Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نحو "أيديولوجية الصحة العامة"

هذه الجائحة أعادت طرح الأسئلة الكبرى، في أذهان المهتمين وعلى ألسنة العامة: أسئلة الوجود، والتكوين، والحرية، والمسؤولية، والتشاركية، والمصير

كورونا، الجنرال الغاضب، جاء ومعه أيديولوجيته الخاصة وهي أيديولوجية فنائية (غيتي)

تظهر الأيديولوجيا في مرحلة اللايقين، أو في غمرة البحث عن اليقين. تبدو هذه الجملة وكأنها اختصار أو ابتسار لأسئلة الإنسان المدوّخة، عن المعنى أو الجدوى، والتي تعيد طرح تحدياتها واختباراتها على الفرد والجماعة، داخل مساحة الحجر الصحي التي تضيق وتضيق.

ماذا بعد؟ وهل نستأنف من حيث كنا، أم أن العودة إلى دائرة الصفر أصبحت واجبة وليست خياراً؟ هل علينا أن "نفهم" ما حدث بأدواتنا السابقة، أم من الواجب ابتداع أدوات مغايرة تستطيع قراءة واقع مغاير أصلاً؟

تنحو هذه الأسئلة البسيطة، وغير المركبة، نحو مزيد من التعقيد مع كل يوم تتجذر فيه أزمة الوباء، وتمتد، كأنها الحقيقة الساطعة الوحيدة في هذا العالم.

في غمرة البحث عن أجوبة، يقدم الدكتور أحمد زايد، عالم الاجتماع المصري والعميد الأسبق لكلية الآداب ـ جامعة القاهرة، رؤية تستحق التوقف عندها. يقول إن "خطاب الصحة" الراهن سيقدم "ذريعة أيديولوجية" تستخدمها السلطات لتأسيس آليات ضبط جديدة للمجتمعات. قد يصحّ هذا الاستنتاج أو لا تتأكد صوابيته، لكن منطلقه المنطقي، أي الربط ما بين "خطاب الصحة" و"الذريعة الأيديولوجية"، يجعل منه مؤشراً لـ"أيديولوجية في حالة تكوّن"، ترافق الوباء وتؤكد حضورها بعده.

كيف ذلك؟ هنا محاولة للبحث في السياق أو عنه...

السلطة الفكرية

احتاجت البشرية في رحلاتها الحضارية إلى دليل، يكشف ويوجّه و"يهدي"، ومن ثم يصيغ أدوات التعريف والمعرفة لهذه المجموعة أو تلك. وقد تولّت المهمة، أولاً، السرديات الكبرى. هكذا يخبرنا التاريخ. منحت تلك السرديات "بركتها" لمَنْ اختارته مِنْ الشعوب أو لمَنْ آمن بها.

راحت تلك السرديات التي ستدخل في الضمير الإنساني بجوهرها المقدس، كما تعبّر عنه الأديان، تبلور عقائد الناس على النحو الذي يمكن تلمسه في المطلقات الإيمانية والمسلمات الاعتقادية وضوابط السلوك والعمل.

بعدها ستطلّ الفلسفة على المشهد الإنساني، من الهلينية القديمة، إلى فلسفات العصور الوسطى، وصولاً إلى الفلسفة الحديثة. وعنها ستنشأ الأيديولوجيات، التي سرعان ما ستتخذ طابع السلطة الفكرية، الحاكمة أو المتحكمة، مهما تعددت مدارسها وتشعبت مذاهبها.

ويعطي كارل مانهايم (عالم الاجتماع المجري الأصل ومؤسس علم اجتماع المعرفة) أفضل شرح مفاهيمي للأيديولوجيا في كتابه "الأيديولوجيا واليوتوبيا"، بتقسيمها إلى مستويين، الأول يتعامل معها على أساس أنها تتضمن أحكاماً تعنى بواقع الأفكار، وبناءات الوعي، والثاني يتناول سمتها الدينامية على أساس أن هذه الأحكام تقاس دائماً من طريق الوعي، المتدفق بشكل دائم.

