Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شذى مصطفى تناقش الهوية الفلسطينية المنقسمة سرديا

البطلة الشابة تعيش صراع الداخل والخارج في رواية "ما تركت خلفي"

مشهد فلسطيني: لوحة للرسام نبيل عناني (موقع الرسام)

"ما تركت خلفي" هي الرواية الأولى للكاتبة الفلسطينية الشّابّة شذى مصطفى (نوفل/ هاشيت أنطوان). ترصد فيها التَمَوضُعَ العلائقي لفتاة فلسطينية بين الأم والأب والحبيب والأصدقاء، وَتَنَقّلَها بين فلسطين ولبنان والسويد والفيليبين، خلال مدّة دراستها العمارة في الجامعة الأميركية في بيروت، لا سيما في عام 2017. والفتاة المرصودة هي راوية الرواية والشخصية المحورية فيها، وهي تتقاطع مع الروائية، في ثلاث نقاط، على الأقل، هي: الهوية ومكان الدراسة والكتابة، ما يُوهم بواقعية الرواية، من جهة، وَبِسِيَرِيَّتِها، من جهة ثانية. ولعلّ السؤال البديهي المركّب الذي يطرحه العنوان هو: ما الذي تركته الراوية/ الروائية خلفها؟ وكيف فعلت ذلك؟ والإجابة عن هذا السؤال المركّب هي موضوع هذه العجالة.

في وسط الرواية، تخاطب الراوية صديقها إسماعيل بالقول: "أتعرف متى كان اليوم الذي قرّرت فيه أن أكتب كل هذا يا إسماعيل؟ يومها خرجت من الصف بعدما قال لنا الأستاذ: "لمّا مننشر وسخنا، بينشف بالشمس". عدت إلى المنزل. جلست إلى الطاولة، وبدأت بنشر أوجاعي" (ص 86). وفي نهاية الرواية، تقول لها أمّها: "لو أنني تمسّكت بكلّ شيء سيّء حصل لي، لما استطعت العيش. أنا بَكِبّ وبمشي يا بنتي"، فتجيبها: "أنا أيضاً بكتب وبمشي يا أمّي..." (ص 120). وهكذا، تكون الكتابة، من وجهة نظر الراوية، نشر الغسيل الموجع، والتخلّص من السَّيِّء. فهل هذا ما تركته خلفها الروائية؟

الرواية هي سيرة الراوية الذاتية، في علاقاتها بمن حولها، وهم الأب والأم والإخوة داخل فلسطين، والأصدقاء والحبيب خارجها. ولكلٍّ من هؤلاء موقعه النوعي والكمّي في الرواية الذي يتفاوت من شخصية إلى أخرى. في الداخل، تستأثر الأم بالموقع الأكبر، يليها الأب فالإخوة. في الخارج، يستأثر الحبيب بهذا الموقع يليه الأصدقاء. وبمعزل عن نوع الموقع وكمّه، نتساءل: ما هي طبيعة العلاقة التي تربط الراوية، واستطراداً الروائية، بكلٍّ من هؤلاء. وللإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من إضاءة إحصائية تشكّل مدخلاً مناسباً لها.

 مشاهد وشخصيات

تضع الكاتبة روايتها في مائتين وثلاثة وثلاثين مقطعاً أو مشهداً سردياًّ مرقّماً، من الرّقم واحد إلى الرقم أربعة، بحيث تضع لكلِّ شخصية رقماً خاصاً بها، يتكرّر هو نفسه بتكرار المشاهد العائدة لها.  يتراوح طول المقطع / المشهد بين سطرٍ واحدٍ ونصف السطر، في الحدّ الأدنى، وثمانيةٍ وعشرين سطراً ونصف السطر، في الحدّ الأقصى. وتتوزّع على شخوص الرواية بعدد: خمسةٍ وخمسين مشهداً للأم، ، ثمانيةٍ وأربعين مشهداً للأب، تسعةٍ وثلاثين مشهداً للأصدقاء، وواحدٍ وتسعين مشهداً للحبيب. وبذلك، يستأثر الحبيب بحصّة الأسد من النص، يليه الأم، فالأب، فالأصدقاء. وبكلمة أخرى، تتقدّم علاقة الحب على العلاقة الأسرية التي تتقدّم، بدورها، على علاقة الصداقة، من الناحية الكمّية، على الأقل.

