لمحة عن الانتشار العالمي للأوبئة

معركة ملحمية للبشر ضد الجراثيم لم توقفها الأدوية واللقاحات ولا...العولمة

في 1976، سمعت الكونغو للمرّة الأولى، ومعها دول العالم، بالحمى النزفية التي يسببها فيروس "إيبولا" Ebola، إذ انتشر آنذاك مرض لم يكن مألوفاً يعاني المصاب به حمى مرتفعة مع نزيف متكرر من فتحات الجسم. ابتدأ المرض في قرية "يامبوكو" بشمال الكونغو. وحُمِلَت عينات دم جمعها متخصصون في الفيروسات من المُصابين الأوائل به، إلى "كينشاسا" (العاصمة) في أنابيب زجاجية رقيقة، عبرت طُرقاً متلوية وصعبة. ثم شُحِنَتْ تلك العيّنات إلى "مراكز ترصد الأمراض والوقاية منها"Centers for Disease Control & Prevention (اختصاراً، "سي دي سي" CDC) في ولاية "آتلانتا" الأميركية. وهناك، تمكن العلماء من رؤية الفيروس. وسمّوه "إيبولا" على إسم النهر الذي تشرب منه  قرية "يامبوكو". وسرعان ما تضاءل شأن الفيروس، بل بدا كأنه اختفى لقرابة عشرين عاماً.

في 1995، عاود فيروس "إيبولا" الظهور مجدداً، في مكان يبعد قرابة 500 ميل (805 كيلومترات) عن نقطة ظهوره الأول، تحديداً في قرية "كيكويت" الواقعة جنوب غربي "يامبوكو". في هذه المرة، استهل الفيروس ضربته بإصابة غاسبار مينغا (35 سنة) الذي يعمل في حصاد المحاصيل وصنع الفحم في غابة مجاورة لـ"كيكويت". وتصادف أن اسم أسرة المُصاب يعني "الدم" في لهجة الـ"كيكونغو" المحلية. أُدخِل ذلك المُصاب إلى "مستشفى كيكويت العام". ثم فارق الحياة متأثراً ببكتيريا تُحدِثُ حالة مرضية تسمى "شيغولوسيس" سببت له إسهالاً قوياً. حدثت الوفاة في يناير (كانون ثاني) 1995. ثم مرت أربعة شهور من الجمود. ولم يتحرك أحد قبل مايو (أيار) من تلك السنة، بعد أن صارت نوبة العدوى كارثة مشتعلة، وبعد امتلاء ردهات المستشفى بالصراخ والأنين والقيء، وبعد امتلاء قبور كثيرة بالجثث، وبعد عودة المتخصصين إلى تلك المنطقة وجمعهم مجدداً عينات دم حُمِلَتْ إلى الخارج كي تُجرى عليها الفحوصات اللازمة. بعد ذلك كله، أدرك الجميع أن "إيبولا" قد عاد. ولم تخمد تلك الموجة من العدوى قبل أن تضرب 317 شخصاً، وتقضي على أرواح 245 آخرين. ووثَقَتْ الصحافة الأجنبية الرعب الذي عاشته "كيكويت"، وأبرزت إلى عيون المجتمع الدولي، ذلك الوضع الشائن. ومنذها، عاود "إيبولا" الظهور في الكونغو ست مرات أخرى.

وعلى عكس الأوبئة التي ينقلها الهواء، لا ينتقل "إيبولا" إلا بالتماس المباشر مع سوائل الجسد المُصاب بالفيروس. ولم يحل ذلك دون إلحاق "إيبولا" خراباً هائلاً في دول الساحل الغربي لأفريقيا التي انتشر بين سكانها في 2014. وآنذاك، سجل "إيبولا" أضخم انتشار معروف له تاريخياً، وأصاب 28 ألف شخص، وفتك بما يربو على 11 ألفاً آخرين. وعلى الرغم من صعوبة انتقاله بين البشر، إلا أن "إيبولا" استطاع تحطيم نُظُم الرعاية الصحية، وخلخلة اقتصادات الدول، ونشر رعباً واسعاً في البلدان التي طاولتها ضرباته. وفي كل ضربة، كشف "إيبولا" هشاشة نفسياتنا وبنياتنا التحتية الصحية، التي قد يستغلها عنصر مرضي آخر، فيكون أشد انتشاراً وفتكاً.

