"فايس" أو Vice يخطئ الهدف - ديك تشيني كان نائب رئيسٍ أكثر فظاعة مما أظهره الفيلم

الفيلم ترشح لثماني جوائز أوسكار وتخلّله أداء رائع – إلا أنّه لم يتطرّق إلى جانبٍ مهمٍّ من شخصية تشيني، بحسب أندرو بونكومب

في أحد أبرز المشاهد في بداية فيلم آدم مكاي حول ديك تشيني، نرى عميلاً سريّاً يمسك بنائب الرئيس ويدفعه داخل البيت الأبيض. كان ذلك صباح 11 سبتمبر  (أيلول) 2001، عندما ضربت طائرتان مختطفتان البرجيْن في نيويورك. وفي خضم الفوضى، كان يُعتقد بأنّ طائرة مختطفة أخرى تتّجه نحو "الكراون"، وهو الرمز السري المُستخدم آنذاك للإشارة إلى البيت الأبيض. ويَسترجع تشيني كلمات العميل السري جيمي سكوت في كتابه الصادر في العام 2011 بعنوان "في زماني: مذكرات شخصية وسياسية"، حين قال له "سيدي نائب الرئيس، علينا أن نغادر حالاً".

في فيلم "فايس"، كما في الكتاب، نرى تشيني يستلم زمام الأمور بسرعة. كان قد تمّ إجلاء جورج دبليو بوش للتو من مدرسة ابتدائية في فلوريدا، وكانت التقارير تفيد بأنّ عدداً من الطائرات الأخرى قد تكون في طريقها إلى عاصمة البلاد. سُئلَ تشيني عن أوامره للجيش. فأجاب "افتحوا النار عليهم".

قد يكون ذلك هو المشهد  الأقوى في الفيلم، إذ أنّه يربط تشيني على الفور بأحداث ذلك اليوم وما يُسمّى بالحرب على الإرهاب التي تلت تلك الأحداث. وهو أمر سيرتبط اسمه به إلى الأبد. وقد يظهر هذا المشهد أيضًا اللحظة التي يبدع كريستيان بايل فيها بتجسيد شخصية تشيني، العصبي والحازم والمتوعّد، الذي أصبح أقوى نائب رئيس في التاريخ.

يبدو أنّ الخطأ الوحيد في فيلم مكاي، الذي تم ترشيحه لثماني جوائز أوسكار – أي أكثر من أيّ فيلمٍ آخر هذا العام – هو ببساطة أنّ الشخص الذي يدور حوله الفيلم لم يظهر بما يكفي من الفظاعة.

مما لا شكّ فيه أنّ بايل قد بذل جهداً كبيراً في الفيلم، وقد استحقّ عن جدارة ترشيحه لجائزة أفضل ممثّل. ولكنّ الشخص الممتلئ والهادئ والمتأني الذي جسّده لم ينقل صورة الرجل الذي لُقِّب بـ "دارث فيدر" واعتَبر هذا اللقب شرفاً له. "لقد سُئلتُ عمّا إذا كان هذا اللقب يزعجني، وجاء جوابي بالنفي. في الواقع، لقب دارث فيدر هو واحد من الألقاب اللطيفة التي أُعطيَت لي مؤخّراً"، قال تشيني لمعهد واشنطن في العام 2007.

أصبح تشيني مرشّحاً لمنصب نائب رئيس لبوش في العام 2000 في مواجهته مع آل غور وجو ليبرمان. وكان من المتوقع لآل غور أن يفوز بالسباق الرئاسي. فبوش، الذي كان عديم الخبرة وصغير الشأن ومدمن كحول في ما مضى- بحيث أنّ جورج بوش الأب لطالما ظنّ أنّ جيب بوش هو من سيخلفه في البيت الأبيض- كان بحاجةٍ ماسّةٍ إلى شخص ذي خبرة. وبصفته كبير موظفي البيت الأبيض السابق، ووزيراً للدفاع، ورئيساً تنفيذياً لشركة الخدمات النفطية العملاقة هاليبرتون آنذاك، كان لدى تشيني ما يكفي من الخبرة للعب هذا الدور.

