Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مارتن لوثر كينغ "لديه حلم"... تحقق

داعية الحقوق المدنية تنبأ بمقتله خلال إلقاء خطاب وتحققت نبوءته يوم الرابع من إبريل 1968

مارتن لوثر كينغ: لديّ حلم... (غيتي)

عندما قاد داعية الحقوق المدنية الدكتور القس مارتن لوثر كينغ شعبه في الولايات المتحدة إلى الحرية من دون أن يشهر سلاحاً في وجه أحد، كان يجد إلهامه في المهاتما غاندي في شبه الحزيرة الهندية، ويؤكد فعالية النضال السلمي لنيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا.

وعلى الرغم من الظلم الذي رآه يعصف بقومه، فقد اختار الحوار طريقاً نحو مجتمع عادل - سمّاه حلم الأرض الموعودة - يتساوى فيه الناس بغض النظر عن العرق ولون البشرة. وعلى الرغم من أن كينغ لم يعش ليرى حلمه حقيقة ماثلة، فقد اختصر نضاله الهادئ والثمن الغالي الذي دفعه المسافة إلى مشارف أرضه الموعودة تلك.

السنوات الأولى

ولد مارتن لوثر كينغ الابن في 15 يناير (كانون الثاني) 1929 في أتلانتا، جورجيا، ثاني ثلاثة إخوة (ولدين وبنت بكر) لأبويه القس مايكل الأب وألبيرتا التي كانت تعزف البيانو في كنيسة الحي. سمّته أمه "مايكل" تيمنا بأبيه – وهو الاسم المدوّن في شهادة ميلاده – لكن والده المتديّن أصر على اسم مارتن لوثر تيمناً بالمصلح مؤسس الكنيسة (البروتستانتية) اللوثرية مارتن لوثر (1483 – 1546).

في طفولته تشبع كينغ بالحكايات الدينية التي كانت تلقيها على الإخوة الثلاثة جدته، جيني، المسماة "ماما". وكان أبوه صارماً في تعاليمه التربوية مسارعاً إلى الكرباج. فقال لأصدقائه إن مارتن لوثر يحيّره لأنه "يتلقى السياط اللاذعة لكنه لا يبكى وإن سالت دموعه من الألم". ويُذكر له أنه كان وأخوه الصغير يلعبان بالانزلاق على درابزين الدرج، فتصادم أخوه مع جدته حتى سقطت مغشياً عليها. واعتقد مارتن أنها ماتت، فزعم أنه هو الذي قتلها وحاول الانتحار بإلقاء نفسه من نافذة بطابق البيت. وعندما علم أنها على قيد الحياة وبصحة جيدة نهض من مكانه وواصل اللعب مع أخيه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الصدمة

جاء أول وعيه بالتمييز العنصري عندما حظر عليه والدا صبي أبيض كان يصادقه اللعب معه. وعندما سألهما عن السبب قالا له: "نحن بيض وأنت ملوّن (أسود)". وعندما حكى الواقعة لأبويه تلقى منهما أول دروسه في تاريخ العبودية والتمييز في وطنه. وتعزز لديه مفهوم التمييز العنصري عندما كان يستقل حافلة مع أحد معلميه، فأمره صبي أبيض بأن يترك له مقعده. وعندما رفض تدخل معلمه وأخبره بأنه ينتهك القانون وقد ينتهي به الأمر في السجن إن لم يستجب للأمر، ففعل.

وذكر كينغ لاحقاً: "يومها صممت على كراهية البيض أينما كانوا. لكن أبويّ علماني أن الدين يحرّم علينا الكراهية لأي سبب كان". ومع ذلك فقد ظلت التفرقة والعزل اللذين عاناهما السود لحظة بعد أخرى يحرمانه من التصالح بالكامل مع هذا المفهوم، حتى قال في خطبة مدرسية وهو في سن 13 سنة: "لا أفهم كيف ولماذا يعيش أسود متعلم تحت رحمة أبيض جاهل".

وهكذا أصبحت سنوات صباه هي المرحلة التي شكك فيها في جدوى التعاليم الدينية وكل ما تربى عليه. وكبديل لهذا أنفق طاقاته العقلية في الاستيعاب الأكاديمي وصار تلميذاً مبرزاً فالتحق بكلية مورهاوس وهو لم يتجاوز 15 سنة من عمره ثم قاده المطاف التعليمي إلى "كلية كروزر الدينية"، وكلتاهما في مدينته أتلانتا.

