الصحافة والصحافيون في اليمن...حكاية هروب جماعي وسجون وحظر مطبوعات ومواقع

غياب نحو 50 صحيفة محلية  علاوة على الصحف الخارجية عن المشهد بشكل كلي

صنفت منظمة "مراسلون بلا حدود" اليمن ضمن أسوأ الدول بالنسبة لوضع الصحافيين للعام 2018 وصنعاء عاصمة بثلاث صحف (رويترز)

 

منذ أن وطأت أقدام المسلحين الحوثيين تراب العاصمة اليمنية صنعاء صبيحة الحادي والعشرين من سبتمبر (أيلول) من العام 2014، وضعت الجماعة المسلحة السكين على رقبة الصحافة، وكانت "صاحبة الجلالة" أولى ضحايا المدّ الحوثي الذي اجتاح مدن وقرى شمال البلاد ووسطها.

مارست الجماعة المسلحة منذ بدايات سيطرتها، أشنع الانتهاكات بحق الصحافيين، وصنفت في المرتبة الثانية في قائمة الجماعات المعادية للصحافة عالمياً بعد "داعش"، وفق منظمات دولية معنية بحرية الصحافة.

ووفق تقرير منظمة "مراسلون بلا حدود" الخاص بمؤشر حرية الصحافة لعام 2018، جاءت اليمن في ذيل قائمة الدول، واحتلت المرتبة رقم (167) من بين 180 دولة، ووصف التقرير أوضاع الصحافيين فيها بأنها "سيئة للغاية".

اختارت "اندبندنت عربية" العاصمة صنعاء كنموذج، باعتبارها نقطة تمركز الحوثيين الأقوى، وفي أثناء محاولات أخذ آراء صحافيين أو مُلّاك نقاط بيع الصحف، اشترط كل الذين تحدثنا إليهم، اخفاء هوياتهم خوفاً من بطش الحوثي، واضطررنا إلى استخدام الاسم الأول، وأحياناً الأحرف الأولى من كل اسم.

إغلاق ومصادرة واستيلاء

أغلقت الجماعة مكاتب كل الفضائيات والصحف والمواقع الالكترونية، وصادرت معداتها، فيما وضعت يدها على كل مؤسسات الدولة الاعلامية، واستعملتها في خدمة أفكار الجماعة ومشاريعها التي تفرضها بقوة السلاح.

تناصب الجماعة الصحافة والصحافيين العداء بشكل واضح، حتى أن زعيمها "عبدالملك الحوثي"، وصف الصحافيين، في حديث متلفز له بـ"المرتزقة والعملاء"، وقال إنهم "أخطر من المرتزقة المقاتلين في الميدان.."، داعياً مقاتليه لـ"التصدي لهم بحزم"، في تحريض صريح ضد حرية الصحافة والعاملين بها، واعتبار كل من يناهض الجماعة في حكم "الخائن" الذي يجب معاقبته وحبسه والتنكيل به.

تلا ذلك الخطاب حملة مسعورة استهدفت كل المناوئين للجماعة، ولا سيما الصحافيين منهم، واختطف المسلحون عشرات الصحافيين وزجّوا بهم في سجون، بعضها سرّي، وما يزالون حتى كتابة هذه المادة يقبعون في تلك الزنازين دون توجيه أي تهمة أو محاكمة أو السماح لذويلهم بزيارتهم أو حتى تنصيب محامين للترافع عنهم.

وغير مرّة، اتهمت رابطة أمهات المختطفين (منظمة غير حكومية) جماعة الحوثي بتعذيب المعتقلين في سجونها، خصوصاً  من الصحافيين، ومنعت عنهم الدواء وحرمتهم من العرض على الأطباء، ما أدى إلى تدهور صحة الكثيرين منهم.

وذهبت الرابطة إلى أبعد من ذلك، إذ قالت في تقرير لها مطلع العام الماضي 2018 إن "الحوثيين مارسوا التعذيب بحق مواطن يدعى "علي محمد التويتي حتى الموت، وأن الجثة بدت عليها آثار التعذيب والتنكيل داخل سجون الحوثي".

أخذ من تبقى من الصحافيين في مناطق سيطرة الحوثي هذه التصريحات على محمل الجد، وشدّوا الرحال في كل الاتجاهات، هرباً من بطش الحوثي، لكن في الحقيقة أن الغالبية العظمى كانت غادرت البلاد، ولا سيما العاصمة صنعاء (مركز الدولة) إلى خارج البلاد، أو إلى مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، منذ الأيام الأولى لوصول المسلحين الحوثيين إلى تخوم المدينة.

صحافيون بلا أسماء

ترك العديد من الصحافيين وظائفهم في مجال الإعلام وراحوا يبحثون عن فرص عمل أقل خطراً، بعد أن تعرض زملاء لهم للسجن أو التعذيب أو المطاردة، لكنّ هؤلاء يعدّون أنفسهم من المحظوظين الذين ما يزالون خارج أسوار السجون.