الأيديولوجيا بعد ذلك، أي بعد اكتساب محدداتها، سرعان ما ستشهد تحولات تبجلها مرة، وتؤثمها مرات. ومع صعود نابليون بونابرت، سيشهد مفهوم الأيديولوجيا معنى أقرب إلى معنى الثوري، المتسم بالتعصب. لكن الأدلجة الفعلية لها ستأتي من ألمانيا مع كارل ماركس وفريدريك إنجلز، وهذا الأخير سيرى أن الفلسفة والدين والسياسة والقانون هي أيديولوجيات تخلق تصورات زائفة عن الطبيعة والكينونة والإنسان، وغيرها.

ويذهب المؤرخ الإنجليزي، ديفيد ماسي، إلى أن الأيديولوجيا باتت مصطلحاً واسعاً جداً، يشير إلى الماركسية والعلوم الاجتماعية، وأنها تستعمل لتوصيف النظرية الإيمانية الشمولية.

وسيكون القرن الثامن عشر مهد الأيديولوجيات، بالمعنى الحرفي للكلمة. فابتداءً من أواخر القرن السابع عشر كانت قد بدأت تتبلور الأيديولوجية الليبرالية، على أيدي منظّرين كبار، من أمثال جون لوك الذي جادل بأن لكل إنسان الحق الطبيعي في الحياة والحرية والتملك، وبأن على الحكومات ألا تنتهك هذه الحقوق وذلك بالاستناد إلى العقد الاجتماعي.

وستحتاج الليبرالية إلى أربعة قرون (من القرن السادس عشر وحتى القرن العشرين)، لكي تأخذ شكلها النهائي، بعدما هضمت كل الدروس الناتجة عن الحروب الدينية في أوروبا، ودروس الثورة الفرنسية، وتطور العلاقة بين الحاكم والمحكوم، والتحولات العميقة الناتجة عن الثورة الصناعية، وستتكامل بإضافات مرموقة لمفكرين من أمثال إيمانويل كانط، وجان جاك روسو، وتوماس هوبز، وغيرهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

النقيض يقدّم بديله

على ضفاف هذا التطور الحاصل على مستوى الليبرالية، سيبرز العلم الحديث كمعطى مزدوج التفاعل مع الأيديولوجيا، يأخذ منها ويعطيها، على النحو الذي جرى مع أبحاث غاليلي الفلكية والفيزيائية، التي جاءت في سياق تصادمي مع التصورات الدينية، وبدت في الوقت عينه كإنتاج فعلي، جديد، ومجلّي لليبرالية.

كان السياق الذي نشأت خلاله الليبرالية، وتطورت عبره آليات حضورها وهيمنتها، هو المحرك الدافع لظهور الفكرة الشيوعية، مع ما سبقها وما لحقها من دعوات اشتراكية، وإن اقتضى الأمر أن يتأخر اكتمالها بعض الوقت، أي حتى منتصف القرن الثامن عشر.  

وبحسب دارسي الماركسية، فإن الليبرالية قدّمت المرجل الذي اختمرت في أتونه الأفكار الشيوعية، فماركس وإنجلز صاغا أفكارهما من خلال نقد وإعادة قراءة الفلسفة الألمانية، بخاصة مذهب هيغل الجدلي، ومذهب فيورباخ المادي، ومن حصيلتيهما خرجت المادية الجدلية. كما درسا نظريات الاقتصاد السياسي التي صاغها آدم سميث وديفيد ريكاردو، ومن خلال تشريحها قدّما نظريتهما في الاقتصاد السياسي، ثم خرجا بنظريتهما عن الاشتراكية العلمية بناءً على ما عايناه في نماذج الاشتراكية الفرنسية في القرن الثامن عشر.