بالعودة إلى نوعية العلاقات بين الرواية وكلٍّ من الفئات المذكورة، نشير إلى أنّها مشوبة باهتزازات تبلغ حدّ التصدّع، في بعض الأحيان، وخاضعة لمتغيّرات ترتبط بتقدّم العمر، من جهة، وزيادة الوعي، من جهة ثانية.

العلاقة مع الأم، تقوم، من جهة الراوية، على محبّتها، والخوف منها، والتعاطف معها، ولومها على زواجها، وإحساسها بالذنب، جرّاء موقفها منها، في مرحلة لاحقة. وتقوم، من جهة الأم، على التضحية في سبيل أولادها، والصرامة في تربيتهم، وتقديمهم على نفسها.

العلاقة مع الأب يكتنفها الكثير من عدم الفهم؛ هي تُحمّله مسؤولية تفكّك الأسرة بطلاق أمّها والزواج من أخرى، وتأخذ عليه عدم اهتمامه بالأسرة، وعدم التعبير عن مشاعره، وعدم مشاركتها في مناسباتها السعيدة. ولا تتورّع عن وصفه بالحقارة والانقطاع عن زيارته. وهو ضحية الأسر الذي تعرّض له ما أفقده التوازن، وجعله يعنّف زوجته، لا يتقن التعبير عن مشاعره، يقدّم رغباته على مصلحة الأسرة، ما يؤدي إلى تفكّكها. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أصدقاء الخارج

العلاقة مع الأصدقاء تتمّ خارج فلسطين، خلال دراسة الراوية في الجامعة الأميركية في بيروت. والأصدقاء هم زملاء الدراسة: إسماعيل ودنيا وناي. ويكون لكلٍّ منهم دوره في دعم الراوية، والوقوف إلى جانبها، والأخذ بيدها. الأوّل يهتم بها كجدّتها ويحنو عليها. الثانية تُخرجها من عالمها القديم، وتُشجّعها على الانخراط في آخر جديد، فترتاد معها الحانات وتشرب الكحول، وتساعدها على الخروج من أزمتها العاطفية، على الرغم من أن الراوية سبق أن أساءت إليها، حين سرقت منها فكرة التدرّب لدى مكتب معماري في هولندا، ونافستها على المركز، وحصلت عليه دونها. الثالثة ناي تشاطرها غربتها الاجتماعية، وتشكّل بديلاً لدنيا التي ابتعدت عنها، غير أنها لا تقوم بتحذيرها من مآل علاقتها العاطفية، على الرغم من مرورها بتجربة مشابهة. وهكذا، يمكن القول إن ما شاب علاقة الراوية بأصدقائها تتحمّل مسؤوليته هي لا الأصدقاء.