كاد يتزوج بيضاء

لاحقاً في هذه الكلية تبادل كينغ الحب مع ابنة مهاجرة ألمانية كانت تعمل طاهية في مطعمهما، ثم اتفقا على الزواج. لكنه لم يقدم على هذه الخطوة غير المسبوقة لأن أصدقاءه حذروه من "عواقب عداء أبيض لا يعلم أحد مدى خطورته عليه وعليها وعلى أبنائهما والمجتمع الأسود ككل". وحذروه بأنه يغامر بإضاعة فرصته – مرة وإلى الأبد – في أن يصبح قساً معترفاً به في أي من كنائس الجنوب الأميركي".

وأسرّ كينغ لأحد أصدقائه بأنه كان على استعداد للتضحية بكل شيء من أجل حبه لولا أن والدته صارت كسيرة القلب. فتخلى عن ابنة المهاجرة الألمانية، ولكن يقال إنه ظل يحبها حتى لقائه بالناشطة السوداء كوريتا سكوت وهو يحضر دراساته العليا بجامعة بوسطن وزواجه منها في 1953 (أربعة أبناء) قبل حصوله على الدكتوراه في 1955.

حقوق

يصح القول إن اشتغال كينغ بمسألة الحقوق المدنية السوداء بدأت في صباه الباكر منذ أن ألقى بعلامتي استفهام وتعجب فوق الأسود المتعلم الواقع تحت رحمة الأبيض الجاهل. ومنذ وقتها وهو يذرع البلاد طولاً وعرضاً ويقذف بنفسه في مختلف المعارك من أصغرها إلى أكبرها مسلحاً بالعلم في البداية، ثم العلم والدين منذ أن تولى أول مناصبه في كنيسة ديكستر المعمدانية (بوسطن) في 1954 وهو في سن الخامسة والعشرين.

وفي 1963 اعتقل وسجن بتهمة الإخلال بالأمن والنظام لقيادته تظاهرات احتجاج على معاملة السود في بيرمنغهام. وكانت هذه واحدة من 29 مرة أودع فيها السجن لتنظيمه وقيادته مسيرات وتظاهرات تطالب بالحقوق المدنية للسود وهو على رأس تنظيمه "مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية". وشملت هذه (مسيرة سيلما)، ألاباما، في 1965 (بعد عام من حصوله على "نوبل" للسلام" وكان أصغر متلق لها في تاريخها) التي تحدى فيها كينغ حظراً قانونياً وتعرض المشاركون فيها لمواجهة دموية من رجال الأمن وصارت حدثاً قومياً (تناولته هوليوود في 2014 في فيلم "سيلما"). لكنها أيضاً شملت تهماً مفبركة على شاكلة سجنه في مونتغومري، ألاباما، بتهمة قيادته السيارة بسرعة 30 ميلاً في شارع سرعته القصوى 25 ميلاً.

لديه حلم

في مايو 1957 ألقى كينغ خطبته الأولى على المستوى القومي تحت نصب أبراهام لينكون التاريخي. وطالب أمام نحو 30 ألف شخص بحق التصويت للسود ومشاركتهم في تشكيل المؤسسة السياسية الأميركية. وبعد ست سنوات، في خضم سلسلة لقاءات مواجهة له بالرئيس الأميركي وقتها ليندون جونسون، قاد كينغ في 28 أغسطس (آب) 1963 مسيرة للسود - شارك فيها ربع مليون شخص على الأقل من دعاة المساواة من كل لون وملّة – في واشنطن تطالب بالحريات المدنية والمهنية ووضع حد للتمييز العنصري في البلاد. وتحت نصب أبراهام لينكولن التاريخي ألقى كينغ خطبته الشهيرة "لدي حلم" التي دامت 17 دقيقة مثلت أكبر منعطفات حركة الحقوق المدنية وأحد أهم الخطب السياسية بطول تاريخ الولايات المتحدة.

وبدأ كينغ خطبته الشهيرة مستلهماً بنود "إعلان التحرر" الذي فكّ في 1863 ملايين السود من قيود العبودية. وقال إنه بعد مرور مئة سنة على ذلك الإعلان "يظل الزنجي مفتقراً إلى حريته". ثم بدأ يرتجل مبتعداً عن نص خطابه المعد سلفاً، وإذا بمغنية "الغوسبيل" الشهيرة، مهاليا جاكسون، ترفع صوتها وهي تخاطبه: "حدثهم عن حلمك يا مارتن".

عندها راح كينغ يعلن للعالم أنه يحلم بالحرية والمساواة ينهضان على أرض العبودية والكراهية. ثم انطلق يشرح حلمه مسلحاً بموهبته الفذة في الخطابة حتى أكمل ما صار يُعرف بخطبة "I have a dream" (لديّ حلم). وقال الساسة الأميركيون البيض أنفسهم عن الخطاب إنه وضع كينغ على قدم المساواة مع عظماء التاريخ الأميركي من أمثال جيفرسون ولينكون. وفي 1999 اختير هذا الخطاب الأهم بين سائر الخطابات في القرن العشرين في أي مكان في العالم، وذلك في استطلاع أجرى حصرياً وسط مؤرخي الخطب السياسية.