في مذكراته، يزعم تشيني أنه لم يكن يريد أن يتبوّأ ذاك المنصب، وأنّه كان سيكتفي بإعداد قائمة بأسماء المرشحين المحتملين على الرغم من إصرار بوش وقوله: "ديك، أنت تعرف جيّداً أنّك الحلّ لمشكلتي". أمّا الفيلم فيُشير إلى أنّ تشيني لطالما أراد أن يكون في هذا المنصب وقد تصرّف بذكاء لتحقيق مبتغاه. لم تكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر السبب وراء غزو أفغانستان لطرد طالبان من كابول وقتل أسامة بن لادن أو أسْرِه فحسب. فقد أتاحت لمؤسسي مشروع "القرن الأمريكي الجديد" - ومن بينهم دونالد رامسفيلد وبول وولفويتز وتشيني نفسه – فرصة تحقيق أمنيةٍ طال انتظارها، وهي الإطاحة بصدام حسين.

كما منحت من هم داخل الولايات المتحدة التبرير الذي يحتاجونه للتصرف بطريقة كانت تُعتبر غير مقبولة حتى تلك اللحظة.

بعد خمسة أيام على الاعتداء، قام تيم روسرت بسؤال تشيني كيف سترد الحكومة على الهجمات الإرهابية التي أودت بحياة حوالي 3000 شخص. فردّ الأخير أن الجيش الأميركي سيكون له دور بالطبع.

"ولكن علينا نحن أيضاً أن نتصرّف، وأن نعمل في الخفاء، إذا صحّ التعبير" قال تشيني، مضيفاً: "علينا قضاء بعض الوقت في الخفاء في عالم الاستخبارات. إنّ الكثير من الخطوات الواجب اتخاذها يجب أن تتمّ بصمت ودون أي مناقشة، وباستخدام المصادر والوسائل المتاحة لوكالات الاستخبارات لدينا، في حال أردنا لجهودنا أن تُتَوّج بالنجاح."

كان تشيني يعاني من مرض القلب آنذاك. ولكن عندما تحدث في ذاك اليوم، فيما النيران تبتلع البرجين التوأمين والبنتاغون، وحديقة شانكسفيل يملؤها حطام طائرة يونايتد إيرلاينز - الرحلة 93، كان من السهل تخيُّل تشيني وهو يأخذ مكانه بسرور بين أفراد القوات الخاصة أو العملاء السريين وهم يذبحون شخصاً أو يقتلونه في كهفٍ ما أو في سجنٍ تابع لوكالة الاستخبارات المركزية في موقع أسود في تايلاند. كان من الممكن تخيّله وهو يقيّد رجلاً ما أو يغمس رأسه بالماء لإيهامه بالغرق، أو يهدده بكلبٍ شرس.

وقد قال لروزرت: "ذلك هو العالم الذي يعيش فيه هؤلاء الناس. لذا، من المهمّ أن نستخدم أي وسيلة متاحة لنا لتحقيق هدفنا".

لا يعني ذلك أنّ فيلم مكاي لم يحاول تسليط الضوء على هذه الأمور، لأنّه حاول بالفعل. وقد ركّز على فترةٍ مبكرة من حياة تشيني المهنية وعلى إيمانه بالنظرية التنفيذية الأحادية، وهي النظرية القائلة بأن الرئيس يمتلك الصلاحية للسيطرة على السلطة التنفيذية بالكامل. وبمساعدة المحاميين ديفيد أدينغتون وجون يو، عمل تشيني على ترويج الفكرة القائلة بأنّ كلّ ما يقوم به الرئيس الأمريكي قانوني وشرعي، لا سيما في زمن الحرب.

ومن هنا، فإنّ ما كان يسمّيه رامسفيلد وغيره في البنتاغون بالاستجواب المعزّز، لا يمكن اعتباره "تعذيباً" إذا كان الرئيس هو من أمر بتنفيذه. تجدر الإشارة إلى أنّ كتاب "في زماني" لا يحتوي على أيّ إشارةٍ إلى التعذيب، ولكنّه يتكلّم عن الاستجواب المعزّز. وقد زعم أنّ مثل هذا الاستجواب لأبو زبيدة، الرجل المشتبه في تورطه في أعمال إرهابية، قد أفضى إلى الإفصاح عن معلومات ساعدت في إلقاء القبض على خالد شيخ محمد، قائد اعتداءات 11 سبتمبر.

"على الرغم من المعلومات التي لا تُقدّر بثمن التي كنا نحصل عليها من خلال برنامج الاستجواب المعزز، برز تحرّك في "كابيتول هيل" بقيادة السناتور جون ماكين وليندسي غراهام، لوضع حدّ للبرنامج"، يروي تشيني غاضبًا.

