Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

البشر يتحالفون مع الروبوتات لدحر كورونا

محصَّنة ضد العدوى وتطهّر بمواد كيماوية قاسية لكنها تحرم المريض من الاتصال الإنساني

روبوت يساعد موظفي الرعاية الصحية في مستشفى سيركولو دي فاريزي بإيطاليا (أ.ف.ب)

في وقت يعجز فيه الجميع عن إيجاد أفضل الوسائل وأكثرها أماناً للتعامل مع فيروس كورونا المستجد، تمدُّ الروبوتات يد المساعدة إلى البشر في وقت هم بأمسّ الحاجة إليها.

يُطهرون ممرات المستشفيات بالأشعة فوق البنفسجية، للتخلص من أي ذرة لفيروس كورونا المستجد، ويساعدون الأطقم الطبية على تنفيذ المهام الروتينية ليتفرّغوا لمزيدٍ من العناية للمرضى، ويسلمون الوجبات لمن استجابوا إلى أوامر السلطات بالبقاء في المنزل، ويساعدون رجال الشرطة على تحذير من لم يلتزم قرارات الحجر الصحي. فمع اندفاع الباحثين الطبيين لتطوير علاجات ولقاحات في مواجهة فيروس كورونا المستجد، يعمل جيش ثانٍ قوامه علماء ومهندسون على نوع آخر من الأسلحة التي يمكن أن تشكل خندقاً دفاعياً يعيق تقدم الجائحة المميتة في صفوف البشر: الروبوتات.

وكتبت مجموعة دولية من الباحثين الشهر الماضي، في دورية "ساينس روبوتكس" المتخصصة، بحثاً علمياً كانت خلاصته: "مع تصاعد منحنى تفشي الأوبئة، تتضح شيئاً فشيئاً، وبشكل متزايد، الأدوار المُحتملة التي يمكن للروبوتات القيام بها".

ويذهب باحثون آخرون مذهب هذه المجموعة، مؤكدين أن ثمة مزيداً لما يمكن للروبوتات أن تفعله في ما لو ركّز أصحاب القرار جهودهم على الأمور الأكثر احتياجاً. وبهذا الصدد يقول غوانج زونغ يانغ، عميد معهد الروبوتات الطبية بجامعة شنغهاي، "في هذا الوقت العصيب، نحتاج حقاً إلى التأكد من امتلاكنا نهجاً عالمياً مستداماً ومنسقاً للأبحاث المتعلقة بالروبوتات".

لا تمرض ولا تنام
وفي تقرير لها حول دور الروبوتات في المعركة ضد فيروس كورونا المستجد، ألقت صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" نظرة فاحصة على كيفية مساهمة هذه الآلات في دحر الجائحة، في ظل تعاظم الإصابات في صفوف الأطباء والممرضات وغيرهم من العاملين في مجال الرعاية الصحية، ممن هم على اتصال مباشر مع المرضى.

ويقول تيدروس غيبريسوس، مدير عام منظمة الصحة العالمية، "عندما يكون العاملون الصحيون في خطر، فإننا جميعاً في خطر. ذلك أن إصابة واحد من مقدمي الرعاية تعني عناية أقل بالمرضى المصابين بالفيروس".

أمّا عميد معهد الروبوتات الطبية بجامعة شنغهاي، فيشير من جهته إلى أنّ الروبوتات يمكن أن تحل مكان العاملين بمجال الرعاية الصحية في الظروف الراهنة، وأن تؤدي مهاماً مثل إجراء الاختبارات لمعرفة ما إذا كان الناس مصابين بالفيروس. وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن ثمة أشخاصاً يبدون بصحة جيدة تماماً، بينما هم في الحقيقة مصابون بالعدوى، وينقلون المرض إلى الآخرين. ويضيف يانغ: "العدوى الصامتة تتصدر أبرز التحديات".

