Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كورونا يحطم قلوب أقارب المرضى وعقول أطبائهم بـ"اتصال هاتفي"

الطب في زمن الوباء: "آلو هل تريد إطالة معاناة قريبك أم ترغب في أن يموت بسلام؟"

معمل لتجهيز توابيت الموتى في البرازيل (غيتي)

اعتاد الدكتور مات كوفمان، منذ سنوات طويلة، التطرق يومياً إلى الموت خلال ساعات دوامه. فهو خبيرٌ متمرسٌ في كيفية إبلاغ الناس أن شخصاً ما، قريبٌ أو حبيبٌ، قد انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء، جراء سكتة دماغية أو تحت مبضع جرّاح أو بسبب حادث سيارة أو أي من السيناريوهات العديدة التي يعايشها في أروقة وغرف "مستشفى مدينة نيوجيرسي" الأميركية حيث يعمل.
يقول الرجل الذي يعمل طبيباً ممارساً في غرفة الطوارئ، إنه عادة ما يعثر على الطريقة المناسبة لإظهار رهبة اللحظة الأليمة عبر إيماءات صغيرة تُظهر قدراً كبيراً من التعاطف مع أقارب المتوفين، مثل الانتظار لدقائق ساكناً بينما يجهش أحد أفراد الأسرة بالبكاء، أو مواساته بالتربيت برفق على كتفه، أو التحديق مباشرة في عينيه قبل لفظ عبارات منتقاة بعناية تخفف وقع المأساة.

آلو... لقد توفي قريبك
ورغم خبرته العملية الممتدة لسنوات، لم يسبق لكوفمان أن أدى مهمة نعي أحد مرضاه إلى أهله عبر الهاتف، إلى أن حلّ فيروس كورونا المستجد ضيفاً ثقيلاً على مدينته. فقد غيّر الفيروس مسار حياة هذا الطبيب، كما حدث للعديد من الناس حول العالم. ففي هذه الأيام العصيبة ما فتئ كوفمان يرفع صوته، من وراء قناع N95 الواقي الذي يرتديه طوال ساعات نوبته، محاولاً التغلب على ضجيج أجهزة التنفس الاصطناعي واستغاثات المرضى ونداءات الأطباء والممرضين داخل غرف الطوارئ وهو يتحدث عبر الهاتف محاولاً إبلاغ شخص ما أن قريباً له قد توفي للتو.
وشأنه شأن العديد من المستشفيات الأخرى في مدينة نيويورك وحولها، مركز بؤرة الوباء في الولايات المتحدة، شهد "مركز مدينة جيرسي الطبي" الذي يعمل فيه كوفمان مديراً طبياً، تدفقاً كبيراً للمرضى المصابين بأعراض صحية خطيرة على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية. وعن ذلك يقول "إنه لأمر مروع، فلقد زادت حدة تفشي المرض بشكل هائل. لم أر قط هذا العدد الكبير من الناس يموتون هكذا، كلما دخلت غرفة الطوارئ أصطدم بمشهد شخص مصاب بسكتة قلبية هنا، فألتفت وأرى آخر هناك. الأمر صادم بشكل لا يتصوره عقل".

كورونا وغرف الطوارئ
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "لوس أنجليس تايمز"، فقد درجت معظم مستشفيات نيويورك ومحيطها منذ تفشي جائحة كورونا على منع أي شخص، بخلاف المرضى والأطقم الطبية، من دخول غرف الطوارئ ضمن محاولة لوقف انتشار الفيروس التاجي. وهذا يعني عملياً أن الآباء والأزواج والأطفال والأشقاء الذين ينتظرون عادةً أحبتهم المصابين في غرفة الطوارئ لتلقف أي خبر مستجد حول حالتهم الصحية، باتوا مجبرين اليوم على البقاء في المنزل وغير قادرين على إلقاء نظرة أو كلمة وداع.
ويعد كوفمان واحداً من آلاف الأطباء الذين اضطروا إلى تغيير طريقة ممارستهم البروتوكولات الطبية منذ ظهور فيروس كورونا، خصوصاً من ناحية تحمل العبء الثقيل المتعلق بنقل أخبار وفيات المرضى داخل المستشفى. ويوضح أن المكالمات الهاتفية التي يجريها للإبلاغ عن حالة وفاة تُقابل في معظمها بالرفض والإنكار وعدم التصديق، إذ غالباً ما يتردد على الطرف الآخر من خط المكالمة، صدى عبارات من مثل "كيف حدث هذا؟"، أو "انتظر، ماذا تقول؟"، أو "هل أنت متأكد من أنه الشخص المعني؟".