ويكمن جزءٌ كبير من المشكلة في أنّ فيلم فايس – تمامًا مثل فيلم "ذا بيغ شورت" الذي يتصدر بطولته أيضاً كريستيان بايل وستيف كارل والذي يعتبره مكاي فيلماً  شبيهاً – هو "كوميديا درامية"، وهو نوع من الأفلام التي غالبًا ما تُصنّف في أيٍّ من هاتين الفئتين. إن تأثير ويل فيريل كمنتجٍ للفيلم – بعد أن أخرج مكاي معه فيلم "أنكور مان"، وفيلم "تالاديغا نايتس"، وفيلم "ستيب بروذيرز" - واضح في فايس.

"لقد كان عملًا فائق الصعوبة"، يقول ماكاي لصحيفة "ذا ناشيونال" عند سؤاله عن كتابة سيناريو فايس: "حتّى أنّ البعض وصفه بالتهور".

"تتنوع نبرة الفيلم كثيرًا في فايس. فيكون السيناريو مظلماً ومأساويّاً في بعض المشاهد، ودراميّاً في مشاهد أخرى. وثمّة لقطات يكون فيها الفيلم سخيفاً جداً، وأعتقد أن هذه التغيّرات الكبيرة كان لها وقع دراماتيكيٌّ أكثر مما كان لفيلم ذا بيغ شورت".

لم يكن مكاي المخرج الوحيد الذي عانى من مشاكل مماثلة لتحدي اختلاف الأنماط. إنّ فيلم "وار ماشين"، من تأليف وإخراج ديفيد ميتشود، وبطولة وإنتاج براد بيت، هو فيلم تهكّمي صادر في العام 2017، مُقتبس عن كتاب لمايكل هاستينغز عن الجنرال الأمريكي ستانلي ماكريستال. ومثلما كان الحال لدى مشاهدة فايس، احتار المشاهدون بأمرهم: أيضحكون؟ أيبكون؟ أم يكتفون بالتهكّم؟

إنّه بالفعل لمن المؤسف حدوث ذلك، فعلى الرغم من الضعف الواضح في الأسلوب، يضم فايس أداءً رائعاً، مثل أداء إيمي آدمز التي جسّدت دور لين، زوجة تشيني الانتهازية الطموحة، وسام روكويل، الذي قدّم لنا نسخةً مثالية عن بوش الابن.

إنّ التصفيق الذي ناله الفيلم كان بمعظمه موجّهاً إلى بيل الذي استحقّه عن جدارة. فبمساعدة 100 قطعة من السيليكون المغلّف وزيادة وزن قدرها 40 باونداً، تحوّل نجم سلسلة "باتمان" لكريستوفر نولان، إلى شخصٍ يمشي ويصرخ و يحدّق تماماً مثل تشيني.

وقال الفنان بريان ويد، الذي شكّل الأجزاء التي رُكِّبت على وجوه الممثلين في فيلم فايس لصحيفة "نيويورك تايمز" أنّه: "تمّ الإتفاق على مزج ملامح وجه ديك تشيني بملامح وجه كريستيان بيل، من دون تغطية وجه الأخير بالكامل".

"إنّ أنجح الماكياجات ليست تلك التي تحاول فيها إخفاء ملامح الممثل بالكامل".

المشاهد الأخيرة في الفيلم تتضمّن مقابلة لتشيني يدافع فيها عن تصرفات الإدارة التي شارك في قيادتها. في هذه المقابلة تتردّد النبرة الحادة التي برزت في خاتمة كتابه "في زماني"، حيث ينتقد إدارة باراك أوباما القادمة والقرار بمحاولة إغلاق معتقل خليج غوانتانامو والإعلان عن إنهاء التعذيب.

في روايته، ينتقد تشيني الرئيس أوباما بشدّة بسبب رفضه رفع السرية عن الوثائق التي ادّعى أنها أظهرت أنّ التعذيب أدّى إلى استقاء معلومات استخبارية كافية للتدخل، ونشره فقط تلك التي تبيّن عكس ذلك. وكان يتمّ أيضًا النظر في إمكانية توجيه اتهامات ضد مسؤولين أميركيين أشرفوا على غرف التعذيب.