لكن الأيديولوجيا لن تبقى طويلاً في برج عاجي، تستعصي فيه على محاولات التهفيت، التي ستبدأ منذ عام 1961 مع كتاب دانييل بيل "نهاية الأيديولوجيا"، وستتلاحق بعده المقولات والأحداث. فيجملها فرنسيس فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، الذي سيصبح علامة على ما يمكن تسميته تهاوي السرديات الكبرى. كانت هذه الفكرة صدى لمجريات حدثت في أنحاء العالم، لكن أبلغها كان في قلب "المركزية الأوروبية"، مع سقوط جدار برلين، وتداعي منظومة أوروبا الشرقية، وتفكّك الاتحاد السوفياتي.

موت الأيديولوجيا وولادتها

صحيح أن مسألة "موت الأيديولوجيا" كانت أحادية الطابع إلى حد ما، أي أنها كانت تنظر إلى تداعيات ما يحصل في أوروبا الشرقية وخلف الستار الحديدي السوفياتي، وبالتالي فإنها اعتنت في الدرجة الأولى بـ"موت الأيديولوجية الشمولية (الماركسية تحديداً)"، لكن (الأيديولوجيات الأخرى) لم تكن في أحسن أحوالها. إذ ستشهد الليبرلية ومنظومتها الاقتصادية (الرأسمالية)، هزّات مالية عنيفة، شاملة ومتكررة، تتمظهر بشكل عنيف في شوارع مدنها الكبرى وأحيائها الفقيرة. لكن الثابت الوحيد هنا، هو أن سقوط هذه (الشيوعية) لم يعنِ نهوضاً لتلك (الليبرالية)، وتعثر الثانية لن يمثّل بأي شكل من الأشكال دعوة مجانية لعودة الأولى.

في سياقها التاريخي، تقلّبت على الأيديولوجيا أحداث ومعطيات، بعضها حدث من داخلها، وأكثرها جاء من مضاداتها الفكرية، أو الاقتصادية، أو السياسية، أو حتى العلمية، حين بدا أن التطور الذي تشهده التكنولوجيا، وثورات العالم الرقمي، تشكل عاملاً حاسماً في تقويض البنيان الأيديولوجي، وتهفيت محدداته، وتفريغ استكشافاته.

فهل ذلك صحيح؟

كان يمكن للجدل حول هذا الموضوع أن يبقى ذهنياً، أي حبيس النظريات وكتابات الدارسين ودعوات أو ادّعاءات (الأيديولوجيين)، لولا خضوع الكرة الأرضية بقاراتها الخمس، ولشهور متتالية مفتوحة على المجهول، لسلطة قهرية يمارسها "جنرال شمولي" اسمه "كورونا".

ظهرت خلال الأسابيع الماضية كتابات كثيرة حول المآلات التي ستحدثها الجائحة (غير المسبوقة) على المستويات الإقليمية والدولية، السياسية والفكرية، الاقتصادية والعلمية. وقد وضعت عبارة غير المسبوقة بين قوسين، استباقاً لمجادلة ستأتي بدلائل عن وباءات أخرى اجتاحت العالم، بعضها موغل في القدم وبعضها الآخر حديث ما زال طرياً في الذاكرة. فجائحة كورونا، فعلت ما فعلته غيرها من الجائحات مع كثير من التجاوز: نشرت ضحاياها المليونيين في كل بقاع العالم، وأغلقت أكثر من نصف الكرة الأرضية، وأوقفت عجلة الاقتصاد، وصفّرت الإنتاج، وأرهقت الأطباء والعلماء في البحث عن علاج ولقاح بلا جدوى (حتى الآن)، وخلخلت العلاقات بين الدول والمنظومات الدولية... إلخ.

