55 عاما على وفاة عبد الفتاح القصري... "المشخصاتي" الشعبي خريج المدارس الفرنسية

حُرم من الميراث بسبب الفن... "المعلم بحبح" أولى تجاربه السينمائية... صرخة المسرح كانت بداية المأساة

هل تتخيلون فيلم "ابن حميدو" من دون مشهد الريس حنفي "خلاص هتنزل المرة دي"، هل يمكن أن يستقيم فيلم "الأستاذة فاطمة" من دون مشهد التهجئة الكارثي للحاج عبد العزيز حينما تعامل مع حروف كلمة "ثعبان" على أنها "ح ن ش"، هل يمكن أن نستسيغ فيلم "سكر هانم" من دون صوت المعلم شاهين وهو يقول متعجبا "ست!! أنا مش شايف أيها ست، ده أنا جنب منك أبقى مارلين مونرو"... أدوار صغيرة لهذا الرجل الأصلع القصير البدين الذي يشع عظمة، مشاهد لا تبدو للوهلة الأولى محورية أو رئيسية، ويخال المرء أنه يمكن الاستغناء عنها بسهولة، ولكن جرّبوا هذا! الحقيقة أن عبد الفتاح القصري هو العمود الذي يستند إليه من حوله وما حوله بما فيهم حدوتة الفيلم نفسها. 8 مارس (أذار) ذكرى رحيل واحد من أهم من عبروا شاشة السينما، ذلك الذي حتى لو مرّ فقط من أمام الكاميرا فهو استقر برسوخ، فأصبح مقيما دوما في القائمة المضيئة بالسينما المصرية.

التمثيل يحرمه من الميراث ولا يبالي

تقول الحكاية إن عبد الفتاح القصري، المولود في حي الجمالية الشعبي بمصر القديمة، أعطى الفن ولم يأخذ منه شيئا إلا الحسرة، دخله ثريا وخرج منه فقيرا وبلا مأوى، ومات حزينا ووحيدا مقهورا. وتقول الحقيقة على أرض الواقع إن عبد الفتاح القصري غادر الحياة، ولكنه بقي مكتمل الحضور ويتسع مجده على مر الأجيال، وكلما صادف المشاهد مجرد لمحة من أدائه يشعر بالانبهار، إلهام يمتد ويمتد حتى بعد مرور 55 عاما على وفاته. الثروة التي ضيّعها عبد الفتاح القصري "ابن الذوات"، مثلما تقول سيرته، تتعاظم يوما بعد آخر، فهذا التاريخ وهذه الموهبة النادرة كنز فاز به الجمهور، مثلما فازت به السينما حتى لو كانت جاحدة في بعض الأوقات ولم تكرّمه في حياته، لتستمر في اكتشاف فضله بعد الموت بسنوات.

عبد الفتاح القصري الذي برع في الأدوار الشعبية، تربى وتعلم على ثقافة مغايرة تماما، حيث درس عبد الفتاح القصري في مدرسة "الفرير" الفرنسية الشهيرة، وكان والده تاجر مجوهرات. الأب كان يخطط لأن يتولى ابنه إدارة محلاته من بعده حينما ينهي دراسته وطريقه المخطط له، ليُفاجأ بالفتى الصغير يقضي أيامه بين هذا المسرح وتلك الفرقة، ليقترب أكثر وأكثر من الشيء الذي أحبته روحه، وهو "التشخيص"، فقد جرى وراء فن التمثيل بكل قوته، دخل في معارك شتى مع الأب المصدوم برغبة نجله في أن يصبح "مشخصاتيا"، وهدده الوالد بالحرمان من الميراث، ولكن ولع الفتى بالتمثيل كان يزداد غير مهتم بما يمكن أن يخسره، وبالفعل نفّذ الأب تهديده!

جاءت الفرصة الأولى لعبد الفتاح القصري وكان ما يزال مراهقا، حيث تنقل بين عدة فرق مسرحية، منها "عبد الرحمن رشدي" و"عزيز عيد"، ثم في العشرين من عمره، وتحديدا في عام 1926 التحق بفرقة نجيب الريحاني، ومن ثم فرقة إسماعيل ياسين.

"سنيد" يخطف الكادر من الأبطال

بعد 15 عاما تقريبا من عمله بالمسرح، كان الموعد مع السينما، ولكن بينهما كان لعبد الفتاح القصري تجارب مع الإذاعة، حيث قدم مسلسلين، هما "حسن وعلي ورضوان"، وأبو سريع"، وفي الأخير كان هو البطل "أبو سريع"، لتبقى هذه هي البطولة المطلقة الوحيدة له تقريبا، حيث عرف على شاشة السينما بدور "السنيد" كما يسميه النقاد، وكان أول عمل سينمائي له هو "المعلم بحبح" عام 1935 مع إحسان الجزايرلي وستيفان روستي، وإخراج شكري ماضي، وتوالت الأعمال، وخلال خمس سنوات قدم "بسلامته عايز يتجوز"، و"أبو ظريفة" و"مبروك" و"حياة الظلام"، وشيء من لا شيء"، ثم جاء عام 1941 وكان الموعد مع أفلام أكثر نجاحا ورسوخا وشهرة، أبرزها "سي عمر"  أمام نجيب الريحاني، و"انتصار الشباب" مع أسمهان وفريد الأطرش، وتوالت النجاحات، وأبرزها عام 1943، حيث قدم "لو كنت غني" مع بشارة واكيم، هنا بدأت تتبلور شخصية عبد الفتاح القصري ككوميديان شعبي محبوب لديه مشيته وهيئته وطريقته في الأداء التي لا تخطئها الأعين، لا يحصل على مساحات كبيرة في النص، ولكنه ينطلق متجاوزا كل المعوقات لتترسخ مشاهده في الذاكرة مهما كانت قليلة، وبالتالي تعتبر "إيفيهاته" التي ألقاها بالأفلام بأسلوبه المميز من "الإيفيهيات" الأكثر تداولا في "الكوميكس"، التي يتناقلها رواد السوشيال ميديا بعد كل هذه السنوات.