ويوضح "هذا الأمر يتكرر معي يومياً، لم يعد بإمكاني القيام بذلك وجهاً لوجه كعهدي سابقاً مع أقارب المتوفين. إنه لأمر محزن، أشعر أنني عاجز تماماً عن المساعدة أو فعل الأمر بالطريقة الصحيحة. إنها الفجيعة بعينها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تطبيقات ذات لمسة إنسانية

ربما يكون العمل الذي يقوم به كوفمان هو الأكثر صعوبة وإيلاماً في زمن "التباعد الاجتماعي" الذي فرضه فيروس كورونا، والعلامة الأبرز على التباعدات القسرية الأخرى التي فرضها علينا هذا الزمن الصعب. ومع ذلك، يحاول العديد من الأطباء الذين يكافحون بالفعل للتواصل مع مرضاهم على المستوى الإنساني، رغم "دروع" الملابس ومعدات الحماية الشخصية المتراكمة فوق وجوههم وأجسادهم، تخفيف مآسي التباعد الاجتماعي المفروضة عن طريق استخدام تطبيقات إلكترونية مثل FaceTime، لإضافة لمسة إنسانية على التفاعل على الأقل.
يقول كوفمان إن "ضغوط العمل الهائلة في غرف الطوارئ، لا تتيح لنا أن نمنح تلك الأنفس التي تقف عند حدود خط الحياة الأحمر الاهتمام المناسب، حتى عندما تحل نهايتها، فعندما يتوفى مريض، لا يمكنك إخبار أفراد عائلته بالطريقة المُثلى، إذ سرعان ما يطغى عليك شعور بأنك لم تفِ الناس أبسط حقوقهم. عادة ما تكون ثمة طريقة يمكنك من خلالها التأكد، أنك فعلت ذلك بطريقة غير فظّة على الأقل، لكن هذا لا يحدث الآن. بصراحة نحن نقوم بهذا الأمر بشيء من التسرع الفظيع جداً، إذ إننا لا نمتلك حتى الوقت اللازم للقيام بذلك بطريقة مناسبة".

وما يزيد الأمور سوءاً، أنه ينبغي على كوفمان إضافة إلى كل ما سبق، نصح أقارب المريض المتوفى بإجراء فحوصات طبية للتأكد من خلوهم من المرض. ويقول كوفمان إن ذلك "يستحيل شرحه لشخص ما في مثل هكذا ظرف. إنه لأمر همجي للغاية، فهذا القريب اكتشف للتو أن شخصاً يحبه توفي، لكنك تقف وراء شاشة الهاتف ملقياً عليه محاضرة تثقيفية حول ما الذي ينبغي عليه فعله للوقاية من الفيروس. يبدو الأمر أشبه بأن تخبره قائلاً (لا تقلق. لقد مات من تُحب)".

إنهاء رحيم للحياة
بلغ عدد القتلى اليومي في نيويورك ونيوجيرسي المجاورة، مستويات عالية جديدة خلال الأسبوعين الماضيين، إذ تجاوز عدد قتلى الفيروس عدد الذين قضوا في هجوم مركز التجارة العالمي في 11 سبتمبر (أيلول) 2001. الجائحة تمكنت كذلك من عبور نهر هدسون إلى ولاية نيوجيرسي، التي شهدت آلاف الوفيات على مستوى الولاية.

ويقول ستيفان فلوريس، الطبيب الممارس في قسم الطوارئ بجامعة كولومبيا "إن الأمر يزداد سوءاً بشكل متصاعد كل يوم. لا أريد أن أشيع الذعر بين الناس، لكنهم بحاجة إلى معرفة مدى سوء الوضع وما نتعامل معه هنا".

ويوضح أن غرف الطوارئ في نيويورك تعمل "بطاقتها القصوى"، فمع اجتياح كورونا شوارع المدينة، أصبحت غرف الطوارئ أشبه بمناطق حرب منكوبة. وتشير سجلات قسم الطوارئ بجامعة كولومبيا إلى أنه في أعقاب مرور ساعتين فقط من نوبته، شهد فلوريس وفاة مريضين، قبل أن يبدأ محادثة هاتفية، تتعلق بإنهاءٍ رحيمٍ للحياة عن طريق نزع أجهزة الإنعاش، مع أقارب مريضين اثنين آخرين بلغا مرحلة ميؤساً منها.

ويصف فلوريس أثر ذلك نفسياً عليه قائلاً "إن مستوى الدمار الذي أحدثه كورونا وحجمه وحدته غير مسبوق، إنه لا يشبه أي شيء رأيته سابقاً على الإطلاق، فالأمر مرهق عاطفياً وجسدياً". ويضيف "إن الجانب الأكثر صعوبة عاطفياً هو مشاهدة المرضى يختنقون ويموتون بمفردهم من دون وجود أقاربهم، ولا يمكننا حتى لمس مرضانا أو الاستماع إليهم أو إظهار تعاطفنا كما نفعل عادةً جراء اختفاء ملامحنا وراء الأقنعة. لقد ضاعت كل الأمور الجيدة التي تعودنا القيام بها، فكورونا يمارس إرهابه العقلي علينا".