تتمتع الروبوتات بمزايا هائلة وأفضلية كبيرة على البشر، فهي لا تمرض، وما لم تنفد طاقتها فلن تحتاج إلى الراحة أو النوم. ويقول راسل تايلور، عالم الروبوتات في جامعة جونز هوبكنز الذي أسهم في تطوير أول الروبوتات المستخدمة في غرف العمليات الجراحية، إن الروبوتات الطبية يمكن أن تكون مفيدة في وحدات العناية المركزة، حيث يشكّل خطر التلوث مصدر قلق كبير.

ويضرب تايلور مثلاً بالعامل الصحي الذي يرعى مريضاً مصاباً بفيروس "إيبولا"، فهو يحتاج إلى ارتداء معدات واقية شخصية ثقيلة قبل دخول المنطقة العالية الخطورة، ثم نزع هذه المعدات والتخلص منها خلال عملية إزالة التلوث في نهاية نوبته. ويستهلك هذا الإجراء وقتاً طويلاً وجهداً مرهقاً، وتكمن في طياته غالباً مخاطر جمّة.

ويقول تايلور، إن إرسال روبوت يعمل عن بعدُ للتفاعل مع المريض بدلاً من ذلك، يمكن أن يقلل بشكل كبير الوقت والخطر والجهد. ففي النهاية، الروبوتات محصَّنة ضد مسببات الأمراض البيولوجية، ويمكن تطهيرها بكفاءة بواسطة مواد كيماوية قاسية، وهي أمور لا تنطبق على البشر. ونظراً لأن الروبوتات محصَّنة ضد العدوى، رفعت شركات التكنولوجيا مثل JD.com وغيرها، مستوى التحدي لإنتاج مزيد من الروبوتات المتخصصة بخدمات توصيل الإمدادات الطبية في بيئات الرعاية الصحية الملوثة.

في الخطوط الأمامية
لكن، بيل سمارت، عالم الروبوتات في جامعة ولاية أوريغون، يقول إن الأطباء والعاملين الصحيين لا يريدون بالضرورة التوقف عن الاتصال المباشر بمرضاهم، رغم المخاطر التي ينطوي عليها ذلك. ويوضح، "إنّ جزئية الاتصال البشري بالمريض مهمة حقاً، ومن أساسيات البروتوكولات الطبية. والروبوتات لا تزال مجالاً جديداً نامياً، كما أنّ رعاية المرضى معقدة".

ويقول، إنه يفضِّل أن تستمر الروبوتات في أداء أدوارها المساعِدة الحالية بدلاً من إسناد المهام الرئيسة التي يقوم بها الأطباء والممرضون إليها. ذلك أن الأمور يمكن أن تسير بشكل خاطئ في ما لو تعرّض الروبوت لخلل ما، كما أننا بذلك نحرم المريض من الاتصال الإنساني مع طاقمه الصحي المعالج.

مع ذلك، لا يزال بإمكان الروبوتات المساعدة في تقليل المخاطر على العاملين الصحيين في الخطوط الأمامية، من خلال تولي مزيد من المهام الوضيعة من أجل تقليل الوقت الذي تقضيه ممرضة أو طبيب في بيئة خطرة. قد يعني ذلك استخدام الروبوتات لتقديم وجبات الطعام، أو تطهير الأرضيات على مدار الساعة عن طريق آلات جوالة للتقليل من مخاطر التلوث، أو استخدام طائرات من دون طيار (درون) لنقل الأدوية والمستلزمات الطبية إلى المستشفيات أو حتى بين أقسامها.

وقامت شركة UVD Robots الدنماركية الشهر الماضي، بشحن روبوتات متخصصة في تطهير الغرف والممرات إلى المستشفيات الصينية. تُصدر هذه الروبوتات "أشعة فوق بنفسجية" في جميع الاتجاهات بهدف قتل الفيروسات والبكتيريا من دون تعريض أي فرد للعدوى. ويتحكم بهذه الروبوتات عن بعد عامل صحي يبقى على مسافة آمنة.