وبصورة جلية، تشمل تلك الهشاشة الذاكرة، بمعنى تعمّق النسيان. وخلال 23 سنة انقضت بين ضربتي "إيبولا"، وُلِدَتْ أجيال في "كيكويت" لم تعشْ أهواله. واختفت أدوات وقاية الأطباء وطواقم التمريض من الدم الملوث للمُصابين به، على الرغم من استمرار المرض في معاودة الظهور في أنحاء أخرى من البلاد. وارتفع عدد سكان "كيكويت" إلى ثلاثة أضعاف ما كانه عند الظهور الأول للفيروس، وكذلك ظهرت أحياء سكنية جديدة. ومن يتجوّل في السوق هناك، يعثر على مشاهد "مبهجة" كالقردة المُحمّصة وقد احتفظت وجوهها بملامح الموت. إذ تتاجر بعض المحلات بالقردة والخفافيش وغيرها من لحوم حيوانات الغابة. ثمة أسواق مشابهة في الصين، ولقد زُرتها بنفسي، وتعمل كأنها مغناطيس لمكوّنات البيئة نظراً لاكتظاظها بمعروضاتها من الحيوانات الآتية من الغابات، مع كل الفيروسات التي تعشعش في أجسادها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وجه مفزع للتنوّع البيولوجي

استطراداً، تعتبر الكونغو إحدى الدول الأكثر غنىً في التنوّع البيولوجي. وفيها، تحوّل فيروس الإيدز وباءً اجتاح العالم، لكنه اكتُشِف على بُعد مسافة تساوي نصف الكرة الأرضية، في كاليفورنيا. وفي الكونغو، جرى توثيق انتشار مرض "جدري القردة" بين البشر، للمرة الأولى. وكذلك شهدت الكونغو موجات أوبئة تشمل فيروس "ماربورغ"، و"حُمّى كونغو- القرم النزفية"، وفيروس "شيكونغونيا" و"الحمى الصفراء". ويجمع بين تلك الأوبئة مصدرها الحيواني الذي قفزت منه إلى البشر. وكلما أمعن البشر في التوغّل داخل الموائل الطبيعية المسكونة أصلاً بحيوانات الحياة البرية، تتزايد إمكانية أن تنتقل إليهم فيروسات وجراثيم من تلك الحيوانات.

وفي ذلك الصدد، يُتوقّع تَضاعُف عدد السكان في دول ما تحت حزام الصحراء الأفريقية الكبرى، خلال العقود الثلاثة المقبلة، ما يعني زيادة اقتحام الحياة الحضرية للمناطق البرية البكر، مع جلب مجموعات كبيرة من الأشخاص غير المُلمين بأمور المناعة إلى مناطق تجعلهم على تماسٍ مع مجموعة كبيرة من العناصر المرضية التي تنتقل إليهم آتية من خزّانها الحيواني، على غرار "حمى لاسا" النزفية التي تأتي من الفئران، و"جدري القردة" من القوارض والقرود، و"إيبولا" من... حيث لا يعلم به إلا الله.

وكمعدل وسطي، يُقدّر أنه في العقود الثلاثة المنصرمة ظهرت في كل سنة عدوى ما في زاوية من الأرض، على غرار "حمى الشرق الأوسط التنفسية الحادة" وأوبئة فيروسي "حمى نيباه" [حرارة وقيء والتهاب رئوي] و"هِندرا" [انتقل من الأحصنة عبر خفافيش الفاكهة] وغيرها.

وكذلك يقدّر البحّاثة أن الدواجن والحيوانات اللبونة تأوي في أجسادها ما يتراوح بين 613 ألفاً و827 ألف نوع من الفيروسات المجهولة، مع إمكانية أن تقفز إلى البشر. وثمة جهود شجاعة تسعى إلى التعرّف إلى تلك الفيروسات، وتتقصاها أيضاً في أمكنة كمزارع الدواجن وأسواق لحوم حيوانات الغابات، التي تشكّل كلها مساحات "للتلاقي" بين البشر وتلك الجراثيم.

