتها الناعمة محدودة، ولا أحد يملك ما لدى أميركا من قوة خشنة وقوة ناعمة، غير أن قائد سنغافورة لي كوان يو يرى الصين متجهة لأن تكون "اللاعب الأكبر في تاريخ العالم".

وعلى سطح العالم امتلاء، أبطال يبحثون عن أدوار، الهند، باكستان، إيران، تركيا، إسرائيل، ودول أخرى تريد لعبَ دور قوة إقليمية لها نفوذ في محيطها.

لعبة الخلاف والتنافس والصراع والتعاون بين الثلاثي الكبير على القمة تساعد اللاعبين الإقليميين على ممارسة نوع من حرمة العمل، لكن الحرية محدودة تحت سقف المصالح الدولية، وكلما حاولت قوة إقليمية تجاوز السقف تلقت ضربة ما تعيدها إلى موقعها.

والسؤال هو: في أي نظام عالمي تعيش البشرية حالياً؟ هل هو نظام متعدد الأقطاب أخذ مكان نظام الأحادية الأميركية الذي حلّ محلّ الثنائية القطبية الأميركية السوفياتية، كما نسمع الشعارات المرفوعة في روسيا والصين وأوروبا؟ هل هو "نظام اللاأقطاب" كما وصفه وزير خارجية فرنسا سابقاً؟ هل هو "نظام متعدد الفوضى" بحسب المؤرخ البريطاني تيموتي غارتن آش؟ ماذا بقي من "النظام الاقتصادي الليبرالي" الذي بنته وأدارته واشنطن منذ الحرب العالمية الثانية وجاء ترمب ضده؟ ولماذا لا تكون منظمة الأمم المتحدة هي، بعد تطوير ميثاقها وتغيير قواعد اللعبة في مجلس الأمن، المكان الطبيعي لإدارة النظام العالمي؟

الكل يقفز حالياً من فوق الأسئلة نحو سؤال مستجد: أي نظام بعد كورونا؟ ولا أحد يبدو واثقاً من أي جواب.

المزيد من تحلیل