تجربة "إيبولا"
خلال أزمة تفشي فيروس "إيبولا" في عام 2014، نظَّم "مكتب البيت الأبيض لسياسة العلوم والتكنولوجيا" و"المؤسسة الوطنية للعلوم" الأميركية، ورش عمل لتحديد الطرق التي يمكن أن تُحدث بها الروبوتات فرقاً. لكن بمجرد السيطرة على "إيبولا"، خفّ الاهتمام بالمشروع وتوقف تمويله. بلهجة ساخرة يعلق روبن مورفي، عالم الروبوتات في جامعة تكساس إيه أند إم، قائلاً: "نحن البشر نعاني فقدان الذاكرة عندما نتجاوز أي مأزق طارئ".

ويقول الباحثون، إن اتباع هذا النهج السياسي يعني، أنه ليس مرجحاً أن يمتلك العلماء والمهندسون والعاملون الطبيون في حالات الطوارئ أي أدوات روبوتية جاهزة عندما يضرب الوباء التالي. ويشبه هذا النهج نظيره الذي يواجهه باحثو المختبرات الصيدلانية الذين يعملون على لقاحات وعلاجات للأمراض المعدية الناشئة.

ويضيف الباحثون أنه لو لم يُجفف تمويل البحوث حول الفيروسات التاجية المسؤولة عن تفشي مرض الالتهاب الرئوي الحاد "سارس" ومتلازمة الجهاز التنفسي في الشرق الأوسط "ميرس"، فإنّ خيارات مكافحة "كورونا المستجد" كانت ستكون أكثر من متاحة اليوم.

وقطعت الروبوتات شوطاً تطورياً طويلاً منذ تفشي فيروس "إيبولا". فلقد تحسّنت حساسية التمييز البصري لدى العدسات الإلكترونية، وازدادت قدرات الاستشعار، وبات الذكاء الاصطناعي أكثر حدة. ويترجم كل هذا إلى استخدامات أكثر موثوقية للروبوتات. ويقول مورفي إنّ الاستثمار في تطوير الروبوتات اليوم يشبه إلى حد كبير الاستثمار في كاسحة ثلج كبيرة، فهي باهظة الثمن ولا تُستخدم في معظم أيام السنة، لكن عندما تضرب عاصفة ثلجية هائلة، فإنها تثبت قيمة كل قرش اُستثمر فيها.

ويكمُن أحد الحلول المقترحة اليوم، في وضع مزيد من الروبوتات داخل أروقة المستشفيات، والتأكد من إمكانية إعادة برمجتها للتصدي لمجموعة من سيناريوهات الكوارث المستقبلية المحتملة. وبهذه الطريقة يمكن للمستشفيات الحفاظ على أصولها الروبوتية وإبقائها قيد الجهوزية إلى حين إعلان حالة الطوارئ التالية.

ويعلق تايلور على هذا السيناريو، معتبراً أنه على المهندسين تصميم روبوت غير مخصص لمكافحة وباء كورونا المستجد فقط، بل "إيجاد حلول هندسية يمكن تسويقها على نطاق واسع، انتظاراً  للمواجهة التالية بطرق اقتصادية موفرة".

أهمية التوقيت
أنشأ سمارت شراكة مع منظمة "أطباء بلا حدود"، بعد أن أثبتت الروبوتات قدرتها على تقديم يد المساعدة للطواقم الطبية على علاج مرضى فيروس "إيبولا" بشكل أكثر فعالية وإنقاذ مزيد من الأرواح.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول سمارت، "إن جزءاً من مشكلة تصميم روبوتات طبية فعالة، يكمن في أن أفضل وقت لاختبارها هو في أثناء التفشي الفعلي لأي مرض. لكن هذا هو أسوأ توقيت أيضاً، خصوصاً للأطباء الذين يعتمدون على إجراءات مألوفة للتعامل مع المواقف العالية المخاطر والضغط الشديد".

ويضيف، "من الصعب حقاً إدراج أساليب جديدة في إجراءات العمل تلك، لأنك إذا أخطأت في المحاولة، فإنّ مزيداً من الناس سيموتون. لذا فإنه من المهم التأكد من إشراك العاملين الصحيين في عملية التطوير في وقت مبكر".