وقد بدأ هذا الطبيب وبعض زملائه أخيراً، في استخدام تطبيق FaceTime للسماح لعائلات المرضى بالدردشة مع أقاربهم أو رؤية أحبتهم المصابين بأعراض خطيرة، وتوفير ولو قدر ضئيل من التواصل عبر شاشة الهاتف الذكي، وهو أمر لم يفعله قط من قبل. "قد تكون هذه الدردشة هي الأخيرة التي يسمع فيها أناس صوت من يحبون، قبل أن يتم إقحام أنابيب التنفس الاصطناعية داخل حنجرته أو قبيل وفاته. السماح للناس برؤيتهم أقاربهم قبل أن يتوفوا، خلال هذه الأوقات الحرجة، يجسر فجوة التعاطف المفقود التي كنا نقوم بها عادة بجانب السرير، فمن الصعب حقا أن تجلس ممسكاً بشاشة هاتف وأن تُظهر وجه شخص ما عزيز على قلوب آخرين وهو يحتضر. إنه شيء فظيع، لكنه يضفي شعوراً إنسانياً دافئاً".

الطب في زمن كورونا
بالنسبة إلى لين جيانغ، طبيبة الطوارئ لدى "مركز ويل كورنيل الطبي" في مانهاتن، كان التغيير الأكبر الذي طرأ على مهنتها هو طريقة تواصلها مع المرضى وأقاربهم. فقد بدأت تعتمد بشكل كبير على التطبيقات التكنولوجية لإجراء مناقشات صريحة حول صحة مرضاها أو لتقديم تقارير مُحدَّثة لأقاربهم حول تطور حالتهم الصحية. وتقول "أصبح FaceTime وواتساب وجميع تطبيقات الاتصال الإلكترونية، هي القاعدة المتّبعة حالياً، إذ تمكننا هذه الأدوات من التواصل شخصياً مع أفراد أسرة المريض. لقد أصبحنا أكثر انخراطاً تقريباً من أي وقت مضى مع الأقارب والعائلات، وأصبحنا الآن نقطة الاتصال الوحيدة بينهم وبين أحبائهم". ألهمت الظروف الصعبة جيانغ لفتح حساب على تطبيق "إنستغرام"، مع بدء انتشار الفيروس، ليكون ساحة افتراضية للعاملين على الخط الأمامي في مجال الرعاية الصحية. وتقول إن الهدف من وراء ذلك هو "مشاركة تجاربنا اليومية عندما تكون وجوهنا مختبئة وراء الأقنعة ومعدات الحماية".


القادمون من دور المسنين

لا ينقل الأطباء أنباء وفاة أحد المرضى عبر الهاتف فحسب، بل إنهم يجرون أيضاً محادثات حساسة للمساعدة على إنهاء رحيم لحياة المرضى الميؤوس من شفائهم، مع أفراد أسرهم المذهولين الذين غالباً لا يكونون غير مستعدين لاتخاذ مثل هكذا قرارات تتعلق بإزالة آلات الإنعاش الطبي.

تقول تسيون فايرو، الطبيبة الممارسة في غرفة الطوارئ في مانهاتن، إن العديد من المرضى المصابين بأمراض خطيرة هم من كبار السن الذين يعانون حالات صحية كامنة وأُحضروا من دور رعاية المسنين. ربما لم يتمكن أفراد أسرهم من رؤيتهم منذ عدة أيام أو أنهم لا يعلمون مقدار سرعة تدهور صحة هؤلاء المرضى.

وتجد هذه الطبيبة نفسها اليوم، مضطرة لإجراء مناقشات حساسة ومطولة حول الإنهاء الرحيم لحياة شخص ما مع أفراد أسرته في كل نوبة عمل تقريباً. ذلك أن فرصة الشفاء "ضئيلة" في غرف الطوارئ بالنسبة إلى معظم المرضى من المسنين الذين يستخدمون أجهزة التنفس الاصطناعي. وتقول فايرو بأسى "السؤال الذي نطرحه عبر أثير الهاتف هو، هل تريد إطالة معاناة من تحب وإبقاءه أطول فترة ممكنة على جهاز تنفس اصطناعي أم ترغب في أن يموت بسلام؟! من الصعب جداَ طرح هكذا سؤال، والأصعب هو إجراء مثل هكذا محادثة في وقت محدود وقصير"... هذا هو حال الطب في زمن كورونا.