يروي أحد الصحافيين قصصاً مروعة للمداهمات والاستجوابات والخطف الذي تعرض له زملاؤه، في حين قرر هو ترك عمله في إحدى الصحف الأجنبية المرموقة بعد تلقيه تلميحاً بالتهديد، وقبلها فَقَدَ وظيفته بواحدة من أهم الصحف المحلية بعد أن أغلقها الحوثيون وصادروا كل ممتلكاتها.

يقول (أ.و) "فقدت عملي في صحيفة محلية عقب اقتحام مقرها من قبل الحوثيين ونهبها في العام 2014، وفي مطلع العام 2015 اُختطف اثنان من زملائي، وعشت أياماً مروّعة بلغ فيها القلق حداً لا يوصف".

ويضيف مشترطاً إخفاء هويته، "تفاقم الأمر حين اعتقل زميل آخر في العام 2017 من منزله في صنعاء، عندها قررتُ ترك العمل الإعلامي برمته، وقمت عقب الحملة المسعورة والمداهمات لمنازل الصحافيين بنقل مكان سكني إلى منطقة أخرى، وفي الحي الجديد أخفيت هويتي ولقبي المعروفين، واستبدلتهما بأسماء وهمية".

يتابع: "منتصف العام الماضي عدتُ للعمل الصحافي ولكن بدون كتابة اسمي في وسائل الإعلام التي أراسلها.. قبضة الحوثيين وملاحقاتهم جعلت عملنا ناقصاً، فحين اعدّ تقريراً إنسانياً أتواصل مع المسؤولين في مناطق سيطرة الشرعية، لا أستطيع التواصل مع الحوثيين، مخافة الاعتقال أو الملاحقة".

عاصمة بثلاث صحف

اليوم لا تكاد تقع عيناك إلا على صحيفتين أو ثلاث، وكلها ذات لون واحد، في ظل انحسار دور الصحافة وعزوف من جانب القراء.

قبل مجيء الحوثيين في 2014، كانت الصحافة اليمنية، أو بشكل أدقّ جلّها، تتركز في العاصمة صنعاء، ويتم التوزيع منها للمناطق والمدن الاخرى، وشهدت تلك الفترة رواجاً للصحافة، وصدرت صحف يومية من مشارب شتى.

أغلقت العديد من نقاط البيع والأكشاك أبوابها، وتحوّل بعض ممن كانوا يمارسون مهنة بيع الصحف إلى مهن أخرى أقل خطراً على حياتهم.

يقول (عمر.ع)، بائع صحف في مديرية السبعين بصنعاء إن "سوق بيع الصحف المطبوعة انتهى تماماً، لأنه لا توجد صحف تصدر كي يقوم ببيعها، وهناك ثلاث صحف فقط هي التي تطبع (الثورة، المسيرة، صحيفة 26 سبتمبر) وكلها تخضع لسيطرة الحوثيين. 

وأضاف: "في السابق كانت هناك عدة صحف متنوعة مثل صحيفة الأيام واليمن اليوم وأخبار اليوم والمصدر، وغيرها العشرات من الصحف، والآن لا يوجد تنوع."

ويشير "عمر" إلى أن "الكشك الخاص به يبيع نحو 10 نسخ فقط من صحيفة الثورة، الجريدة الرسمية الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، ويقوم ببيع نسختين إلى ثلاث نسخ من صحيفة المسيرة الناطقة باسم جماعة الحوثي".

ويقول (ع. ش)، مالك أحد أكشاك بيع الصحف بصنعاء إن "البعض يعتقد أن عزوف الناس عن الصحف بسبب الانترنت والسوشيال ميديا، وفي الحقيقة أن هذه ليست السبب، لكن عدم وجود تنوع في نهج المطبوعات، واختفاء الصحف المستقلة هو سبب انتهاء عملنا بشكل كامل وتدمير الحالة الصحافية في البلد".

وأضاف أن "نحو 50 صحيفة محلية، علاوة على الصحف الخارجية، غابت عن المشهد تماماً، وبقيت صحيفتان فقط تخدمان التوجّه الحوثي وأفكار الجماعة المسلحة، مشيراً في حديثه إلى أن "المجلات التي تشاهدونها معروضة هي أعداد قديمة فقط".

وينفي الحوثيون بشكل مستمر وجود معتقلين سياسيين لديهم، ويتحدثون عن إرهابيين أو جواسيس يتواصلون مع "دول العدوان"، في إشارة إلى الدول المشاركة في التحالف العربي الذي تقوده السعودية، والذي ينفذ ضربات جوية، ويقدم دعماً عسكرياً لقوات الحكومة اليمنية والرئيس عبدربه منصور هادي، المعترف به دولياً.

 

المزيد من العالم العربي