Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أليس من المستغرب وقف الاقتصاد لمواجهة كورونا؟

تظهر جائحة "كوفيد 19" ضرورة تكاتف العالم لمقاومتها من دون الإضرار بالأعمال

ما أبرز درس مستفاد من كورونا؟ إنه التضامن العالمي والحفاظ على الاقتصاد والبشر (رويترز)

يبدو أمراً غريباً أن يوقف الاقتصاد الأميركي بهدف مواجهة فيروس كورونا، خصوصاً عند مقارنة ذلك مع موقف الولايات المتحدة حيال موجة الزكام في هذا الموسم.

موسم الزكام (بداية من تشرين أول (أكتوبر) 2019

الحالات المرضية المُبلّغ عنها                36 مليوناً- 51 مليوناً

حالات الدخول إلى المستشفى                370 ألفاً- 670 ألفاً

الوفيات                                    22 ألفاً- 55 ألفاً

ومع بداية موجة كورونا، برزت الأرقام التالية

الحالات المرضية المبلغ عنها                33404 حالات

الوفيات                                    400 وفاة

 

لن يتوقف انتشار الفيروس إذا توقّف الاقتصاد. من المستطاع إبطاء تقدّم الوباء بواسطة إجراءات كغسل اليدين والنظافة العامة والالتزام بالحس السليم في التصرف، إضافة إلى التزام المنزل عندما تكون مريضاً. وبالنسبة إلى مسألة إرهاق نظام الرعاية الصحية بوجود عدد كبير من الإصابات، فإن ذلك يمكن التعامل معه عبر التخطيط الحكيم في حالات الطوارئ. ومثلاً، من المستطاع التغلّب على النقص في عدد الأسرّة في المستشفيات عبر السماح للحكومة باستئجار فنادق، وسفن الرحلات التجارية، وملاعب الرياضة، مع تحويلها كلها مستشفيات بديلة، بدلاً من بناء مستشفيات موقتة.

من المستطاع التعامل مع نقص الإمدادات الطبية عِبْرَ سنّ قوانين تمنع تخزينها، مع تحديد أسعار لها من قِبَل الشركات ومؤسّسات الرعاية الصحية. إنها للأسف طبيعة الرأسمالية أن تستغل كل مناسبة لجني الأرباح، حتى لو لم يكن ذلك في خدمة الصالح العام.

وفي خطوة تالية، تستطيع الحكومة تغطية النقص في التجهيزات الطبيّة عبر تفعيل عقود حالات الطوارئ مع تحويل الجهات المتعاقد معها حكوميّاً صوب انتاج كمامات وتجهيزات الحماية الشخصية وأدوات التنفس الاصطناعي. من المستطاع أن تلجأ الحكومة إلى تفعيل ذلك النوع من العقود أثناء حالات الطوارئ. وتنطبق وضعية مماثلة على التعامل مع شركات صناعة الأدوية، مع عقود معدّة سلفاً بهدف زيادة صنع اللقاحات والأدوية الملائمة لحالات الأوبئة والجائحات.

وعلى نحو مماثل، من المستطاع التعامل بحكمة مع النقص في الطواقم الصحية عبر إجراءات تشمل:

- إعادة المتقاعدين من العاملين في مجال الصحة، إلى العمل.

- الاستفادة من الصيادلة.

- إلغاء الجراحات غير المستعجلة وتوجيه العاملين فيها للعمل طوعياً في علاج المُصابين بالوباء.

وكذلك تستقى المعلومات والأهداف من المختصين في علوم الأوبئة، ويجري الاستناد إليها في صوغ سياسات احتواء الوباء. ومن المستطاع صوغ استراتيجية كفؤة عبر جمع المعلومات وتتبع البيانات، والتعرف على المجموعات الهشة أمام التعرض للفيروس (مرّة اخرى، باستخدام بيانات علم الأوبئة)، وتحديد ساعات تكون مخصصة لكبار السن أو الأطفال بهدف حمايتهم. ومن المجدي تماماً توظيف الأموال في دراسات وبائية تشمل قياس درجة حرارة أجساد الناس في الأماكن العامة. ومثلاً، من الممكن توظيف أموال في نصب كاميرات لقياس حرارة الأجساد، في أمكنة ملائمة تكون حركة البشر فيها كثيفة، ما يتيح التعرف إلى المُصابين بالحمى. من المستطاع إرسال بيانات الكاميرات الحرارية إلى "مراكز ترصد الأمراض" كي تساهم في عملية صنع القرار.