ويتابع، "لا يمكنك تصميم روبوت وأخذه إلى المستشفى فحسب، ثم تقول: تفضّلوا استخدموا روبوتي". إن جعل الروبوتات جزءاً رئيساً داخل أقسام الرعاية الطبية لن يساعدها على أن تصبح أقل تكلفة اقتصادياً فحسب، بل سيجعل العاملين الصحيين الذين سيحتاجون إليها في أي جائحة مقبلة يألفون وجودها، وبالتالي كيفية استخدامها. يقول سمارت "نريد دمجها في دورة عمل الأطباء والممرضين وقت المنحة لا في أثناء المحنة".

وقد أثبتت الروبوتات كذلك، أنها أداة ذات قيمة لتوصيل المواد الأساسية للأشخاص الذين يتسوقون ويشترون عبر الإنترنت في أثناء عزلهم منزلياً. إذ يقوم Meituan Dianping، وهو تطبيق توصيل، بتكثيف خيارات "التسليم من دون تلامس" من خلال مركبات آلية وروبوتات. وداخل مستودعات ومخازن متاجر البيع عبر الإنترنت، تستخدم الروبوتات أيضاً لأتمتة تنفيذ الطلبات.

وتستخدم الذراع اللوجيستية لشركة "علي بابا" الروبوتات في مستودعاتها لإيصال التبرعات الطبية الموجهة إلى مناطق في الصين مثل ووهان، خصوصاً معدات اختبار وعلاج فيروس كورونا المستجد. كما استخدمت خدمة توصيل الطعام Ele.me الروبوتات لتوصيل وجبات الطعام للأفراد المحجورين صحياً المحتجزين في فندق ويشتبه في إصابتهم بالفيروس. يتم أيضاً، استخدام الروبوتات في المطابخ لطهي الطعام وتقديمه لدى بعض المطاعم.

عمال وطائرات
وكانت إحدى أهم المعضلات التي واجهتها المصانع الصينية، التي تزوّد العديد من الشركات حول العالم بقطع غيار ومعدات حيوية، هي كيفية مواصلة الإنتاج في ظل غياب اليد العاملة البشرية. إذ بات من المؤكد أن تعطّل سلسلة التوريد العالمية سيستمر في التأثير في الاقتصاد العالمي حتى مع انكفاء حالات كورونا في الصين.

وأظهر استطلاع أجرته "الغرفة التجارية الأميركية في شنغهاي" أنّ زهاء نصف الشركات التي شملها الاستطلاع (البالغ عددها 109 شركات) قالت إن أكبر تحدٍ لها في الأسابيع المقبلة هو إيجاد عدد كافٍ من العمال لتشغيل خطوط الإنتاج. سيفرض هذا الواقع الجديد تكثيف الأتمتة الروبوتية، وجعلها أكثر جاذبية لخفض التكاليف وضمان الاستمرارية الإنتاجية، في ما لو واجهت البلاد جائحة عالمية جديدة أو أي إغلاقات أخرى.

ونشرت شركة MicroMultiCopter أكثر من 100 طائرة من دون طيار (درون) في عديد من المدن الصينية بهدف تسيير دوريات لمراقبة الحشود وحركة المرور بكفاءة أكبر، ولتحديد الأشخاص ذوي درجات الحرارة المرتفعة من خلال مستشعرات حرارية. ويمكن لهذه الدرونات كذلك اكتشاف أولئك الذين لا يرتدون أقنعة في الأماكن العامة، وبث رسائل صوتية ضمن منطقة أكبر مما يمكن لمكبرات الصوت التقليدية فعله. كما تستخدم الدرونات لمكافحة الفيروسات عن طريق رش المطهرات في الأماكن العامة. ووفقاً لتقارير GPS World، فإن استخدام الطائرات من دون طيار يختصر وقت النقل بنسبة 50 في المئة مقارنة بنظيره البري، كما أنه لا يعرّض سائقي خدمات التوصيل من البشر لأي مخاطر.