على أن العلاقة المحورية في الرواية هي علاقة الحب التي انخرطت فيها الراوية، خلال سفرها إلى السويد، لبضعة أشهر من عام 2017، في إطار تبادل طلابي بين الجامعة الأميركية وجامعة لوند السويدية، تخلّلته رحلةٌ دراسية إلى الفيليبين، لثلاثة أسابيع. فشكّل السفر، والرحلة التي تخلّلته، مناسبة للتعرّف إلى طالب سويدي، وولادة علاقة بينهما راحت تنمو شيئاً فشيئاً، حتى بلغت شأواً متقدّماً، تبادلا فيه الأحلام والوعود، وانخرطا في علاقة جنسية فقدت فيها عذريّتها طوعاً، بذريعة تحلّلها من القيم القديمة التي تقدّس العذرية وتفاعلها مع أخرى جديدة تعرّفت إليها في الجامعة، ولم تَحُلْ معرفتها بوجود حبيبة سابقة لحبيبها يفكّر بالعودة إليها دون استمرارها في العلاقة معه، على أمل تخلّيه عن تلك والارتباط بها هي، فيلحق بها إلى بيروت، بعد بضعة أشهر من عودتها إليها، ليتفقا في ما بعد على الفراق من دون التخلّي عن فكرة إمكانية اللقاء مجدّداً. والمفارقة، هنا، أنّه على الرّغم ممّا فعله بها، بقيت تحبّه وتفكّر فيه، ولم تغضب منه، ولم تندم على فعلتها، ولم تنتقم منه، ولم تثأر لكرامتها الجريحة. بل عمدت إلى الاستعانة بأصدقائها، وبالكتابة إليه، وكتابة حكايتها، لكي تتحرّر من سجن الحب الذي وضعها فيه، الأمر الذي يطرح مسألة بناء الشخصية الروائية على المحك، ويطيح بما أوهمتنا به الكاتبة من واقعية. فَتَخَلّي الراوية التي نشأت في مجتمع محافظ عن عذريّتها من دون أدنى وازع من تربيتها، وانخراطها في علاقة جنسية متمادية مع الآخر الآتي من منظومةٍ قِيَمِيَّة مختلفة، وقبولها بوجود شريكة لها في العلاقة، وعدم انتفاضها على النكوث بوعوده البرّاقة، واستقباله في بيروت بعد عودتها، واستمرارها في حبّه رغم ذلك كلّه، لهي أمور تنتقص من واقعية الشخصية، وتطيح بشرقيّتها، مع العلم أنّه حتى الشخصية الغربية لا تقبل بمثل هذه السلوكيات. على أيّ حال، لعلّ تعثّر البدايات هو ما يبرّر للكاتبة بناءها.

في الخطاب الروائي، تستخدم مصطفى تقنية الراوي المشارك، وهي تقنية تناسب رواية الشخصية، فتمنحها حق الكلام وحريّة التعبير الذي يلامس الجرأة في انتهاك المحظور الجنسي، بغضّ النظر عن عدم التناسب بين الكلام وهويّة المتكلّم. على أن الجديد في لغة الراوية هو استخدامها صيغة المخاطب في التعبير، فيبدو كأنّ المرويَّ له بين يديها، سواءٌ أكان أماً أو أباً أو صديقاً أو حبيباً، ويصبح الروي نوعاً من التفريغ النفسي للأوجاع، والنشر للغسيل السَّيِّء، ما يخرج الراوية من حالتها النفسية. وهنا، لا بد من الإشارة إلى تلقائية الروي ومباشرته بعيداً من الافتعال والاصطناع، الأمر الذي ينسجم مع عملية التفريغ المذكورة. ولعل الجديد الآخر الذي تقدم عليه الكاتبة هو قيامها بتقسيم الرواية إلى مشاهد سردية بينما الغالب في الرواية العربية تقسيمها إلى وحدات تشتمل الواحدة منها على مجموعة من المشاهد السردية، وقيامها بترقيم هذه المشاهد تبعاً للشخصية التي تدور حولها، وهو ما مكّننا من القيام بعملية إحصائية تجعل مقاربتنا النص مقاربة علمية. على أنّ الانتقال من مشهد إلى آخر لا يخضع لمعايير واضحة، فهو قد يتم وفقاً لحساسيّة الروائية، وقد يكون مجّانياًّ من دون وجود علاقة مباشرة بين المشهد والآخر، ما يدفع بنا إلى الاستنتاج أننا إزاء خطاب روائي حديث، يناسب الحكاية التي يقدّمها.

المزيد من ثقافة