شريك في نجومية أبرز ممثلي عصره

شكّل عبد الفتاح القصري ثنائيات عدّة ناجحة مع مجموعة شهيرة من نجوم الفن. قدّم مع نجيب الريحاني "لعبة الست" و"سي عمر"، وقدم أعمالا كثيرة مع إسماعيل ياسين بينها "الآنسة حنفي" و"ليلة الدخلة" و"حرام عليك" و"إسماعيل ياسين في مستشفى المجانين"، وكذلك مع زينات صدقي في "ابن حميدو" و"بين ايديك" و"بيت النتاش" و"حسن ومرقص وكوهين" و"تحيا الرجالة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى مدار أكثر من مئة عمل فني وقف عبد الفتاح القصري أمام كبار نجوم الفن، بينهم فاتن حمامة وشادية وفريد الأطرش وليلى مراد، وشارك أيضا سيدة الغناء العربي أم كلثوم في فيلمها "فاطمة" عام 1947، حيث كان يضفي شخصيته على العمل، مهما كان اسم المخرج ومهما كان سير السيناريو، وهي هبة لم يتمتع بها كثيرون.

يفسر الناقد الكبير محمود قاسم هذا الأمر لـ"إندبندنت عربية"، ويقول "عبد الفتاح القصري كان يمتلك ما يمكن تسميته بالإشعاع، يشع ويخطف الانتباه بنبرة صوته وبحركة عينيه وكتفيه وطريقة أدائه، هي طبيعته الخالصة فلم يبذل مجهودا كي يقتبس أداء من شخص معين، وفي كل مرة يقدر على أن ينتزع صيحات الإعجاب لشدة تمكنه".

نهاية مأساوية لموهبة لم تتكرر

الناقد محمود قاسم يشير إلى أنه يردد دوما أنه من المعروف أن أي فيلم لعبد الفتاح القصري يمكن للمشاهد أن يتابعه وهو ضامن للمتعة، فمهما كان هناك عيوب سوف يجد الجمهور متنفسا في إطلالات عبد الفتاح القصري، ويتابع "هو يفرض نفسه على المخرج، يعمل مع نيازي مصطفى، مثلما يعمل مع فطين عبد الوهاب، أو غيرهم، فهو عبد الفتاح القصري الذي نجح في تطويع أدواته وسماته الجسمانية ليكون ممثلا من طراز رفيع، فهو ينير الكادر بطلّته التي ليس لها مثيل، فمثلا قديما إذا رشّح مخرج ما زكي رستم لفيلم معين وكان مشغولا، يمكنه أن يأتي ببديل له كسراج منير مثلا، لكن عبد الفتاح القصري كان وحيدا ومتفردا وليس له بديل".

ورغم عمله بكثافة في السينما، لم ينسَ عبد الفتاح القصري العمل المسرحي، حيث قدّم عددا كبيرا من المسرحيات بالتوازي مع عمله في السينما، ومنها "صاحب الجلالة" و"اللي يعيش ياما يشوف"، و"عمتي فتافيت السكر"، و"الدنيا لما تضحك"، والأخيرة عرضت للجمهور عام 1962 وأصيب أثناء أدائها على المسرح أمام إسماعيل ياسين بالعمى، حيث أخذه إسماعيل ياسين إلى الكواليس وسط صدمة العاملين بالمسرحية من هول الموقف، فقد صرخ عبد الفتاح القصري أمام الجمهور بأنه لا يستطيع الرؤية، فيما اعتقد رواد المسرح أن الجملة من دوره في المسرحية فاستمروا في الضحك، وكان هذا آخر لقاء له مع المشاهدين، حيث بدأت فصول حياته الأكثر مأساوية.

بعد إصابته بالعمى تركته زوجته الرابعة وكانت امرأة شابة، وطلبت الطلاق لتتزوج من غيره، فيما بعد حُجز على منزله فعاش عبد الفتاح القصري، الذي لم يرزق بأبناء، في منزل شقيقته المتواضع بمنطقة الشرابية، وكانت أخته ترعاه وتنفق عليه من عملها في بيع الشاي، فيما أصيب هو بجانب العمى بتصلب في الشرايين وأمراض الشيخوخة وفقد بعض قدراته العقلية، ومع ذلك كان دوما يعبر عن حزنه لتنكر زملائه في الوسط الفني له، بما فيهم المقرب إسماعيل ياسين، الذي كان في تلك الفترة لديه مشكلات مالية كثيرة أيضا.

وبعد عامين من المعاناة غادر الحياة في الثامن من شهر مارس (أذار) عام 1964 بمستشفى المبرة بمنطقة مصر القديمة عن عمر يناهز الـ58 عاما، ولم يسر في جنازته من الفنانين سوى الفنانة نجوى سالم، وهو أمر يجده الناقد محمود قاسم محزنا للغاية، ويشير إلى أن هذه آفة في الوسط الفني، حيث أن حالة عبد الفتاح القصري تكررت كثيرا وما تزال تتكرر، من النجومية الطاغية إلى المأساة.

المزيد من نجوم وفن