وعلى الرغم من ذلك، يرجح أننا لن نعرف النوع التالي الذي يحتمل أن يقفز إلى أجسادنا آتياً من عوالم الحيوانات. أكثر من ذلك، ثمة إمكانية أن يتسبّب فيروس معروف جيداً، مثل "زيكا" المُكتَشَفْ منذ 1947، في إطلاق موجات غير مألوفة من الأوبئة.

وفي زاوية مغايرة تماماً، تملك الكونغو تاريخاً إيجابياً في القدرة على احتواء أوبئتها. وقد يعود ذلك جزئياً إلى صعوبة المواصلات. إذ تكسو الغابات معظم مساحة تلك البلاد التي لا تحتوي سوى 1700 ميل (2736 كيلومتراً) من الطرقات المعبدة. وقد أسهمت المسافات الطويلة ورداءة البنية التحتية للمواصلات، في احتواء موجات "إيبولا" خلال السنوات الماضية.

في المقابل، إن هذا المعطى آخذٌ في التبدّل. ثمة طريق طوله 340 ميلاً (547 كيلومتراً) يربط بلدة "كيكويت" بالعاصمة كينشاسا، مع وجود قرى عدة على جنباته. في 1995، كانت تلك الطريق رديئة الصيانة إلى حد أن عبورها يستلزم أسبوعاً من السفر. وحاضراً، بات معظم تلك الطريق معبّد بصورة جيدة، فلا يستغرق عبورها سوى 8 ساعات. ويقطن "كينشاسا" أثنا عشر مليون شخص، ويفوق ذلك مجموع السكان في عواصم الدول التي اجتاحها "إيبولا" في 2014، أثناء تفشيه في دول الساحل الغربي لأفريقيا. وتغادر مطار "كينشاسا" ثماني رحلات سفر يومياً.

وفي "كينشاسا"، يُعرِب أحد أشهر المتخصصين الكونغوليين في الفيروسات، ويعمل في "المعهد الوطني للبحوث البيولوجية الطبية"، عن قناعته بأنه "لو أصيبت بلدة "كيكويت" الآن بفيروس "إيبولا"، فسيصل إلى "كينشاسا" بسهولة. سيسعى المرضى إلى مغادرة "كيكويت" سعياً منهم للحصول على علاج أفضل، ما قد يجعل "كينشاسا" تصاب بالفيروس فوراً. وبعدها... من يدري؟ بلجيكا؟ أو ربما الولايات المتحدة؟".

دروس التاريخ وحقبة زوال الجغرافيا

قبل مئة سنة، في 1918، اجتاح العالم فيروس أنفلونزا من نوع "آتش1 أن1". ربما ابتدأت تلك العدوى من كنساس أو فرنسا أو الصين، لكنها انتشرت إلى الأمكنة كلها بسرعة. وخلال سنتين، قتلت أكثر من 100 مليون شخص، ما يوازي 5 في المئة من سكان الكرة الأرضية آنذاك. وقد فاق قتل تلك الأنفلونزا ما فتكت به أسلحة الحرب العالمية الأولى. لم تقتصر ضحاياها على اليافعين وكبار السن والمرضى، بل ضربت أصحاء متعافين أقوياء، وقد قضى الأخيرون ضحايا رد فعل عنيف من جهازهم المناعي حرّكها فيروس "آتش1 أن1". وأزهقت أرواح قتلاها بسرعة إلى حد أن المستشفيات لم تجد أسِرّة لهم، ونفدت التوابيت من المدن، ولم يجد المفتشون الحكوميون وقتاً كافياً لتحرير شهادات الوفيات. وكذلك أدت إلى خفض متوسط العمر لدى الأميركيين بأكثر من عشر سنوات. "لقد عملت تلك الأنفلونزا على إعادة تشكيل تركيبة سكان الأرض بصورة جذرية تفوق كل ما سبقها، منذ "الموت الأسود" [= حقبة وباء الطاعون]"، وفق كلمات الباحثة لورا سبيني في كتابها "بايل رايدر" (2017) الذي تناولت فيه تلك الجائحة الوبائية. شكلت تلك الموجة العاتية من الوباء الكارثة الأشد فتكاً في التاريخ، وبقيت ذكرى مؤرقة عن التهديد الذي تمثله الأنفلونزا.