نبوءة...

في سبتمبر (أيلول) 1958، قبل اغتياله بعشر سنوات، كان كينغ يوقع على نسخ من كتابه "خطوات نحو الحرية" في هارلم، نيويورك، عندما أتت اليه امرأة وسألته أن يؤكد لها هويته. ففعل، وما كان منها إلا أن غرست سكين مظاريف بطول سبع بوصات في صدره أخطأت قلبه بما لا يزيد عن مليمترات قليلة. وأُنقذت حياته فقط لأنه خضع لعملية جراحية فورية. وفي فترة نقاهته بالمستشفى أصدر بياناً قال فيه إن الحادثة عززت إيمانه بالنضال السلمي وإنه يغفر لمهاجمته فعلها.

على أنه تنبأ بمقتله بعد عشر سنوات في آخر خطاب يلقيه على شعبه. ففي 3 إبريل (نيسان) 1968، قبل يوم واحد من اغتياله، وفد كينغ إلى ميمفيس ليعاضد عمال جمع القمامة السود في إضراب لهم سعياً لمساواة أجورهم بزملائهم البيض. وألقى خطاباً عليهم قال فيه: "كأي شخص آخر، أتمنى طول العمر. على أنني في هذه الليلة لا أحفل بذلك. فقد رأيت الأرض الموعودة. قد لا نصلها معاً، لكني أريد لكم أن تعلموا الليلة أننا – كشعب واحد – سنبلغها في يوم ما".

...تتحقق

في اليوم التالي لخطابه هذا كان كينغ يقف مع بعض أعوانه على شرفة غرفته (رقم 306) بالطابق الثاني في فندق "لورين" الصغير، ميمفيس. وفي تمام الساعة السادسة ودقيقة مساء الرابع من أبريل 1968 أطلق عليه شخص يدعى جيمس إيرل راي النار من بندقيته، فأصابه في خده برصاصة وجدت طريقها إلى نخاعه الشوكي. ونقل سريعاً إلى مستتشفى سان جوزيف وخضع لجراحة غير ناجحة إذ لفظ نفسه الأخير بعد ساعة وأربع دقائق من إصابته. وقال الطبيب الشرعي الذي شرح جثته إن قلب كينغ، الذي كان في سن 39 وقت وفاته، يعود إلى رجل في الستين من العمر.

ودفن داعية الحقوق في "د. مارتن لوثر كينغ ناشونال هيستوريكال بارك" (تشمل البيت مسقط رأسه وكنيسة الحي) في أتلانتا. وفي 1983 أصدر الرئيس رونالد ريغان مرسوماً يقضي باعتبار الرابع من أبريل عطلة فيدرالية في عموم البلاد. وهذا شرف لم يحظ به سابقاً غير جورج واشنطن نفسه. واليوم ثمة 730 شارعاً في مختلف أرجاء الولايات المتحدة تحمل اسم مارتن لوثر كينغ، إضافة إلى نصبه التذكاري الذي أزيح ستاره في واشنطن قبل عشر سنوات.

أما القاتل راي فقد قبض عليه واعترف بفعلته ثم تلقى الحكم بإعدامه. لكن هذا خُفف إلى السجن المؤبد لأسبابعدة من ضمنها أن عائلة كينغ نفسه كانت ضد عقوبة الإعدام، وأن راي – وفقًا للعائلة - مجرد اليد المنفذة لمؤامرة كبيرة وقفت وراءها مؤسسات حكومية على المستويين المحلي والفيدرالي وأيضاً المافيا.

تركته

لم تذهب القضية التي وهب لها كينغ حياته سدى. فبعد أيام قليلة على اغتياله، أجاز الكونجرس قانون الحقوق المدنية الذي يحظر التمييز أو العزل على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو الجنسية الأصلية. وعلى الرغم من أن هذا القانون، المعتبر أكبر ثمار ما زرعه كينغ، لم يقتلع العنصرية الأميركية من جذورها، فقد حرمها من أوكسجين الشرعية وكان الأساس لنقلة نوعية تمتعت بها أجيال السود الجديدة مثل التعليم والإسكان وحق الانتخاب وتملك المال والعقار والمنافسة على قدم المساواة مع غيرهم.

ولم يقتصر إنجاز كينغ على بلاده بل صار قدوة لقادة حركات التحرر من أمثال ألبرت ليتولي، أول زعيم للمؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا وانتقال المؤتمر إلى النضال السلمي ضد "الأبارتيد" وهو أشرس نظام عنصري في التاريخ الحديث بخاصة على يد نيلسون مانديلا.