لكن هذه الجائحة، وبشكل غير مسبوق، أعادت طرح الأسئلة الكبرى، في أذهان المهتمين وعلى ألسنة العامة. أسئلة الوجود، والتكوين، والحرية، والمسؤولية، والتشاركية، والمصير ووو... حتى لتبدو مثل هذه الأسئلة، وكأنها إضاءات لشموع خلال عملية البحث عن الحقيقة في ليل مدلهم. ولعلها أيضاً أسئلة تشبه تلك التي سبقت ظهور وتبلور الأيديولوجيات الكبرى. فهل نكون أمام إرهاصات أيديولوجية جديدة؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، تبدو مقولة عالم الكيمياء الحديثة، أنطوان لافوازييه، من أنه في "عالم الأفكار لا شيء يضيع، فكل شيء يتحول"، شديدة الدقة في تصوير الواقع الحالي، ذهنياً ومادياً. فكل شيء يتحول. الثوابت والمتغيرات، المطلقات والمسلمات، حتى الأرقام والوقائع تخضع لانقلابات جذرية عند كل عملية توصيف، أو تصنيف.

نعم، يعيش العالم اليوم في خضم عملية تحوّل كبرى، تتشابك فيها الأسئلة والمساءلات، ما يجعل من كل الأيديولوجيات السابقة، تبدو كأدوات مرجعية أو معرفية أو توجيهية، وكأنها خارجة عن السياق. فبأي معيار أيديولوجي يمكن الحكم على كورونا، أو تقييم آثاره، أو استكشاف دروسه، أو استشراف مآلاته؟

كورونا، الجنرال الغاضب، جاء ومعه أيديولوجيته الخاصة. وهي أيديولوجية فنائية. وبقدر ما تحتاج مواجهته إلى جهد تشاركي، وتعاون دولي، في الأقل لناحية البحث عن علاج وابتداع لقاح، لكن أيديولوجية الوقاية منه، ستكون فردية أولاً وأخيراً.

صحيح أن عنوان هذه الورقة يسميها "أيديولوجية الصحة العامة"، ولكن هذه التسمية تأتي من باب الإطلاق وليس من باب التخصيص. فقد وضعت الجائحة كل شخص، أياً تكن ثقافته أو انتماؤه أو جنسيته، أمام سؤال المصير الفردي، وتالياً الخلاص الشخصي. ليس من باب النزعة الفردية أو الأنانية، ولكن بناء على قواعد السلامة الإجرائية. فالوقاية من كورونا، تقتضي منك، وبحسب التوصيات الصحية، أن تقيّم مجالك الحيوي الخاص، على النحو الذي تفعله الدول الكبرى أو الصغرى في تحديد مجالها الحيوي لحماية أمنها الوطني أو القومي. هناك تتحدّد المسافات بالأميال والمساحات الجغرافية، أو بدائرة المصالح والنفوذ. وعند الفرد أيضاً، يتحدد الأمان الصحي بالمعيار الجغرافي. فقد منحته القواعد التي سنتها السلطات الصحية "دائرة نفوذ" قطرها متران. في إطار هذين المترين تحافظ على مجالك الحيوي، على التباعد الاجتماعي بحسب التسمية المعتمدة، وتمارس تقييمك للآخر بالمعايير التي اخترتها لنفسك وفرضت عليك في آن. التعقيم أولاً وأخيراً. في المنزل، والشارع والعمل، وأماكن العبادة، والحدائق والفضاءات والمواصلات العامة... التعقيم هو القناع الفردي والعام، هو معيار محاكمة السلوك والفكر، عند الناس ومن ثم لدى المؤسسة أو السلطة.

هذه الأيديولوجية (الصحية)، ستحل مكان أي ناظم آخر للعلاقات بين البشر، سواء على مستوى المنظومات الفكرية أو المدونات السلوكية أو الأطر المؤسسية. وبالتالي، فإنها ستمنح الشرعية للمحاسبة على أساس من قواعد الصحة العامة.

وكل أيديولوجية سابقة انبثق عنها أيديولوجيون، يدعون لها وينافحون عنها، يثورون تحت راياتها، ويقاتلون بقوة مدافعها، فهل ستدفع "أيديولوجية الصحة العامة" بمعتنقيها إلى ميادين شبيهة؟

الجواب ما زال يتفاعل مع تفاعلات الجائحة...

المزيد من تحلیل