Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الليبي التائه! كما اللبناني كما اليمني

"إذا كان السؤال المنطقي: كيف يعود التائه؟ فالجواب المنطقي هو ألا يسلك الطرق التي سلك"

أرتال عسكرية في محيط مدينة ترهونة الليبية (مواقع التواصل)

"- يا له من ضباب! - من أنت؟ - ضباب - مراد؟ - ضباب... ضبااااااب - سمعتك... لماذا تنهق؟ - على ذكر النهيق... أنا أبحث عن حمار أشهب، ضائع منذ البارحة - تبحث عن حمار أشهب، في الضباب؟! ...".
هكذا تبدأ قصة "ضباب"، للقاصّ الليبي أحمد يوسف عقيلة، ما تنتهي في ضباب، وقد كُتبتْ ونُشرتْ في عام 2010، وتجسّد القصة لسان حال الليبي، التائه منذ زمن، يردّد "مثالاً شعبياً" استحدثه، للتعبير عن حال البلاد "تحب تفهم تدوخ". ويردّد كثيرون من الليبيين ومن نخبتهم، أن الأوضاع الليبية غير متوقعة البتة، لكن أي مراجعة لهذا "غير المتوقع"، توضح أنه متوقع، فعندما يكون المرء في حلبة الملاكمة، حتى لو قُطعت الكهرباء فجأة، سيتوقع ضربةً قادمة من خصمه، إذ لا ينسى المكان الذي يقف فيه، ولا يغيب عن الزمان.

في البدء كان التوقع

المفكر الفرنسي "أدغار موران" اعتبر في حوار أُجري معه ونُشر بعد انتشار الجائحة، أن "أهم ما يجب توقعه، هو غير المتوقع، ومن هنا كانت مسلمتي الشهيرة: انتظر نفسك في غير المنتظر". إذاً، مسألة التوقع هذه حاصلة بطبيعة الحال، فهي كما الغريزة عند البشر، من مُنحوا الخيال لتكتمل معجزتهم، فالملاكم في الحلبة، لا يتوقع غير الضربات، حتى في الظلمة، كما أن جائحة فيروس كورونا توقعها كثيرون، منهم الكتاب والفنانون والعلماء، وأشهرهم بيل غيتس، صاحب شركة ميكروسوفت. إذاً، المسألة ليست في انعدام التوقع، إذ تبيّن أنه متوفّر في جلّ الأحوال، فمسألة الجائحة على الطاولة، وهناك تاريخ مطّرد من الجوائح، تتشابه وتختلف، لكن مؤشرها واحد، فيروس مستجدّ مجهول يهدّد البشرية.

حال الليبي التائه في زمن الكورونا، حال اللبناني، حال اليمني، ولو ننظر للمشترك سنجد وشيجة رئيسة وقطعية بينهم، ألا وهي الحرب الأهلية، سواء في المسببات أو النتائج. غير أن ثمة ملاحظة سيكولوجية، نستنبطها من حال الذين في جائحة، وهي التفرد وجنون العظمة، فالليبي التائه لا مثيل له في نكبته، ويذكر بالحالة التي اجتاحت "ترمب"، حول أن قوة وعظمة أميركا في مواجهة كورونا، لا مثيل لها!


الأمس غير متوقع!

القصة القصيرة التي أشرنا إليها، ترصد حال ما قبل الحرب الأهلية الوخيمة التي يعيشها الليبي، التي عايش أجداده مثلها، كما عايشتها شعوب كثيرة أخرى.