ويبدو أن الإنسانية تحتاج إلى تذكِرات من ذلك النوع. وفي 1948، عقب ابتكار أول لقاح للأنفلونزا وشيوع استعمال البنسيلين الذي شكّل أول مضاد حيوي تاريخياً، تفاخر وزير الخارجية الأميركي جورج مارشال بأن هزيمة الأوبئة باتت أمراً وشيكاً.

وفي 1962، عقب ابتكار لقاح ثانٍ ضد فيروس شلل الأطفال، أكد السير فرانك ماكفرلين، مبتكر ذلك اللقاح الذي مُنِحَ بسببه جائزة نوبل للطب، أن "الكتابة عن الأمراض الوبائية يشبه الكتابة عما عَبَر".

لا تُبدي الرؤية الاسترجاعية لتلك الأقوال تساهلاً حيالها. وعلى الرغم من التقدم في اللقاحات ومُضادات الحيوية، وكذلك القضاء على الجدري، يبقى الجنس البشري حبيس معركة ملحمية مع الفيروسات والجراثيم التي طالما ناضل ضدها منذ فجر وجوده. عندما ظهرت المُدن، عملت الأوبئة على تحطيمها، وقد تكررت تلك الدورة مرات عدة عبر آلاف السنوات. عندما استوطن الأوروبيون القارتين الأميركيتين، تبعهم الجدري. وعندما خاضت الجيوش غمار الحرب العالمية الأولى، لم تتأخر الأنفلونزا عن الركب، بل وجدت ضالتها في ذلك الصراع الدموي الذي لم تكن الأرض قد شهدت نظيراً له أبداً. وعلى مدار التاريخ، نجحت الأمراض دوماً في الاستفادة من تدافع حوادثه.

وحاضراً، تعيش الإنسانية مرحلة تتسم بالتغيير الذي يسري بسرعة لا مثيل لها في تاريخ الإنسان. في 1918، لم يزد عدد البشر على البليونين، وبلغوا الآن ما يزيد على 7.6 بليون. وزادت هجرتهم إلى المدن التي صارت مسكناً لأكثر من نصف أهل الأرض. في ظل تلك المعطيات، يسهل على الجراثيم الانتشار بسرعة، وأن تضحى منيعة حيال مُضادات الحيوية. ليس مصادفة أن عدد الأوبئة تضاعف ثلاث مرات منذ حقبة الثمانينيات من القرن العشرين.

أدّت العولمة إلى مضاعفة تلك المخاطر. إذ تستطيع الطائرات حاضراً حمل ركاب تفوق أعدادهم عشرة أضعاف ما كانته قبل أربعة عقود. في ثمانينيات القرن العشرين، برهن وباء الإيدز عن القوة التي يمكن لمرض جديد أن يمتلكها، عبر إطلاقه وباءً عالمياً تحرك ببطء لكنه حصد 35 مليون ضحية حتى الآن.

في 2003، تحرك فيروس مُكتَشَف حديثاً، هو "سارس"، بثبات وسرعة فاقت ما حدث مع الإيدز. انتقل "سارس" من بائع مأكولات بحرية أصابه المرض وأجبره على دخول المستشفى في "غوانغزهو"، حيث انتقل الفيروس إلى عشرات الأطباء وطواقم التمريض، وقد سافر واحد منهم إلى هونغ كونغ كي يشهد حفل زواج. وفي تلك الليلة الاحتفالية، انتقل فيروس "سارس" إلى 16 شخصاً، حملوا الفيروس إلى كندا وسنغافورة وفيتنام. وفي ستة أشهر، ضرب "سارس" 29 بلداً، وأصاب ثمانية آلاف إنسان.

إنها حقبة جديدة من الأمراض، تتميز بسريانها في ظل اختفاء الحواجز الجغرافية، ما يعني أن ما يبدأ تهديداً محلياً سيصل بسرعة إلى مستوى الخطر العالمي المحدق.

المزيد من آراء