وفي سياق متصل، تملك الذراع الثانية في المقاربة الثلاثية الأذرع لمواجهة الوباء، بُعداً اقتصادياً. يأتي أولاً وقبل كل شيء، ضرورة حماية الأعمال الصغيرة، ربما بواسطة قروض حكومية، كي تتمكن من الحفاظ على موظفيها لحين احتواء الوباء أو الجائحة. واستطراداً، يكون لمصلحة الأعمال الصغيرة ألا تأخذ موظفين جدداً أو تدريب موظفين جدد. من الأفضل أن يحتفظ الموظفين بوظائفهم التي يشغلوها حاضراً، ويكون ذلك أقل كلفة في المال والوقت. وخارج إطار القروض، من المستطاع تمكين الأعمال الصغيرة من الحصول على إعانات البطالة التي كان موظفوها سيحصلون عليها لو أنهم صرفوا من تلك الأعمال. وفي خطوة تالية، تصرف تلك الأموال إلى الموظفين، مع الاستمرار في توظيفهم. واستطراداً، تتطلب تلك الخطوة وضع قوانين ضد التلاعب في ذلك الشأن. وثمة فائدة مضافة لذلك الأمر تتمثّل في إحساس الموظفين بأنهم جزء من مؤسساتهم، واستمرارهم في أداء وظائفهم أثناء زمن الأزمة. ويعطي قطاع المطاعم مثلاً عن ذلك الأمر، إذ يمكن للمطاعم أن تبقى على أهبة الاستعداد لمعاودة الانطلاق. وعندما تتوقف الأزمة، يكون كل فرد مستعداً للعودة إلى العمل. وبديهي القول أن الشرط لتحقيق ذلك يكمن في أن تمتلك المؤسسات موارد كافية لتعطيها القدرة على إعادة توظيف من يعملون لديها لفترة تقارب الـ24 شهراً متتالياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تحتاج المؤسّسات الكبيرة إلى مساعدة لن تأتي إلا من طريق إعطائها قروضاً بفائدة ميسّرة. أكثر من ذلك، يتوجّب ألاّ تستعمل القروض في شراء أسهم [بمعنى أن تشتري الشركة أسهمهما بنفسها] ولا توضع في مكافأت المراتب الإدارية العليا. يضاف إلى ذلك ضرورة أن تتقدّم الشركة التي تطلب قرضاً، بخطة توضح عن كيفية إنفاق ذلك المال بطريقة تعود بالنفع على الاقتصاد. وأخيراً، يفترض بالشركات التي تنال قروضاً أن تتقدّم إلى دافعي الضرائب بتقارير عن طرق انفاقها ذلك المال، ضمن مهل زمنية محددة. إذا أساءت الشركات الحاصلة على القروض الحكومية الطارئة، استخدام تلك الأموال فيتوجّب أن تفرض عليها عقوبات صارمة.

في المرّة الأخيرة التي أعطت فيها الحكومة الأميركية قروضاً إلى شركات، استخدمت الأخيرة تلك الأموال في شراء أسهم لمصلحة المساهمين [في الشركات] وليس الجمهور الأميركي الواسع. وثمة درس مُستفاد من ذلك مفاده ضرورة ربط القروض التي تُعطى في حالات الطوارئ مع تشريعات ملائمة.

ثمة جزء أساسي آخر لمسألة الجاهزية في مواجهة الوباء يتمثّل في استمرار دعم الجهود المؤسساتية المتخصصة في ذلك الشأن. يبرز مثل على ذلك في "إدارة التطوير البحوث المتقدمة في البيولوجيا الطبية" (اختصاراً "باردا" BARDA) التي أنشأتها الولايات المتحدة في 2006. وتشكّل "باردا" جزءاً من "مكتب إدارة الصحة والموارد البشرية" التابع السكرتير المساعد في "إدارة الرد والجاهزية" في الولايات المتحدة. وقد أُنشئت "باردا" للمساعدة في حماية الأمة الأميركية من المخاطر الكيمياوية والبيولوجية والإشعاعية والنووية، وكذلك من مخاطر جائحات الأنفلونزا والأوبئة المتجددة. إذ تسهم تلك الجهود في بحوث لقاحات وأدوية وأدوات تشخيص تلزم كلها في مواجهة موجات الأوبئة. وكذلك تدعم تطوير تلك الموارد بشكل متطوّر، ثم تعيد توجيهها كي تصير جزءاً من المخزون الاستراتيجي الشامل. إذاً، تساعد المؤسسات من هذا النوع في تقديم التمويل والمساعدة التقنية والخدمات الأساسية، ويشمل ذلك شبكة مؤسّسات البحوث السريرية و"مراكز الإبداع للتطوير المتقدم والتصنيع"، وشبكات التصنيع الكامل.

إذاً، تشكّل جائحة كورونا فرصة للعالم بأسره كي يضع خطة عن مواجهة حوادث مماثلة، بطريقة تكفل عدم إلحاق اضطرابات كبرى في الاقتصادات العالمية.

المزيد من آراء