وهناك كتاب حسن الفقيه حسن "اليوميات الليبية- الجزء الثاني :الحرب الأهلية ونهاية العهد القرمانلي" (1248-1251 هـ - 1832-1835م) تحقيق عمار جحيدر - مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية- الطبعة الأولى 2001، وهو مجلد ضخم وكتاب نادر. وقدّم الكاتب حسن الفقيه حسن، حفيد الكاتب المرحوم علي الفقيه حسن، الجزء الثاني عام 1978 في الجزء الأول من الكتاب، فقال إنه "من خصائص هذه اليوميات التاريخية، أن مؤلفها، رحمه الله، كتب تفاصيل الحرب الأهلية، التي جرت بطرابلس من سنة 1248هـ إلى أول 1251هـ، وهذه الحرب جرت بسبب تنازل يوسف القرمانلي عن الولاية لابنه علي، فلم يرضِ هذا التنازل الشعب، الذي أعلن الحرب على يوسف باشا وابنه علي، وقد انضم إلى الأهالي الناقمين، حفيدا يوسف القرمانلي، وهما محمد بن محمد القرمانلي وأحمد القرمانلي، واستمرت الحرب بين سكان مدينة طرابلس، حيث يقيم يوسف القرمانلي وابنه علي، وبين سكان المنشية والساحل وسائر الأرياف، حيث يقيم حفيدا الباشا القرمانلي، المنشقان عن عمهما علي القرمانلي. وبقيت مدينة طرابلس، مغلقة الأسوار مدة ثلاث سنوات، والحرب تستمر بين سكان المدينة وجماعات الأرياف. وسببت هذه الحرب الأهلية سقوط كثير من الضحايا الوطنيين الأبرياء. ووقائع هذه الحرب مسطرة، في يوميات السيد حسن الفقيه حسن...".

ومن المفارقات التاريخية، التدخل الأجنبي في تلك الحرب، حيث كانت فرنسا تدعم مَنْ خلف السور، في ما السفير الإنجليزي ترك بيته في المدينة، ليقيم في ضواحيها، خارج السور لدعم الثوار. ثم تنتهي الحرب، باتفاق دولي، على عودة الباب العالي، لحكم إيالة طرابلس الغرب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


في الثانية... الانشطار بين الوحدة والانفصال!

لم أعرف، لم أسمع، لم أرَ، كاليمني التائه أمس واليوم وغداً، في ملكوت الوحدة، ومَن يعايش الانفصال منذ أمد، فاليمن بلاد عريقة، بحضارة متميزة، من معالمها العمران والعراقة والتشبب بالحديث. كما يُعد نادراً تشبيه لبنان، في التعدد والوحدة، لكن مسألة الانفصال، تبدو مفارقة في المخيال اللبناني، رغم التباين المطّرد في الأطروحات اللبنانية حول الهوية، في الدولة الحديثة، وما يحدث في هذه الأيام في طرابلس الشام، تمشهد للمركزي اللبناني (البنك المركزي)!.

أما طرابلس الغرب فغارقة، في تراجيديا انفصال ضواحيها، أو "هكذا شُبّه لهم"، تذكّر في هذا الخصوص أن "المجاهد الأكبر" الحبيب بورقيبة، أشار على "أمين القومية العربية" معمر القذافي، أن يوحّد طرابلس وبرقة قبل، وأظن أن ذلك، جاء عقب تنصّل الأول من الاتفاق مع الثاني، على وحدة البلدين تونس وليبيا في عام 1974. هذا هاجس الليبي التائه، في الثانية، رغم أن إيالة طرابلس الغرب، لم تعرف انفصالاً جيوسياسياً، منذ القرن السادس عشر، بغضّ النظر عن حاكمها.
إذاً، التائهون والمراقبون يُجمعون على عدم توقع ما يحدث، وإلى أين تذهب الوقائع الحاصلة الساعة، وكأنما الحرب الأهلية جاءت جزافاً، أو هي نتاج جيني لمثل هذه الشعوب، كما الحاصل في الأزمة اللبنانية. وفي تخرصات أُخر، أن عدم التوقع متوقع، فشعوب كهذه، مستبعدة من خرائط عالم الكبار.
وعود على بدء، وكّدنا أن ما يحدث كان متوقعاً، لكن حين ننزاح به إلى بند اللامتوقع، فهذا ناتج العجز عن التعامل معه، العجز ديدن العقل التبريري، ونتائجه التخبط، ثم إحالة المسألة على أُخر، ومسبب يستدعي "نظرية المؤامرة"، كما يفعل ويبيح لنفسه الرئيس الأميركي ترمب. وعليه ما يحدث في ليبيا، كما لبنان، كما اليمن، مثل جائحة كورونا التي كانت متوقعة، عند العقول العاقلة بل وحتى غيرها، فالشمس لا يغطيها غربال، أليس كذلك؟

وإذا كان السؤال المنطقي: كيف يعود التائه؟ فالجواب المنطقي، هو ألا يسلك الطرق التي سلك.                    

المزيد من آراء