ويقول تشيني: "في الأيام الأولى من إدارة أوباما، كانت ردة فعلي الأولى هي السماح للانتقادات بالمرور دون الرد عليها". كلماته هذه لم تقنع أحداً، خصوصاً بعد زيارته لإدارة الأرشيف والوثائق الوطنية في واشنطن لإلقاء نظرة أخرى على الوثائق.

"لكنّ هذا الموضوع استمر في العودة إلى الواجهة، وكان الرئيس وأعضاء إدارته يقدّمون تأكيدات غير صحيحة حول البرنامج".

يضيف تشيني: "لقد روّعني واقع أن تكون هذه الإدارة الجديدة قد فكّرت ولو للحظة في معاقبة موظّفين شرفاء نفذوا سياسات إدارة بوش المشروعة وحافظوا على أمن البلاد".

هذا هو تشيني بالفعل. لقد دفع بالولايات المتحدة وبحلفائها إلى القيام بغزو غير مشروع لدولة بالاستناد إلى معلومات استخباراتية - تقول بأنّ صدام يمتلك أسلحة دمار شامل- كانت في أفضل الأحوال غير مؤكَّدة أومجزّأة.

لقد اعترف البعض في الإدارة - من بينهم وولفويتز – بأنّ التهديد المزعوم بوجود أسلحة دمار شامل قد اختير باعتباره الذريعة الأكثر ملاءمة من الناحية السياسية لإقناع الشعب الأمريكي بقرار الغزو. "لأسباب بيروقراطية بحتة، تمسّكنا بقضية واحدة وهي قضية أسلحة الدمار الشامل، لأنّها كانت الحجة الوحيدة التي يمكن للجميع أن يتّفق حولها"، قال وولفويتز لمجلة "فانيتي فير" في أيار (مايو) 2003.

بعد أكثر من 15 سنة، بلغ عدد القتلى من الجنود الأمريكيين في العراق 4,424 جنديًا، إضافةً إلى مقتل 179 جنديّاً بريطانيّاً على الأقل، بالإضافة إلى القتلى في صفوف قوات التحالف الأخرى.

وقد بُذلت جهود جمّة لإحصاء أعداد القتلى العراقيين الذين سقطوا في القتال وما أعقب ذلك من فوضى وأعمال عنف تُركت لتجتاح البلاد. لم تكن تلك الجهود خالية من المشاكل تماماً، ولكنّ من المؤكد أن يكون عدد القتلى قد تجاوز المليون قتيل.

يُذكر أنّ أبو مصعب الزرقاوي، المقاتل المتطرّف الذي شكل التنظيم الذي انبثق عنه داعش، سُمح له بمغادرة السجن في العام 1999، ولم يُقتل حتى العام 2006. طوال تلك الفترة كان يقود التمرّد ضد القوات الأمريكية والبريطانية.

بعد 18 سنة على غزو أفغانستان، لا تزال الولايات المتحدة تحاول التوسّط لتحقيق السلام مع طالبان.

اليوم، يبلغ ديك تشيني من العمر 77 عاماً وقد ألحق كتابه "في زماني" الصادر في العام 2011 بكتابٍ آخر بعنوان "استثنائي: لماذا يحتاج العالم إلى أمريكا قوية" بعد أربع سنوات. وهو لا يشعر بأيّ ندم على ما يبدو. أمّا بوش، الذي وقّع على قرار الغزو، فقد لجأ إلى حصص الرسم وإلى جلسات ركوب الدراجات مع قدامى المحاربين المصابين، فيما قد يكون محاولةً منه للتفكِّر فيما فعل.

"أنا من أشدّ المؤمنين بأمريكا وبدورها في العالم. إنّ معاركنا السياسية فوضويّة، وضارية، وقاسية في بعض الأحيان، ومع ذلك فإنّ النظام قادرٌ على اتخاذ خطواتٍ شجاعة ورحيمة عندما تدعو الحاجة"، يقول تشيني في كتابه.

"لقد واجهنا الشرّ بحزم، وتحدّينا التاريخ بطريقةٍ تخلو من الأنانية. فبدل أن نسعى إلى تأسيس إمبراطورية، سعينا إلى منح الحرية للآخرين".

إنّ خداع الذات هذا، وتحريف التاريخ، والإيمان المتواصل بأنّ كل ما قام به كان لخدمة هدف سامٍ، كلّها صفات تظهر الجانب الأكثر إثارة للرعب في شخصية تشيني، وما من فيلمٍ على الإطلاق يمكنه أن يصوّر هذا الجانب.

© The Independent

المزيد من سينما